عزيزي القارئ الكريم إن تذمر بعض المصلين من إطالة الإمام في الصلاة راجع إلى حال المصلي نفسه فالتذمر غالباً لا يكون إلا من رجلين: الأول: رجل كبير في السن ضعيف البنية أو به علة من مرض ونحوه. الثاني: شاب معافى لكن قلبه مريض لضعف إيمانه وقد أعان الشيطان على نفسه مما جعله لا يستطيع تحمل عشر دقائق كحد أعلى لوقت الصلاة، وهو يتحمل الساعات في إرضاء هوى نفسه. وإني لأعجب ممن يدعي إطالة الإمام في الصلاة في وقتنا الحاضر بالنظر إلى غالب حال الأئمة اليوم وقصدهم في أداء الصلاة فإنك لا ترى من يطيل، بل يغلب على الكثير منهم التخفيف غير المخل وهذا هو السنة وهو ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: (إذا أمَّ أحدكم فليخفف فإن وراءه الكبير والضعيف وذا الحاجة) ولكن ومع الأسف الشديد أن التذمر الحاصل اليوم من بعض المصلين لا يحمل إحدى هذه الصفات، وإنما التذمر يحصل من الشباب الأقوياء وهذا يدل على ضعف الإيمان في القلوب حتى أصبح وقت الصلاة ثقيلا عليهم فلم يكن للعبادة وزن في نفوسهم مما جعل العادات مقدمة على العبادات في الصبر والمصابرة، والله المستعان. إن الإطالة في إمامة الصلاة التي أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ بن جبل بسببها غير موجودة في مساجدنا اليوم فقد كان بعض السلف يقرؤون بطوال المفصل في الصلاة الجهرية بل بأطول من ذلك ويتلذذون لسماع القرآن والقيام بين يدي الله، فأين نحن من أولئك اليوم؟ أما عن الحكم: فإن الإطالة المفرطة التي تنفر المصلين من صلاة الجماعة غير جائزة والإمام يؤثم إن تعمد ذلك، لما دلَّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل (أفتان أنت يا معاذ... )..الحديث، ولكن كما قلت سابقاً: إن الغالب من الأئمة في الوقت الحاضر لا يطيلون الصلاة، ومن يتذمر من عشر دقائق - مثلا - فتذمره مردود عليه، وما ذاك إلا لأنه لم يذق حلاوة العبادة، والمناجأة بين يدي الله عز وجل، فالصلاة صلة بين العبد وربه، ولكن ضعاف الإيمان - وما أكثرهم - يشعر أحدهم وهو يصلي كأنه في سجن يرقب تسليم الإمام ثم ينطلق إلى خارج المسجد ولم يعقل من صلاته شيئاً. فمثل هذا لا يعتد بتذمره. ولا أرى أن هذا الموضوع يشكل ظاهرة في مساجد المسلمين اليوم فالنسبة العظمى من الأئمة صلاتهم قصداً - أي معتدلة - وإن وجد من يطيل فهو نادر جدا ومن واجب المأمومين مناصحته، وبيان السنة في ذلك فإن امتثل وإلا رفع أمره إلى الجهات المختصة وهي بدورها تتخذ الإجراءات المناسبة. والتعجيل في الصلاة على ضربين: 1- تعجيل مخل بالصلاة بحيث لا يستطيع المأموم متابعة الإمام ولا الإتيان بواجبات الصلاة وأركانها وشروطها على الوجه الأكمل فهذا عمل باطل ولا يجوز لأحد من الأئمة فعله. 2- تعجيل بمعنى التخفيف مع الإتيان بأركان الصلاة وشروطها وواجباتها والتمكن من متابعة الإمام دون خلل أو نقص فهذا هو المشروع في الإمامة. وهو يعين الناس على أداء الصلاة جماعة في المساجد خاصة في الوقت الحاضر الذي ابتلي فيه بعض المسلمين بالكسل والفتور في العبادة. وهذا العمل مشاهد لدى بعض المصلين. ومن المعلوم أن الطمأنينة في أفعال الصلاة ركن من أركان الصلاة. فإذا كان المصلي قد فقد هذه الطمأنينة في صلاته بسبب الإسراع فيها فصلاته باطلة والدليل على ذلك حديث المسيء في صلاته حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات (ارجع فصل فإنك لم تصل) حتى علمه النبي صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة مع الطمأنينة في أفعالها. ولا شك أن الصلاة بدون طمأنينة باطلة وبدون خشوع ينقص أجر صاحبها فإنه ليس للإنسان من صلاته إلا بقدر خشوعه فيها، وعدم الخشوع في الصلاة دليل على الجهل بمنزلة الصلاة في الإسلام وعلى وجود غفلة في القلب والتي من أهم أسبابها الذنوب والمعاصي كما قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر دليل على أنه لم يؤدها على الوجه الأكمل. والرسول صلى الله عليه وسلم كان يطيل أحيانا في صلاته فقد ورد أنه قرأ بسورة المرسلات، والأعراف في صلاة المغرب، وكان يطيل في الركعة الأولى من صلاة الظهر والعصر، ولكن هذا مشروط بمراعاة حال المأمومين وإلا فإن السنة في الإمامة على الإطلاق التخفيف لعموم حديث (إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف...) بل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخفف الصلاة عند سماعه بكاء الصبي مخافة أن يشق على أمه، فإطالة الصلاة على المأمومين ليست من السنة بل القصد والاعتدال. وكلمتي الأخيرة: أوصي كل مسلم أن يعطي الصلاة حقها من التمام والكمال، وأن يستشعر عظمة الرب جل وعلا. وهو واقف بين يديه، وكلما احتسب المسلم وقوفه وصبره على طاعة الله فإنه يؤجر على ذلك {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}. وأوجه نصيحتي الثانية إلى أولئك الذين يتذمرون من إطالة الإمام في الصلاة، بأن يتقوا الله في أنفسهم فإن تذمرهم لا مبرر له لأن الإطالة المعهودة من بعض الأئمة إطالة معتادة لم تصل إلى حد الإطالة المنهي عنها، لكنه داء الكسل والفتور الذي ابتلي به بعض المسلمين ومن شواهد ذلك أن أحد الشباب تذمر ذات يوم من إطالة الإمام في صلاة العشاء مع العلم أنها لا تتجاوز 12 دقيقة، والعجيب في الأمر أن هذا الشاب الذي تذمر من الإطالة وقف على قدميه خارج المسجد يتحدث مع زميله لمدة نصف ساعة ولم يتذمر، إذاً ما الذي يجعل العبادة ثقيلة على البعض من الناس إنه كما أسلفت ضعف الإيمان وسلطان الهوى ووسوسة الشيطان للصد عن هذه العبادة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
|