أجزم أنه ما من شخص ويعرض لأعلام المكيّات في فترة البعثة النبوية إلا وتستوقفه شخصية هند بنت عتبة، فهذه الشخصية تستحق التأمل فقد كانت أنموذجاً للمرأة القوية ذات الطموح والتي كانت تسعى إلى تحصيل المجد سواء لنفسها أو لأبنائها، وهذا الطموح يشكل سيرة حياتها إجمالاً، فمنذ البدء سعت أن يكون والد أبنائها الذين لم ترزق بهم بعد مميزاً مبرزاً في قومه، ذا شأن ومركز، فمن أخبارها أنها كانت زوجة للفاكهة بن المغيرة وكان كثير الشكوك والظن مما جعل الحياة بينهما مستحيلة، وكان والد هند، عتبة بن ربيعة قد قصد أحد الكهان في اليمن في إحدى سفرياته واحتكم إليه في قضية ابنته مع زوجها فقال الكاهن: (انهضي غير رسحاء (أي قبيحة) ولا زانية، ولتلدنَّ ملكاً يقال له معاوية). وعندما علمت هند بقول الكاهن قالت لزوجها: (إليك عني فوالله لأحرصن أن يكون ذلك من غيرك)، وبعد طلاقها سألت والدها أن يعرض عليها أي رجل يتقدم لخطبتها، وأخبرها والدها بعد ذلك أنه تقدم لخطبتها رجلان من قريش ولم يسمهما بل عرض أوصافهما على ابنته وكان الأول منهما: (في الشرف الصميم والحسب الكريم، تخالين به هوَجَا من غفلته وذلك إن تابعته تبعك، وإن ملت كان معك، تقضين عليه في ماله وتكفين برأيك عن مشورته). أما الآخر فقد كان: (في الحسب الحسيب، والرأي الأديب، بدر أرومته، وعز عشيرته يؤدب أهله، ولا يؤدبونه، إن اتبعوه أسهل بهم، وإن جانبوه توعر عليهم، شديد الغيرة، سريع الطيرة، صعب حجاب القبة، إن حاج فغير منزور، وإن نوزع فغير مقهور، وقد بينت لكِ كليهما). وعرفت هند كل رجل وصفته، فكان الأول سهيلا بن عمرو، والثاني أبا سفيان بن حرب، وردت على والدها قائلة: (يا أبت، الأول سيد مضياع للحرة، فما عست أن تلين بعد ابائها، وتضيع تحت جناحه. إذا تابعها بعلها فَأشِرَتْ، وخلفها أهلها فأمِنَتْ، فساء عند ذلك حالها، وقبح عند ذلك دلالها، فإن جاءت بولد أحمقت، وإن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت فأطوِ ذكر هذا عني. وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة، الحرة العفيفة، وإني للتي لا أريب له عشيرة فتعيره، ولا تصير بذعر فتضيره واني لأخلاق مثل هذه الواقعة وإني له لموافقة فزوِّجنيه). فتزوجت أبا سفيان بن حرب، وأنجبت منه معاوية بن أبي سفيان أحد كتبة الوحي وأول خلفاء بني أمية، وعتبة بن أبي سفيان القائد المشهور الذي أسهم إسهاماً كبيراً في الفتوحات الإسلامية في بلاد الشام، وكان ممن غزا بالبحر. واستمرت حياة هند مع أبي سفيان مدللة ، عزيزة في قومها حتى معركة بدر التي قتل فيها والدها عتبة وعمها شيبة وأخوها الوليد، فكان الحدث الجلل والمصاب العظيم الذي فجَّر في دواخلها مشاعر الحزن والكراهية التي نفَّست عنها بمواقف مختلفة ومتعددة منها هجاء قومها، وأقربائها الذين أسلموا، وأخذت تنشد الأشعار التي تعبِّر عن مرارتها وكانت تقول: (أنا هند بنت أعظم العرب مصيبة) وتعارض الخنساء في سوق عكاظ رثاءً ونواحاً وبكاءً. يتبع في الأسبوع المقبل إن شاء الله..
|