Sunday 13th November,200512099العددالأحد 11 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "محليــات"

باختصارباختصار
«من وين جانا العنف»؟
نورة المسلّم

لا أعلم حقيقة إن كان سيل العنف ضد الأطفال موجة عارمة تجتاح مجتمعنا موخراً, أم أن المسألة قديمة جداً ومستورة, فيأتي كشفها على يد الانفتاح الإعلامي المحلي واجتيازه المحظورات, ذاتية كانت أم غير ذاتية, باتساع الهوامش والمواجهة, فيبدو المتذمرون منا من هذه المسائل هم القديمون جداً على أخبار كهذه.
في خلال شهرين, شاهدت مقطعين مصورين لطفلين يتعذبان على يد خادمة, أحدهما بعمر الأشهر والآخر بعمر سنتين. أما المنظر الثاني الذي شاهدناه فقد كان لطفل في حضن المؤسسة التعليمية, وعلى يد المعلم الفاضل, الذي كان يجلده بطريقة وحشية. ولن أبالغ إن منظر ذلك المعلم وهو يجلد التلميذ الأعزل إلا من توسلاته, كان يوحي لو أن في يد ذلك المعلم المريض سلاحاً لفتك بالصغير وأراح نفسه المريضة.
تضاف إلى ذلك حادثة الطفلة التي نقلت إلى المستشفى, بعد ما تناوب والدها على ضربها بوحشية, ولم ينته الأمر عند موقف, بل تواصل إلى حد أنه اصطحبها إلى البر لإكمال متعة الوحشية والاستبداد بالممتلكات. وهنا أشبّه هؤلاء المرضى كأنهم يعتبرون الملكية وانتماء هؤلاء الأبرياء لهم حقاً موصولاً للتنفيس عن مشاكل نفسية وجهل تام بقيمة وحق هؤلاء الأطفال كبشر مكتملي الحقوق والإنسانية. ولا بد أن هناك قانوناً غافلاً أو (عويصاً) يمنح هؤلاء كل هذا الاسترخاء للتمدد على أجساد طرية لا تحتمل العصا والسلك وربما الساطور غداً والسكين!.
لن أنمّط الحالات الثلاث التي تدمي القلب وتشعر بالتقزز من فهم حق الطفل كإنسان, لأنها حالات مختلفة تماماً, لكنني أسمع كغيري بكثير من اللجان والمسميات المبهجة في هذا الشأن, ولا أعلم مدى فاعليتها وقربها من الواقع وليس الورق.
الشيء الآخر, إن إنشاء منظمة لرعاية الأسرة أو حمايتها من العنف الأسري بما في ذلك الأطفال مسؤولية لا تقف هنا أو هناك, فهي في دول كثيرة تعادل بحكم الجرائم, والفرق الذي يدمي القلب ويصيب بالإحباط هنا أن المدرسة في الدول المتقدمة, تعتبر شاهداً على استغلال وتعنيف الطفل, بمعنى أن الطفل الذي يتعذب في البيت, يستطيع أن ينقل معاناته إلى المدرسة, وفي حال تأكد شيء من هذا, فإن المسؤول عن هذا الاستغلال سيذهب إلى المحاكم فوراً ورغماً عن إرادته, بل ويؤخذ منه الطفل ويودع في ملجأ رعاية. ولكن ما أصابني بواحدة من حالات الغثيان والهلع الثلاث, أن أحد الأطفال عندنا كان يجلد في المدرسة وعلى يد المعلم وفي غرفة المعلم الذي كان مقفلاً بابه ومستمتعاً بالتعذيب وبواحدة من أدوات سلاح الرجولة المتوفرة ذات التاريخ في الضرب ب(العقال)...؟
لا أظن الألم يتوقف هنا, فهناك حالات استغلال جنسي وعذابات أخرى يتعرض لها الأطفال في بيوتهم وعلى أيدي حاضنيهم, وأتذكر أنني حضرت ندوة وأشرفت عليها الجمعية الفيصلية الخيرية بمدينة جدة, كانت عن الاعتداء الجنسي من قبل أب على بناته.. كانت مرعبة وبشعة, وما جعل الألم متوصلاً هنا أن حالة تلك الفتيات الثلاث ذابت بين المحكمة الشرعية, التي كان القاضي فيها يطالب بالدليل المادي, وبين الجمعية الخيرية.. أما الشرطة فقد كانت في ذيل القائمة لأن الوصول إليها لابد أن يكون عبر قنوات طويلة جداً.
ولهذا تنام مثل هذه القضايا مع الألم, بل يذيبها الخوف, وبين فينة وأخرى يظهر شيء من المستور على السطح, وليس كله بالتأكيد, لكنه يقذف في وجوهنا جميعاً كرة من نار, تجعلنا لا نحك رؤوسنا في كل مرة ونحن نتساءل, مجتمعنا طيب, وحنون, من وين جانا العنف؟!.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved