يقول الشيخ عبد الله بن خميس - متعه الله بالصحة والعافي -: (آل عفيصان أسرة كريمة عريقة في المجد والجود والشجاعة، صار منهم أمراء في جهات عديدة في دولة آل سعود، ومنهم قواد على الجيوش والسرايا، منهم: سعد بن عفيصان وأبناؤه - في عهد الملك عبد العزيز - ساروا على نهج سلفهم، وقد قتل ابن الأمير سعد في (أبها) ووالده أمير عليها). أ. هـ وسعد بن سليمان بن عفيصان حامل لواء الجهاد والتضحية من أسرة آل عفيصان في العهد السعودي الثالث، وهو من رجال (سيد هذا العصر) الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن- رحمه الله - الأقوياء الذين ظلوا موضع ثقته، والذين ما ضعفوا وما تخاذلوا في أشد اللحظات، وهم يخوضون أشرس المعارك واضعين نصب أعينهم الهدف الأسمى وهو توحيد البلاد تحت راية التوحيد، وتحقيق المبادئ العليا التي نادى بها الملك عبدالعزيز. مولده ونشأته ولد في الخرج ونشأ ببلدة السلمية ونستنتج من مقابلة فيلبي له سنة 1337هـ أن مولد سعد كان في ما بين 1295 - 1300هـ، إذ ذكر فيلبي أن سعداً كان في منتصف عمره أو أقل قليلاً، يقول: كان الرجل - يبدو في منتصف العمر أو أقل من ذلك قليلاً - ومظهره في ملامح الوجه والبنية مثالاً للنجدي، نحيل ولكنه ليس طويلاً، وبه شيء من وسامة، رقيق عظم الخد وله لحية خفيفة وذقن مستدقة، وصوته حاد بعض الشيء. ووالدته من قبيلة المصارير من الدواسر. مقاومة حكم ابن رشيد للسلمية بعد انتهاء الحكم السعودي في العهد الثاني، وتولي ابن رشيد حكم نجد، كان سعد بن عفيصان رافضاً لهذا الحكم، ويتحين الفرص لينقض على أتباعه في السلمية ويقضي عليهم ثم يلجأ إلى أخواله في البادية أو يحتمي بجبال (عليه) المنيعة. واستمر على هذه الحال حتى سنة 1319ه حينما سمع أن الملك عبد العزيز دخل الرياض، فقرر التخلص من عمال ابن رشيد الذين وضعهم بالسلمية فقدم إلى السلمية خفية وأرسل إلى ابن عمه عمر بن سليمان بن عفيصان - وكان ذا شجاعة وبسطة في الجسم - ومحمد بن درع من أهل السلمية، وأبلغهم نيته بالقضاء على أتباع ابن رشيد ويطلب منهم القيام معه لتحقيق هذا الهدف، وفي إحدى الليالي المتفق عليها كمنوا عند قصر إمارة السلمية حتى قبيل الفجر، وهو الوقت الذي يخرج فيه الجنود ليأتوا بالماء، ويتركوا دروازة القصر مفتوحة، فلما ذهب السقاة دخلوا القصر، وصعدوا إلى الغرف التي ينام فيها عمال ابن رشيد، فقضوا عليهم جميعاً بعد معركة شرسة. دوره في حرب الخرج عام 1320هـ حشد عبد العزيز بن متعب بن رشيد جنوداً كثيرةً خرج بها من ثادق متجهاً إلى الرياض للقضاء على الملك عبد العزيز، وكان الملك عبد العزيز قد خرج من الرياض بعدما جعل فيها حامية قوية بقيادة والده الإمام عبد الرحمن بن فيصل - رحمه الله - وقصد الخرج، والغرض من خروجه أن يعلم به ابن رشيد فيقتفي أثره. يقول الأمير سعود بن هذلول: عندما علم ابن رشيد بخروج الملك عبد العزيز ارتحل مسرعاً إلى الرياض وأقام قريباً منها وأمر جنوده بنهب