Friday 25th November,200512111العددالجمعة 23 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"أفاق اسلامية"

نبض المدادنبض المداد
هوى النفس
أحمد بن محمد الجردان

هوى النفس داء يفتك بالمرء ويورده المهالك. وإذا رأيت من يتبع هواه فذلك علامة سوء ونذير شؤم إن لم يتداركه الله برحمته. والنفس البشرية جبلت على الخير وفطرت غير أنها تتعرض لتشكيل وتكييف يحكمه عدة عوامل منها التربية والقدوة والتي غالبا ما يكون للوالدين فيها أكبر الأثر، ومنها الصحبة والخلة، ولا يغيب عنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) غير أن لهذه العوامل وغيرها دورا في اتباع النفس هواها، وهو اتباع قد يصل إلى درجة اتخاذه إلها من دون الله جل وعلا وهي درجة ما أن يصل إليها الإنسان - لا قدر الله - إلا وتجده لا يأتمر إلا بهوى نفسه ولو خالف نهي الله، ولا ينتهي إلا بنهيها ولو خالف أمر الله!!، وقد قال الله تعالى:{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا}(43)سورة الفرقان. وعن تفسير هذه الآية قال الإمام ابن كثير {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}أي مهما استحسن من شيء ورآه حسناً في هوى نفسه كان دينه ومذهبه كما قال تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء}(8)سورة فاطر ولهذا قال هاهنا: {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا}قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زماناً فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول) أ.هـ.
لا يختلف اثنان أن الإنسان خلق لعبادة الله جل وطاعته ولم يخلق لغير ذلك قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(56)سورة الذاريات، وأمام هذه الغاية السامية التي من أجلها خلق الإنسان نجد أن هوى النفس يقف حاجزا عنها ومانعا منها فهو لا يهدي إلا إلى الضلال والفسوق العصيان ومقارفة الذنوب. قال تعالى:{ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ }(26)) سورة ص، فصاحب هوى النفس ضال عن سبيل الله مقيد بقيود هواها، ذلكم الهوى الذي يقعده عن الطاعة ويدعوه إلى مفارقة صلاة الجمعة والجماعة، ويغلب لديه الرجاء على الخوف، بحيث يكون شعاره في مواطن المعاصي أن (افعل ولا حرج إن الله غفور رحيم) وينسى في غمرة نشوة ذلك الهوى أن الله أيضا شديد العقاب!!
كما أن هوى النفس يذهب أثر الطاعات وثمراتها ويجعلها معاصي، فلو صلي مصل بصلاة خاشعة حين يعلم أن ذوي الشأن والوجاهة يرونه ليقولوا عنه خاشع لصارت معصية، وكذلك لو رتل القرآن وجوده إذا علم أنهم يسمعون ليقولوا عنه قارئ لصارت قراءته رياء، وكذلك بالنسبة إلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر - أيا كان - سواء في بيته أو في عمله أو سوقه أو مصنعه، لو انتصر لنفسه ولم ينتصر لله لصار انتصاره معصية ولعابه الناس ونالوا منه، بل ربما تمادى بعضهم إلى النيل من تشريع رب العالمين - والعياذ بالله -، وكذلك لو تحدث أحدنا في المجالس من منطلق هوى في نفسه سعيا للصدارة والرياسة مثلا عن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فأشار إلى وقوع أشخاص بأعينهم في منكر (ما) إما بالتصريح أو بالتلميح الذي يعرفون به لعصى الله وأسخطه بهذا الكشف لأسرار الناس ولسقط من أعينهم، لذا المؤمنون والمؤمنات لا يحول هوى النفس لديهم دون اتباع الحق بل من صفاتهم أنهم يسلمون تسليما وشعارهم {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}(258)سورة البقرة، فالله جل وعلا يقول عن حالهم: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}(36)سورة الأحزاب، فها هو ذا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - محذرا بقوله: (إني بليت بأربع ما سلطوا إلا لجلب مشقتي وعنائي: إبليس والدنيا ونفسي والهوى، كيف الخلاص وكلهم أعدائي) كما قال مالك بن دينار (بئس العبد عبد همه هواه وبطنه) وكذلك قال علي بن سهل (العقل والهوى يتنازعان فمعين العقل التوفيق وقرين الهوى الخذلان) الحديث عن هوى النفس حديث ذو شجون ولا يكفيه هذه العجالة غير أني حرصت على ذكر طرف من هذا الموضوع المهم جدا في ديننا ودنيانا. ولعل لي عودة ولو بعد حين للحديث عن جوانب أخرى من هذا الموضوع المهام والحساس.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved