* كتب - عبد الله الرفيدي فهد الشملاني: يفتتح خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ظهر اليوم مقر منتدى الطاقة الدولي، وذلك بحضور 16 وزيراً للنفط و20 دولة، وسوف يقوم حفظه الله بالتجول داخل المقر ثم حضور الحفل الكبير الذي أقيم بهذه المناسبة. وسوف يستضيف المنتدى صباح اليوم لقاء يضم الدول العشرين المشاركة، وذلك لمناقشة أربعة محاور رئيسية وهي: العلاقة بين البترول والاقتصاد العالمي، مشاريع البترول المستقبلية والإنتاج في المصافي، تكنولوجيا صناعة البترول وآخر تطوراتها في البحث عن النفط واستخراجه، المعلومات وأهميتها وتأثيرها في السوق البترولية. وسوف يناقش المنتدى دراسة أعدت عن الاقتصاد العالمي والبترول، أعدها روجوف من جامعة هارفرد. لماذا منتدى للطاقة؟ كانت السوق البترولية شديدة التقلب وفاقدة للشفافية المطلوبة بين المنتجين والمستهلكين، وكان من أبرز إفرازات هذا التقلب وحرص الدول الصناعية الكبرى على بحث إيجاد تدفق طاقة آمن، هو إيجاد منظمة الطاقة الدولية التي أسستها الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الصناعية وقد انصب دورها على إمكانية إعطاء تنبؤ عن حال سوق النفط والغاز بشكل مستمر وحماية الدول الصناعية المستهلكة، إلا أن ذلك لم يحقق النتائج المرجوة منه حتى أن المنظمة أصبحت تعمل بعيداً عن المنتجين، مما أوجد عدم الثقة والريبة بين الطرفين وبالتالي استمرار السوق في التقلب. أما المنتجون فحالهم ليس ببعيد عن ذلك، فقد مارس البعض منهم سياسة الإغراق وعدم الالتزام بالاتفاقيات والحصص المتفق عليها. أما المنتجون خارج أوبك فقد كانوا يرفضون التعاون مع المنظمة والعمل في إطار مغلق ومنفرد. إن هذه الحال من عدم الاستقرار التي أدت في سنوات ماضية لوصول الأسعار إلى مستويات منخفضة جداً وصلت الى حد الخسائر وتكبد الدول المنتجة لأعباء وعجوزات مالية كانت درساً قاسياً للجميع. من جهة ثانية عن هذه الحال مارست الدول الصناعية في القذف بمسؤولية ارتفاع الأسعار على المنتجين، متجاهلة الأسباب سياسية كانت أم الاقتصادية أم أي مؤثرات أخرى، واكتفت بأن تضع ضرائب طائلة على المستهلكين من شعوبها وسن القوانين الصارمة لصناعة النفط وتكريره على أراضيها. وعندما تجد الحكومات المتعاقبة من كل دولة مشكلة في أسعار الطاقة تسارع باللوم بشكل مستمر دون أن تنظر إلى الأسباب، متجاهلة السياسة التي تتبعها في الداخل ومصالح الدول المنتجة. ولعلنا نلاحظ من وقت إلى آخر التصريح لمسؤولي الدول المستهلكة التي تطالب الدول المنتجة برفع الإنتاج دون النظر إلى تكلفة ذلك أو آثاره المستقبلية في الوقت الذي يدفع فيه مستخدم الطاقة ثمن ارتفاع الأسعار في بلاده. وبعد الحديث عن الحال وعدم الثقة وتجاذب المسؤولية لننظر إلى النتائج. لقد حفلت السوق بارتفاعات وانخفاضات مستمرة وما نعيشه اليوم في وضع مختلف لم تتوقعه أي منظمة أو دولة مستهلكة كانت أم منتجة. فأسعار النفط أخذت في الارتفاع وعلى مدى عامين تقريباً والاستهلاك آخذ في الارتفاع والمنتجون متجاوزون يعملون بطاقات قصوى. ومصافي التكرير تعاني من عدم التحسين والتطوير لدى المستهلكين، إضافة إلى أن الاكتشافات والبحث توقف. ومن النتائج أيضاً أن الرؤى اختلفت فالبعض يقول إن الوسيلة للحصول على أسعار مرتفعة في المستقبل هو انخفاضها في الوقت الحالي، وهذه الرؤية لدى بعض المنتجين في السابق. وأخرى ترى أن المسؤولية تقع فقط على المنتجين. ورؤية أخرى تقول ليس من حق المنتجين الحصول على أسعار ترضيهم للنهوض باقتصادياتهم وذهب ضحية ذلك الدول النامية غير القادرة على دفع أسعار مرتفعة، وبالتالي التأثير على اقتصادياتها. ومن هذا المنطلق كان للمملكة رؤيتها وتصورها حول ما يحدث وذلك بأن يكون هناك تعاون دولي وثيق بعيداً عن التحفظات والشكوك. في الوقت الذي تعد فيه من أكبر المنتجين أهمية في العالم لترفع شعارها ليعيش العالم بسلام. وتقول أيضاً إن العالم يستطيع أن يتفق عندما يرغب ذلك وحتى تتساوى الفرص ويستقر اقتصاد العالم بدوله كل سواء النامية أو الغنية وان الحاجة أصبحت ضرورية إلى الشفافية والتواصل المؤسسي والتوقف عن الرؤى الأحادية. وقد عرضت المملكة أن تكون مقرا لمنتدى يجمع المنتجين والمستهلكين على طاولة واحدة ليتشاوروا ويتدارسوا وضع السوق وتنشيط عمليات البحث العلمي والتقني للحصول على طاقة دائمة واكتشاف المزيد من الحقول واستقرار الأسعار. وقد استجابت أكثر من 50 دولة لهذه الدعوة وعلى رأسها الدول الصناعية الكبرى مثل أمريكا وبريطانيا وغيرها وأصبحت هناك إسهامات والتزامات لدعم هذا المنتدى سوف يخلق هذا المقر حقبة جديدة من التعاون في غاية الأهمية، ونتمنى أن تتوج بأن يصبح مؤسسة فاعلة لسلعة مهمة جداً يتوقف عليها مستقبل اقتصاد العالم وشعوبه. مستقبل الطاقة تشير التوقعات إلى أن استهلاك الطاقة العالمي سوف يستمر في النمو للسنوات القادمة. وقد زاد الاستهلاك من عام 1992 إلى 2005 بنسبة تجاوزت 23%. وكان نمو منطقة شرق آسيا الاقتصادي المرتفع والصين إلى رفع الطلب على الطاقة. وخلال العقدين القادمين فإن التوقعات تشير إلى أن العالم سوف يستهلك 92 مليون برميل في عام 2010م و100 مليون برميل في عام 2015م ثم 120 مليون برميل في عام 2025م وهذا متوسط استهلاك أشارت إليه المنظمات الدولية. في الوقت الذي نجد أن العرض قد بلغ في عام 2003م 79.4 مليون برميل في عام 2003، 83 مليون برميل عام 2004م، 84.5 مليون برميل في عام 2005م. وهذه التقديرات تعطي تصوراً بأن أسعار النفط سوف تستمر في الصعود وبالتالي فإن التأثير سوف يكون قوياً على الدول النامية مما يؤدي إلى فرملة (تباطؤ) في نموها الذي حققته منذ التسعينيات، وبالتالي انخفاض مفاجئ للاستهلاك وبروز عرض نفطي كبير غير مستغل وهبوط سعري كبير. وكانت أوبك تسعى دائماً لإيجاد فائض إنتاج يتم استغلاله عند الطوارئ مع الحفاظ على إمداد السوق باحتياجاته. وهذه التوقعات في ارتفاع الاستهلاك العالمي يحتم على الدول المنتجة والمستهلكة أن تتعاون في الحفاظ على اقتصادياتها وان لا يتأثر السوق بانخفاضات مفاجئة أو فوائض فوق الحاجة والعمل سوياً وبشفافية تامة نحو تحقيق تطلعات الجميع. ولعل وجود منتدى الطاقة ونظام للمعلومات سوف يسهم بشكل كبير في إدارة السوق. ويجب أن نعلم أن منتدى الطاقة سوف يخلق حقبة جديدة ومهمة، على دول العالم إدراكها من التفاهم والسلام الدائم والحفاظ على وجود طاقة دائمة بأسعار تبقى في متناول الجميع والحفاظ على مكتسبات كل دولة سواء كانت منتجة أو مستهلكة. إن إنتاج النفط أو الغاز وما يتبع ذلك من مصافي تكرير تحتاج إلى استثمارات كبيرة ولا تستطيع الشركات الاستمرار في هذا المجال خاصة في التطوير وزيادة الإنتاج في ظل سوق غير مستقرة، حيث الخوف من هبوط الأسعار يبقى ملوحاً في الأفق لتتكبد خسائر فادحة وخاصة عند العلم أن زيادة الإنتاج وتطوير الحقول وإنشاء المصافي في العالم تحتاج ما لا يقل عن تريليوني دولار خلال السنوات القليلة القادمة، يذهب 25% منها إلى المملكة وتبقى ذاكرة الشركات ناشطة عندما واجهت فائض إنتاج كبيرا واستهلاكا منخفضا في السابق أدى إلى خفض طاقة التكرير إلى مستويات لم يمكن معها النظر إلى انفاق أموال إضافية لرفع القدرة الإنتاجية، إضافة إلى ارتفاع التكلفة في الاستخراج حيث ما زال العالم يزخر باحتياطات ضخمة وبأشكال مختلفة للنفط تحتاج إلى التقنيات المتطورة والاستثمارات الكبيرة.. إذاً الجميع يتفق على أن المستقبل يحتاج إلى تطويع التقنيات وانفاق المزيد من الأموال لتوفير الطاقة للجميع، وهذا يحتاج إلى رؤية مستقبلية واضحة واستقرار تام في العرض والطلب وبالتالي أسعار مناسبة يمكن لها توافر التكاليف وهذا لا يتحقق إلا بتضافر الجهود الدولية. وقد بزغ فجر صناعة النفط السعودية في وقت مبكر من عهد باني هذا الكيان المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن وذلك بتوقيع اتفاقية التنقيب عن الزيت عام 1932م مع شركة (ساند اويل)، ورغم بساطة الاتفاقية إلا أنها فتحت آفاقاً كبيرة في هذا المجال، وبلغ إنتاج المملكة من الزيت عام 1945م (58) ألف برميل أي حوالي نصف بالمائة من الإنتاج العالمي البالغ 7 ملايين برميل يومياً، وكان احتياطي المملكة من البترول حوالي ملياري برميل أي حوالي 5% من الاحتياط العالمي. واستمرت صناعة البترول تحقق قفزات تطويرية هائلة إلى أن أصبحت اليوم أهم أكبر دولة بترولية في العالم على جميع المستويات، حيث تمتلك ربع احتياطي العالم وتستحوذ على 13% من الإنتاج العالمي وأكثر من 20% من مبيعات البترول العالمية، وتمتلك طاقة تكريرية تصل إلى (4.1) ملايين برميل يومياً. وتبلغ احتياطيات البترول المؤكدة للمملكة بنهاية هذا العام 264 بليون برميل، ولا يشمل هذا الرقم الاحتياطيات المرجحة والمحتملة، والتي تقدر مع التحفظ بنحو 100 بليون برميل، علماً بأن طريقة تقدير الاحتياطات التي تنتهجها المملكة تنسجم مع التعريفات والطرق التي تتبناها هيئات مهنية مرموقة في هذا المجال مثل جمعية مهندسي البترول، والمؤتمر العالمي للبترول، والجمعية الأمريكية لجيولوجيي البترول. وبالإضافة إلى الاحتياطات السابقة الذكر، توجد في المملكة كذلك موارد بترولية إضافية غير مكتشفة تقدر مع التحفظ بنحو 200 بليون برميل. ولمعرفة مدى ضخامة احتياطات المملكة، فإنه في ظل معدل الإنتاج الحالي للمملكة البالغ 8.6 ملايين برميل في اليوم، فإن العمر الزمني للإنتاج قياساً على الاحتياطات الثابتة فقط يبلغ نحو 80 سنة، ويمكن أن يمتد إلى أكثر