ما تصل إليه أيديهم، فقامت البلاد بحربه ودافع أهلها أشد الدفاع بقيادة الإمام عبد الرحمن بن فيصل فتركها وقصد الخرج وكان في بلد السلمية سرية لابن سعود مع كبيرها سعد بن عفيصان . فحاول ابن رشيد دخولها ليجعل معسكره بها، ولكن سعد بن عفيصان تصدى له ومنعه حتى من التزود بالماء، فأخذ ابن رشيد يحاول استمالة سعد للوقوف بجانبه في قتال الملك عبد العزيز فكان يقول له: (يا سعد أنا ابن عمك وأقرب لك من ابن سعود العنزي، وكان جواب سعد: إن ابن سعود أقرب لما بيننا وبين آبائه وأجداده من عهود ومواثيق لن نخلفها أبداً). فرحل ابن رشيد بجيشه وعسكر في بلدة نعجان، وبعد معارك وقتال خسر فيها ابن رشيد كثيراً من رجاله، انسحب من بلدة نعجان ماراً في هزيمته بالسلمية فخرجت عليه السرية التي كانت فيها مع سعد بن عفيصان وطردته من تلك الجهة. وظل - رحمه الله- في أثناء إمارته للسلمية يعمل بكل إخلاص وتفانٍ في خدمة إمامه إذ شارك في الحملات التي سار بها الملك عبد العزيز لضم بعض بلدان نجد، وكان يكلفه الملك عبد العزيز بقيادة بعض الجيوش لتأديب بعض القبائل الموالية لابن رشيد أو التي تظهر العصيان. مصاهرته للملك عبد العزيز في إحدى الزيارات التي كان يقوم بها الملك عبد العزيز للخرج وقبل أن ينتقل سعد بن عفيصان لإمارة منطقة الأفلاج، سار الملك عبد العزيز ومعه جموع كثيرة من أتباعه إلى بلدة السلمية، وكان مقصده زيارة أميرها سعد بن سليمان بن عفيصان، ولم يكن سعد يعلم مسبقاً بقدوم الملك عبد العزيز وجموعه حتى يستعد لإكرامهم الإكرام اللائق بمنزلة الملك وصحبه، ففاجأه الملك بمن معه في نخله بالسلمية المسمى (الدغيثري) فقام على الفور بذبح الجمال التي يسقي بها نخله، لأنه لم يجد غيرها في تلك الساعة وقام بحق الإكرام والضيافة خير قيام. وكان الغرض الذي دعا الملك عبد العزيز لزيارة سعد هي رغبة الملك في مصاهرة سعد، فزوجه سعد ببنت عمه كلثم بنت إبراهيم، ولم تنجب منه. سعد بن عفيصان أميراً لمنطقة الأفلاج تولى سعد بن عفيصان إمارة الأفلاج سنة 1332هـ وقد مكث بها أربع سنوات تقريباً وبذل كل ما يستطيع من جهد لخدمة مليكه، وتثبيت الحكم السعودي في تلك المنطقة وما جاورها من البلدان، وقد تزوج سعد أثناء إمارته لمنطقة الأفلاج من العجالين، أم ابنه محمد. لقاء سعد بن عفيصان بعبد الله فيلبي أثناء الجولة العلمية التي قام بها فيلبي لمناطق جنوب نجد (سنة 1337هـ الموافق 1918م) التقى في منطقة الأفلاج بأميرها سعد بن سليمان بن عفيصان. وبعد وصول فيلبي إلى مدينة (ليلى) ترك أصحابه لإعداد مخيمه وأسرع بزيارة أمير المنطقة سعد بن عفيصان والسلام عليه يقول فيلبي: ذهبت أنا ومعي آخرون من المجموعة دون تأخير لتحية الأمير، وكان مسكن الأمير العالي المحصن قصر الشيوخ وصلنا لبوابة القلعة العظيمة التي تواجه السوق المستطيل الأبعاد. وبعد المدخل مباشرة وفي صالة ضيقة معتمة حوائطها مزودة على الجانبين بأرائك طينية خفيفة جلس سعد بن عفيصان، حاكم مقاطعة الأفلاج التي انتقل لإدارتها منذ عهد قريب من وظيفة قليلة الأعباء هي إمارة قريته بالخرج. وبعد لقائه بالأمير سعد بن عفيصان وصفه فيلبي فأنصفه بما يستحق من صفات القوة والشجاعة، يقول: (ويُعرف ابن عفيصان في نجد كلها كرجل قوي لا تلين شكيمته، مع التزام صارم بالتعاليم السلفية، ولقد كان أيضاً ذا مقدرة عالية من الحكمة والتصرف واللطف مما جعله يتمتع بمزايا عديدة نتج عنها نجاحه الذي وضح في إدارته لقبيلة... صعبة المراس كما بدا جلياً في شعبيته). وبعد أن فرغنا من التحايا الرسمية أجلسني الأمير على المقعد إلى يمينه ودارت أقداح القهوة، ذهب القدح الأول له وأخذه، وقدم إلي القدح الثاني). وفي هذه المقابلة الأولى دارت بينهما أحاديث في شتى الأمور قد سجلها لنا فيلبي، ومنها: - فيلبي: (أخبرته عن تجربتي في الخرج ومستودعات الماء العظيمة التي اعترف لي بأنه لم يرها). - سعد: (ولكن انتظر، لدينا هنا ينابيع أكثر عظمة من تلك الموجودة في الخرج وستراها غداً، أما وادي الدواسر فلم يجر فيه الماء لثلاثة أجيال خلت، ولكن في العام الماضي في رمضان جعله الله يفيض بالماء في المجرى القديم واخترق حاجزاً رملياً لمسافة تبلغ مسيرة يومين في العرض، وجرى الوادي حتى كمدة، اسأل متعب (ابن قويد) هنا وهو أحد شيوخ الوادي الذي وصل هنا الآن في طريقه للرياض، قال هذا ملتفتاً لشيخ القبيلة الذي كان جالساً إلى يساره بينه وبين أحد أعيان المدينة، أظنه أحد أفراد بيت العجالين) - فيلبي: (علقت في حضرة الأمير مشيداً بالحالة الأمنية المستقرة في الإقليم الواقع بين الخرج والأفلاج). - سعد: (نعم في السابق لم يكن هناك سوى القليل من الأمن في هذه الأنحاء، ولكن الشكر لله ومن بعد للسياسة الرشيدة لابن سعود أن تغير كل ذلك، وحتى القبائل المتنافرة تغير على بعضها البعض فقط بعد أخذ الإذن من ابن سعود وإن لم يفعلوا تعرضوا للعقاب، وأضاف الأمير سعد في حديثه بإخبار فيلبي أنه سير حملة لمهاجمة قبيلة معادية. يقول: (ولم يمض وقت طويل منذ أن سمحت لجماعة من إحدى القبائل لمهاجمة يبرين حيث سيرجعون قريباً إن شاء الله، إذ مضى أسبوعان منذ أن بدؤوا رحلتهم في الصحراء بعد أن أعدوا لها العدة إذ كانت كل ذلول تحمل قربتي ماء وشوالاً من التمر، وعندما يقتربون من هدفهم يتركون قرب الماء في الصحراء ليغيروا على هدفهم، ثم يقفلوا عائدين لالتقاط قربهم من حيث تركوها، إذ ليس في كل تلك الصحراء ماء، وفي هذا الموسم حتى الإبل لا تحتمل العطش إلا بصعوبة). وبين - رحمه الله- أنه دائماً مساند للملك عبد العزيز في الكثير من حروبه، يقول: (لقد كنا في (ليلى) مساندين أوفياء لابن سعود ضد العناصر الخارجة عن القانون إن مساهمتنا العسكرية المعتادة هي ثلاثمئة رجل ولكن في حالات الخطر الاستثنائية نرسل رجالاً أكثر, مثلاً قبل اثني عشر عاماً قام ابن رشيد مدعوماً بكتائب عديدة من الجنود الأتراك ومعه بعض المدفعية متقدماً نحو القصيم، في