عندما يتصدى للفتوى الشرعية من لا يملك مقومات الفتوى فقل على الانضباط المجتمعي السلام، وعندما تنتشر الفتاوى السرية والخاصة ويتم تداولها عبر المواقع الالكترونية بلا رقيب أو حسيب فضع يديك على قلبك وردد بصوت عال: اللهم سترك، وعندما لا يجد هؤلاء المتصدرون للفتاوى من يوقفهم عند حدهم الذي تحدده إمكانياتهم الشرعية والفقهية ففتش عن خلل في مؤسسات الرقابة التي تعنى بضبط المتغيرات المجتمعية وحراسة ثوابت المجتمع الشرعية، أقول ما تقدم وأنا أبحث عمن يفسر لي السكوت العجيب عن أصحاب فتاوى سوق الأسهم التي يتم تداولها بين الناس على أن مصدرها صاحب الفضيلة الشيخ وهو من غير المختصين في العلوم الشرعية، ويتم تداولها بين الناس دون اعتبار لمردودها على سلوكيات المستثمرين الذين قد يجدون أنفسهم وفقاً لهذه الفتوى من المتعاملين في الشركات المحرمة ولا يستطيعون التخلص منها ويصبحون وفقاً لهذه الفتوى أيضاً من آكلي الربا، وتزداد بذلك جرأتهم على الحرام، والشيء المحزن جداً أننا لم نتعلم كثيراً من تاريخنا القريب الذي أفرز مفتي الظلام وأسهم في صناعة فكر متطرف يرى في قتل المسلم قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، وأسهم في إضعاف دور القيادة الدينية من خلال تشكيكه في مواقفهم وأحكامهم الشرعية حتى اضطرب العقل السليم الباحث عن الحق والحقيقة، بعبارة أخرى، تذكرت ما حدث لنا من هزات فكرية وأمنية خطيرة وأنا أتابع بعض فتاوى سوق الأسهم التي يطرحها غير المختصين في العلوم الشرعية، غير القادرين على إنزال الأحكام الشرعية مواقعها واستنباطها من أدلتها الثابتة في الكتاب والسنة المطهرة، ويحرمون شركات ويحللون أخرى ويصفون البعض بالنقي والآخر بالمختلط ويضيفون إلى القائمة النقية ويحذفون منها بسرعة البرق وكأنهم لا يتذكرون بأن أجرأ الناس على الفتوى أجرأهم على النار. والعجيب العجيب أن بعض هؤلاء قد أفتوا بحرمة إحدى الشركات عندما طُرحت للاكتتاب العام وحرموا الكثير من المواطنين من الاستفادة من هذه الفرصة الاستثمارية المتاحة ولكنهم وفي موقف عجيب أيضاً وقبل إغلاق باب الاكتتاب بيوم واحد فقط افتوا مرة أخرى بأن الاكتتاب في هذه الشركة حلال، وتسببوا في تزاحم شديد على البنوك على طريقة يا تلحق يا ما تلحق، فهل يعقل أن يتبدل حال هذه الشركة بحيث تصبح حلالاً بعد أن كانت حراماً في غضون أيام معدودة، أم أن هذا المدعي بالقدرة على الفتوى قد أفتى بما لا يعلم ثم بدا له أمر آخر بدل قناعاته، أم ماذا حدث؟ لا يهمنا كثيراً.. المهم أن الفتوى المتقلبة غير المستندة إلى علم شرعي رصين، غير النابعة من أهل الفتوى تصيب المجتمع وتهدد استقراره الأمني والفكري، ونحتاج بالتالي إلى إيقافها بشتى السبل المتاحة، والخطر الأكبر لهذه الفوضى إن صح التعبير هو أن هؤلاء المفتين يعارضون في كثير من فتاواهم الفتاوى الصادرة من مشايخنا الكبار أعضاء هيئة كبار العلماء مما يتسبب بلا شك في إضعاف دور هذه الهيئة ليس في مجال الأسهم فحسب ولكن في مجالات الحياة الأخرى التي قد تطال ثوابتنا الشرعية ومرتكزاتنا الوطنية والأمنية، وهذا بالطبع يضعنا على مفترق طرق إما أن نحكم السيطرة على باب الفتوى أو نترك الباب مفتوحاً لكل من هب ودب ونعود بالتالي إلى نقطة البداية التي أفرزت الإرهاب والفكر المنحرف. إشارة: كنت أتمنى أن نسمع من هيئة كبار العلماء الموقرة رأياً محدداً يوضح موقف الشارع الحكيم من الشركات المتداولة في سوق الأسهم ليقيني التام - إن شاء الله - بأن غالبية المستثمرين يبحثون عن الرزق الحلال، وكنت أتمنى أن نسمع صوتاً مجلجلاً يسكت أصحاب الفتاوى الطائرة الذين خدعهم بريق المنتديات وتركوا الناس في حيرة من أمرهم.
|