من مائة سنة إذا تم الأخذ في الاعتبار الاحتياطات المرجحة والمحتملة، حتى مع استثناء الموارد الممكنة غير المكتشفة بعد. وخلال العام الماضي وإلى منتصف هذا العام تم اكتشاف ستة حقول للبترول والغاز في المنطقتين الوسطى والشرقية من المملكة ومن هذه الحقول حقل الشعيبة، حقل أبو سدر، حقل مدركة، حقل دعيبان، حقل حلفا، وحقل فزران. والإنتاج الحالي للمملكة لا يتماشى مع احتياطياته الثابتة، فمتوسط إنتاج المملكة هذا العام حوالي 8.6 ملايين برميل يومياً، وهو ما يمثل 13% من الإنتاج العالمي، في حين تمتلك المملكة 25% من الاحتياطي العالمي، ولذا فإن نسبة الاحتياطي إلى الإنتاج السنوي تصل إلى (87) ضعفاً. بينما تصل في دول رئيسية منتجة للبترول مثل الولايات المتحدة، وكندا وبريطانيا، والنرويج نحو (10) أضعاف فقط. إلا أنه من المتوقع ارتفاع إنتاج المملكة خلال السنوات القادمة نتيجة لزيادة الطلب العالمي على البترول. فمراكز الأبحاث والمنظمات الدولية تتوقع نمواً على البترول بنسبة تصل إلى حوالي 1.6% سنوياً، أو مليون ونصف المليون برميل يومياً. إضافة إلى ذلك سيسهم عاملان آخران في زيادة حصة المملكة في السوق البترولية الدولية. العامل الأول يتمثل في استمرار انخفاض الإنتاج من بعض الدول والمناطق الرئيسية مثل الولايات المتحدة وبحر الشمال. أما العامل الثاني فهو ضعف إمكانية اكتشاف بديل للبترول خلال العقدين القادمين على الأقل، نظراً للكلفة الاقتصادية العالية للبدائل المطروحة وضعف فعاليتها. ومن هذا المنطلق أنجزت المملكة وعلى صعيد البترول، مشروع تطوير حقلي القطيف وأبو سعفة بما يحقق زيادة في الإنتاج تبلغ 800.000 برميل في اليوم. وقد تم إنجاز هذه المشاريع العملاقة قبل الموعد المقرر لها، مما أدى إلى زيادة إجمالي الطاقة الإنتاجية للمملكة من 10.5 إلى 11 مليون برميل في اليوم. كما قامت المملكة مؤخراً بالتخطيط لزيادة الطاقة الإنتاجية القصوى تدريجياً إلى 12.5 مليون برميل في اليوم. وتتطلب هذه الخطط القيام بالكثير من الأعمال في الحقول القديمة والجديدة خلال الخمس سنوات القادمة. حيث تم بالفعل تحديد المكامن والحقول المراد زيادة طاقتها الإنتاجية. ويعكس قرار الاستثمار لزيادة الطاقة الإنتاجية إلى هذا المستوى استمرار التوقع بتصاعد الطلب على البترول السعودي خلال السنوات القادمة، كما يعكس في الوقت نفسه رغبتنا في المحافظة على طاقة إنتاجية فائضة معقولة لا تقل عن 1.5 مليون برميل في اليوم. وكما حدث في الماضي، فقد ساعدت القدرة الإنتاجية الفائضة على استمرار استقرار السوق البترولية وذلك بضخ المزيد من البترول في حالات نقص الإمدادات أو الطلب غير المتوقع. وعلى المدى البعيد، فقد تمت دراسة احتمال رفع القدرة الإنتاجية إلى 15 مليون برميل يومياً، وقد يتم البدء في تنفيذها إذا تطلب الاستهلاك العالمي ذلك. أما بالنسبة لسياسة المملكة البترولية، فإنها تتماشى مع نهج المملكة وسياستها المعتدلة والمتوازنة في جميع المجالات والتي تراعي مصالح جميع الأطراف والقوى وتوازن بين الحاضر والمستقبل، فالمملكة تعمل بمبدأ سياسة الاعتدال والتعاون مع الجميع من أجل السلام، والنمو