تلك المناسبة ذهب ثمانمئة رجل من ليلى وحدها للانضمام لقوات ابن سعود ونظم هجوم معاكس عظيم في (هدية) حيث اقتلع الله الجنود الأتراك، ثم اقتلعهم ابن سعود وعاد بقاياهم إلى بغداد ليتركونا في سلام). وقد انتهت المقابلة الأولى لفيلبي مع الأمير سعد بن عفيصان وخرج منها بانطباع يقول عنه: (بعد مرور المبخرة علينا للمرة الثالثة، رأيت هذه السانحة مناسبة للاستئذان في الانصراف من حضرة الأمير الذي كنا نازلين في ضيافته عدة أيام قادمة، الذي سأجد لهذا السبب مناسبات كثيرة للقائه مجدداً، لم يكن قد نهض لملاقاتي عندما دخلت عليه في البداية، لكنه نهض الآن ليعجل بانصرافي، ولكنه كان بعد ذلك ينهض لملاقاتي ولوداعي، ولقد سمعت لاحقاً من إبراهيم (ابن جميعه) أن الأمير أقر أن تلك كانت أول تجربة للقاء مباشر له مع كافر، وهي تجربة برهن فيها على أنه خادم وفي لابن سعود، واعترف - أيضاً - أن التجربة لم تكن بالسوء الذي كان يتوقعه). وقد دون فيلبي الكثير من الانطباعات والمحادثات التي دارت مع أمير الأفلاج سعد بن عفيصان، وقد اكتفيت هنا ببعضها لأن المجال لا يتسع لعرضها. سعد أميراً لوادي الدواسر إن هذين البلدين (وادي الدواسر والأفلاج) موطن قبيلة الدواسر من أكثر القبائل إخلاصاً وموالاة للملك عبدالعزيز، وقد توطدت صلته بشيوخ وادي الدواسر، لأنهم أخواله، وأصهاره، فقد تزوج من الرجبان أم أبنائه فهد، ومتعب وقدم عليه في وادي الدواسر وفود قبائل نجران وتثليث يعاهدون على السمع والطاعة للملك عبد العزيز. وكان لسعد بن عفيصان صلاحيات كبيرة في إدارته لإمارة وادي الدواسر، إضافة إلى أنه ما يشتهر به من كرم حيث كان قصر الإمارة ممتلئاً دائماً بالضيوف والوفود من رؤساء الوادي والبلدان المجاورة الذين يقدمون الولاء والطاعة لولي أمر المسلمين الملك عبد العزيز، لذلك فقد سعى الوشاة والحساد إلى الملك من تصرفات أمير الوادي كذباً وافتراءً، فتم نقله من إمارة الوادي وتعيينه للمرة الثانية أميراً للأفلاج حتى سنة 1338هـ تقريباً. إمارته الثانية لوادي الدواسر عادَ سعدُ إلى إمارة وادي الدواسر وذلك أنه حدث بعد عزل سعد أن اختلف الأمير الجديد مع القاضي وانقسم أهل الوادي نتيجة هذا الخلاف إلى فريقين، فريق مع الأمير، والآخر مع القاضي وتفاقم الخلاف إلى أزمة حادة، بعد ذلك وفد أهل الوادي على الملك مطالبين بإعادة سعد أميراً عليهم. ويذكر فيلبي أن الأمير الذي خلف سعد على وادي الدواسر لم يكن قادراً على إدارة المنطقة بكل حزم، فيقول: (كان دون شك غير ملائم على الإطلاق للاضطلاع بهذا المنصب المهم الذي آل إليه قبل سنتين خلفاً لسعد بن عفيصان الذي نقل إلى الأفلاج... ثم إنه لم يكن المتصرف المطلق في منطقته كما كان ابن عفيصان) واستمر في إمارته لوادي الدواسر إلى أن كلفه الملك عبد العزيز بالمشاركة في قمع تمرد بعض قبائل منطقة عسير الذين نقضوا العهد وخرجوا على الدولة في عام 1340هـ. مشاركته في رفع التوتر بعسير في ربيع الأول من عام 1340هـ قام حسن بن عايض بالثورة على الحكم السعودي في عسير، حيث هاجم القصر الذي يقيم فيه أمير أبها فهد العقيلي، وحاصره لأكثر من أسبوع ثم فك الحصار عنه على أن ينسحب بمن معه إلى نجد، ولكن العقيلي لما وصل إلى خميس مشيط وردت إليه رسائل من أمير وادي الدواسر سعد بن عفيصان وأمير بيشة ابن ثنيان يطلبان منه فيها الصمود لحين وصولهم لنجدته، فقرر البقاء في خميس مشيط انتظاراً للمدد، وقد استقبله رئيسها سعيد بن مشيط، وعبد الوهاب أبو ملحة، وأنزلوه ومن معه في أحد قصور عبد الوهاب أبو ملحة، إلا أن ابن مشيط اضطر تحت تهديد ابن عائض إلى التخلي عن حماية العقيلي ومن معه فأسرهم ابن عايض واستولى على عسير مجدداً. فقام الملك عبد العزيز بتجهيز جيش تحرك من الرياض وكان مكوناً من ستة آلاف مقاتل من نجد يقودهم الأمير فيصل بن عبد العزيز - رحمه الله -، وتحرك من وادي الدواسر جيش آخر مكون من قبيلة الدواسر بقيادة شيوخهم، ومنهم: الشيخ حقطان بن عبد الله آل وثيلة، وإخوانه الشيخ مصري بن عبد الله آل وثيلة والشيخ شجاع بن عبدالله آل وثيلة، والشيخ شيبان بن قويد، والشيخ مناحي بن هجرس آل حزيم، والشيخ بادي بن مطحس آل غرفان، ويقود الجميع أمير وادي الدواسر سعد بن سليمان بن عفيصان ومرَّ بتثليث والصبيخة، فقد انضم إليه مقاتلون من قبيلة قحطان، برئاسة شيوخهم، ومنهم: الشيخ محمد بن جعفر بن عبود والشيخ معيض بن عبود والشيخ عقاب بن هديف بن عبود والشيخ جمل بن لبدة، ثم واصل جيش الأمير سعد سيره إلى خميس مشيط حيث اشتبك مع قوات العسيرين المتمركزة في الخميس وألحق بها هزيمة كبيرة. يقول الشيخ بادي بن دبيان السبيعي: نكث ابن عايض وأخرج سرية ابن سعود فغزاه الأمير فيصل بن عبد العزيز وانضم إليه ابن عفيصان إلا أنه سبق فيصلاً إلى هزيمة ابن عايض بخميس مشيط حيث انحاز إلى أبها. ويذكر أحد المؤرخين أن سعد بن عفيصان عندما وصل خميس مشيط رابط فيها بقبائل الدواسر وقحطان في انتظار قدوم القائد العام الأمير فيصل بجيشه عن طريق بيشة، وفي أثناء المرابطة، وبناء على مشورة بعض رجاله عزم على مهاجمة بلاد سبت آل يزيد فغزاهم وانتصر عليهم. وبعد وصول الأمير فيصل بن عبد العزيز، انضم إليه سعد بن عفيصان بقبائل الدواسر وقحطان، ومنها تقدموا إلى أبها حيث وجدوها خالية من المتمردين الذين هربوا إلى رؤوس الجبال، وذلك أن حسن بن عايض قد تحصن في حصن الحرملة وسافر ابن عمه محمد بن عبد الرحمن إلى القنفذة ومنها إلى الحجاز ليستنجد بالشريف حسين، فأرسل الأمير فيصل سرية لتهاجم حصون ابن عايض التي يتحصن بها في الحرملة، فجرت معركة شرسة بين الفريقين انتهت باستيلاء السرية على الحصن وفرار حسن بن عايض. سعد بن عفيصان يتولى إمارة عسير عندما عاد الأمير فيصل إلى الرياض في جمادى الأولى سنة 1341هـ وقيل: في شهر شوال من عام 1340هـ كان زعماء المتمردين ما يزالون متحصنين في أمكنة مختلفة، ويساندهم قبائل رجال الحجر وتهامة، إضافة