الاقتصادي والرخاء. وبشكل أساسي تهدف السياسة البترولية للمملكة إلى استقرار السوق البترولية الدولية من خلال توازن العرض والطلب، يساعدها على تحقيق ذلك وجود مخزون بترولي تجاري هائل لديها وقدرة إنتاجية عالية، وأيضاً طاقة إنتاجية فائضة، مما يمكنها من تلبية متطلبات الاستهلاك العالمي خلال فصول السنة المختلفة. كما تعمل المملكة العربية السعودية وبالتعاون مع الدول المنتجة الأخرى (داخل الأوبك وخارجها) على ضمان توفر كميات كافية من البترول الخام في السوق، مع تفادي وجود فائض في العرض قد يؤدي إلى انهيار السوق وانخفاض الأسعار، والتي نسعى إلى استقرارها وتجنب تذبذبها بشكل كبير، فالمملكة تسعى للمحافظة على أسعار ذات مستويات معقولة تحقق مصالح الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء، وتساهم في نمو الاقتصاد العالمي وبالأخص اقتصاديات الدول النامية، وأيضاً تحقق عوائد مناسبة للصناعات البترولية العالمية لحفزها على المزيد من الاستكشاف والإنتاج لتلبية الطلب المتنامي على البترول. الصناعة البترولية السعودية تمكنت المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية من بناء صناعة بترولية متميزة تعكس بشكل كبير أهمية ودور المملكة على المستوى العالمي. كون المملكة أكبر دولة منتجة ومصدرة للبترول، والدولة التي تمتلك أكبر احتياطي بترولي في العالمي، يستلزم أن يكون لديها صناعة بترولية قوية ذات فعالية وإنتاجية عالية، تدار على أسس تجارية وفنية سليمة. وقد نجحت المملكة في ذلك، بشهادة الجميع، واستند هذا النجاح، إلى أربع ركائز أساسية: الركيزة الأولى بناء وتأهيل الإنسان السعودي، حيث تولي الصناعة البترولية السعودية العاملين في هذه الصناعة اهتماماً خاصاً بدءاً من احتضان الشباب السعودي المتميز منذ تخرجه من المرحلة الثانوية في برامج تدريبية فنية قل مثيلها في العالم، ويتم اختيار المتفوقين منهم لابتعاثهم للدراسة الجامعية في أحد التخصصات التي تحتاجها الصناعة، وبعد تخرجهم يتم تعيينهم في المكان المناسب وإعطاؤهم الحوافز المادية والمعنوية المناسبة مع استمرار تدريبهم. وقد استطاعت المملكة بناء كفاءات وطنية خلاقة ومنتجة تضاهي في إنتاجيتها وكفاءتها نظيراتها في الدول المتقدمة وفي شركات البترول العالمية. ولعل أكبر مثال على كفاءة العاملين في الصناعة البترولية السعودية هو ما حدث بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990م، حيث استطاعت المملكة، دون اللجوء إلى أية مساعدة خارجية، زيادة إنتاجها بمقدار ثلاثة ملايين برميل يومياً في غضون أربعة أشهر فقط، كما تمكنت في أوائل عام 1991م من السيطرة على أكبر تسرب نفطي حصل في التاريخ في مياه الخليج العربي. ومن المناسب الإشارة هنا إلى أن نسبة المواطنين السعوديين العاملين في أرامكو السعودية تصل إلى حوالي 86% والبقية ينتمون إلى قرابة خمسين دولة، يتم اختيارهم بناء على حاجة الشركة، وبناء على كفاءتهم. الركيزة الثانية الاهتمام بالتقنية البترولية وتقنيات الطاقة بشكل عام، إذ تلعب الجامعات السعودية ومراكز الأبحاث كمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية وشركات