إلى الخطر الذي بات يهدد أبها بعد أن أرسل شريف مكة جيشاً لنصرة حسن بن عايض بقيادة الشريف راجح مع سرية نظامية مسلحة بالمدافع يقودها الضابط حمدي باشا حسن كما تحرك من القنفذة جيش آخر بقيادة أميرها الشريف عبد الله بن حمزة الفعر لنجدة آل عايض. وقبل عودة الأمير فيصل انتخب سعد ليكون أميراً لعسير - وكان اختيار الملك عبد العزيز لسعد بن عفيصان لهذه المهمة الشاقة والخطيرة اختياراً في محله، ومما يدل على حكمة الملك عبد العزيز، أنه كان يختار الرجال تبعاً للأحداث، فإذا كانت الأحداث عظيمة اختار لها رجالاً عظماء، وكان هذا الاختيار تقديراً لدوره البطولي في إخماد جذوة الفتنة التي أشعلها ابن عايض - واستبقاء معه حامية قليلة العدد تضم رجالاً من قبيلة الدواسر وأهل الخرج، والحوطة، وعيَّن للقضاء الشيخ ناصر بن عبد العزيز آل حسن، يقول النعمي: (باشر سعد بن عفيصان مهام إمارته في عسير ولكن وقته كان محاطاً بظروف عصيبة، إذ كانت طلائع الجيش الحجازي قد تجمعت في (بارق) متأهبة للوثوب على أبها، وقد انضم إليها كل من حسن بن عايض، وابن عمه محمد بن عبد الرحمن الذي كان قد سافر إلى الحجاز لطلب النجدة من الملك حسين. ومن بارق زحف الجيش الحجازي مروراً بعقبة ساقين، حتى تمركز بباحة تنومة من بلاد بني شهر ثم تابع زحفه عبر بلاد بالسمر. ابنه سليمان يقود سرية لقتال المتمردين كان سعد بن عفيصان مع تقدم هذه الحشود من الحجاز وتحالفهم بالعسيرين يمر بظروف اقتصادية صعبة فلم يكن لإمارته أي موارد إضافة إلى تخاذل كثير من القبائل المحيطة به عن مساندته للوقوف في وجهه، زحف المتمردون وحليفهم، وكون من معه من أهل نجد لا خبرة لهم في معارك الجبال وعلى الرغم من كل ذلك فقد أرسل ابنه سليمان على رأس سرية قليلة العدد لتوقف تقدم القوات الحجازية والعسيرية المتجهة إلى أبها، فاشتبك معهم في معركة شرسة في وادي (عبل) قتل فيها أمير السرية سليمان بن سعد بن عفيصان، ولما بلغ الأب خبر مقتل الابن قال: (ما غذيته إلا لهذا اليوم ومثله) - رحمهم الله -. حصار سعد في أبها تقدم الجيش الحجازي والعسيري بعد هذه المعركة ناحية أبها وفي بلاد بني مالك اجتمعوا بالقوة الأخرى التي يقودها الشريف راجح وعلى مشارف مدينة أبها نشب القتال بينهم وبين حاميتها بقيادة سعد بن عفيصان الذي تحصن في قصر (شدا) بعد أن سقطت أبها في أيدي هذه الجيوش المتحالفة، فقام المتحالفون بنصب مدافعهم على أبراج قلعة شمسان المجاور لقصر (شدا) وأخذوا يقذفون قصر (شدا) بنيران مدافعهم، والرشاش يرمي القصر من منزل زوجة علي الصنعاني، والآخر يرميه من منزل محمد الراقدي، ولكن سعد بن عفيصان ورجاله ظلوا صامدين في وجه هذه الحشود مدة شهر تقريباً، ولم يستجيبوا لمطالبات المتمردين وحلفائهم بالتسليم ومغادرة القصر، بل عزموا على الصمود والمقاومة، وفي أثناء الحصار كان سعد يرسل مندوبين لطلب النجدة من قبائل شهران في الخميس وقحطان في تثليث والصبيخة وغيرهم من القبائل القريبة من أبها ولكن بعض هذه القبائل خذلته، والبعض تباطؤوا عن نجدته مما شدد المعاناة على المحاصرين داخل القصر، وعندما طالت مدة الحصار ويئس المتحالفون من استسلام سعد ورجاله، ووصلت إليهم أخبار أن هناك حملة في طريقها لنجدة أمير أبها سعد بن عفيصان، هذا إضافة إلى أسباب أخرى دعت الشريف حسين إلى أن يأمر قواته بالانسحاب من حصار أبها، انفضت جموع المتحالفين عن قصر (شدا) وعادت القوات الحجازية إلى الحجاز أما ابن عايض فقد اسقط في يده وتفرقت القبائل من حوله وعند ذلك خرج المحاصرون من قصر شدا وقضوا على ما تبقى من مظاهر الثورة التي فشلت وهرب زعماؤها، يقول الزركلي: إن ابن عايض عاد مع الفعر في جموع من أهل تهامة يريدون أبها فقاتلهم ابن عفيصان فانهزموا. وبعد انهزام أهل الفتنة وتفرق جموعهم، طلب المشاركون فيها العفو من سعد والدخول في طاعة الملك عبد العزيز، ولكن سعد بن عفيصان مرض في تلك الفترة الحرجة، ولم يمهله المرض طويلاً، إذ وافاه الأجل في رمضان من سنة 1341هـ في وقت كانت الوفود العسيرية تأتي إلى قصر (شدا) معلنة الولاء والطاعة، فكان يقال لهم: إن الأمير مريض ومحتجب عن الناس، عودوا بعد أن يتعافى، ولم يخبرهم أحد بوفاته. وبعثوا للملك عبد العزيز بالأمر، فقام على الفور وعلى وجه السرعة بإرسال عبد العزيز بن إبراهيم لعسير خلفاً لسعد، وبعد وصوله والإعلان عن وفاة سعد بن عفيصان وفدت إليه قبائل عسير وبايعوه على الطاعة، كما استطاع أن يقنع حسن بن عايض بالاستسلام وقام بترحيله إلى الرياض. يقول خالد الهميل: إن الشريف حسين نفض يده من الدعم العسكري لآل عايض بعد سقوط أبها في يد ابن عفيصان مرة أخرى، الأمر الذي أوهن قوة آل عايض فاستسلموا وتمت سيطرة الملك عبد العزيز سيطرة شبه كاملة على عسير. أبناء سعد بن سليمان بن عفيصان لسعد بن سليمان - رحمه الله تعالى - ستة أبناء وابنة واحدة من أربع زوجات، وترتيبهم حسب السن: 1- سليمان بن سعد: وهو الابن الأكبر خلفه أبوه على إمارة السلمية وفي عام 1340هـ ألحقه والده للمشاركة في غزو منطقة عسير وقد قتل - رحمه الله - هناك أثناء قيادته لإحدى السرايا. 2- إبراهيم بن سعد - رحمه الله - وقد شارك في معارك التوحيد. 3- محمد بن سعد - رحمه الله -: تولى إمارة مدينة شقراء عام 1375هـ، وكان من خوايا الملك سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن- رحمه الله -. 4- علي بن سعد رحمه الله. 5- فهد بن سعد رحمه الله. 6- متعب بن سعد - رحمه الله-، كان من خوايا صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض حفظه الله ورعاه. 7- منيرة بنت سعد: وهي ابنته الوحيدة تزوجها الأمير فهد بن عبد الله بن جلوي - رحمه الله - ولم تنجب منه.
المصادر: رسالة من الملك عبد العزيز إلى أمير السلمية سعد بن سليمان بن عفيصان عام 1323هـ رسالة من الملك عبد العزيز إلى أمير السلمية سليمان بن سعد بن عفيصان الذي خلف والده على إمارتها عام 1340هـ
|