البترول والبتروكيماويات دوراً أساسياً في هذا المجال، ولا يقتصر الاهتمام بالعلوم والتقنية على الجوانب النظرية والأبحاث، بل على الجوانب التطبيقية، فعلى سبيل المثال فإن أرامكو السعودية تعد أكبر شركة بترول مستخدمة لتقنيات الاتصال والمعلومات في العالم، حيث تراقب وتتابع من خلال هذه التقنيات إنتاج ونقل أكثر من تسعة ملايين برميل من الزيت الخام يومياً، وأكثر من 7 بلايين قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً، وتشمل أعمال مراقبة آبار وحقول البترول، ومراكز التجميع، ومعامل فرز الغاز من الزيت، والمصافي، وخطوط الأنابيب، ومرافق الشحن والتوزيع، ومرافق توليد الطاقة، ومكاتب المبيعات حول العالم. وتستخدم أرامكو السعودية أفضل وأحدث تقنيات الاستكشاف والحفر، وإنتاج البترول، ومراقبة الحقول، وفي الشركة مركز للبحوث والتطوير يعمل فيه حوالي 350 باحثاً يشتركون في العمل على مشروعات بحثية مختلفة، وقد أنشئ بهدف نقل وتوطين التقنية وتطويرها، وزيادة الإنتاجية، وإيجاد حلول مميزة في مجال تقنية صناعة البترول، ودعم أعمال هذه الصناعة. ومن ثمار هذا المركز، حصلت شركة أرامكو السعودية على 25 براءة اختراع مسجلة عالمياً، وهناك ما يزيد عن 150 براءة اختراع في طور البحث والتسجيل. الركيزة الثالثة تتمثل في الإدارة الفعالة، فبدون وجود إدارة خلاقة مؤهلة ومرنة، لا يمكن إنشاء صناعة ناجحة، وهذا الأمر له أهمية قصوى، ليس فقط من خلال التدريب والتطوير المستمر والبرامج الإدارية المتخصصة فحسب، بل بإتاحة الفرصة للإداريين لاكتساب المزيد من الخبرات العلمية والمهنية، من خلال التنقل والعمل في الإدارات المختلفة داخل وخارج المملكة، والمشاركة في الأنشطة الدولية المختلفة مثل حضور المؤتمرات والندوات وإلقاء المحاضرات، وإنشاء علاقات تعاون وتبادل للمعلومات والأفكار مع الجهات والشركات المماثلة. الركيزة الرابعة فتتمثل في تأسيس علاقة عمل وطيدة ومثمرة وفعالة بين الحكومة والشركات البترولية العاملة في المملكة، فالحكومة تولي هذه الشركات ثقة تامة ولا تتدخل في الأعمال اليومية للشركات من استكشاف، أو تشغيل، أو صيانة، أو مبيعات، أو مشتريات، أو تعيينات. أو مفاوضات تجارية، أو فنية، مع جهات أخرى داخلياً أو خارجياً. ويشمل هذا عدم التدخل في أنظمة الشركات الداخلية وأنشطتها المالية، حيث تترك لها الحرية التامة والمرونة اللازمة للوصول إلى أعلى إنتاجية ممكنة. وقناة الارتباط الأولى بين الحكومة وشركة أرامكو السعودية، المملوكة كاملاً للدولة، تتمثل في مجلس الإدارة، الذي يشرف على أعمال الشركة كأي مجلس إدارة في الشركة العالمية الناجحة. فأرامكو السعودية تدفع الضرائب، والعوائد والأرباح للدولة، وتتم محاسبتها مالياً طبقاً لأسس وأنظمة واضحة وصريحة، بشفافية تامة، وكما هو موجود في أكثر الدول تقدماً في هذا المجال. أما قناة الارتباط الثانية بين الحكومة والصناعة البترولية السعودية فهي المجلس الأعلى لشؤون البترول والمعادن، والذي يرأسه خادم الحرمين الشريفين، الذي يقرر السياسة والإستراتيجية البترولية العليا للمملكة، والخطوط العامة للصناعة البترولية السعودية.
|