Friday 2nd December,200512118العددالجمعة 30 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الثقافية"

كلام الليلكلام الليل

انطلت عليَّ حالات من العجب عانقت شخصي، فشمخت بنفسي إلى مساور الغرور والكبر، وصعدت بي إلى برج عاجي بتُّ أتأمل الآخرين منه بسطحية وخيلاء، وأربأ بنفسي النزول من عرشي الذي أوهمت نفسي بتبوئه ومخاطبة الآخرين من دون انسجام لقبي مع توجه النداء إلي، وعندما تجرأ أحدهم برجائي من دون لقبي الذي أتلذذ به، كانت عاقبته وخيمة من همز ولمز أشعته فيه، وبات حديث الناس المتداول في الليل والنهار، فما طاق صبره بالأشواك التي تغرس في بدنه، حتى لاذ بالفرار إلى موطن آخر، لقد أحطت سدة كياني بحفر مفوهة تتقاذفها النيران، تتوقد حرقة وحرارة بمجرد مشاهدتها عن كثب، كان سبيلي الذي أتشبث به في سلامة العجب الذي وضعت ذاتي فيه وصببته في شخصيتي وفكري، فطغى وتملك مشارب قلبي رغم نبض شريان في فؤادي يمقت الحال الذي أعيشه ويرفضه بكل خلجاته، إلا أن ندائه تاه مع تكالب القلب في وحل الغرور والأنفة، ارتديت دثاراً كنت أعير من ارتداه فيما مضى، لا زلت أنقم على من سلك سبيل التعالي والزهو، رغم تشبثي بحباله، وتعلقي بحبائله، فهي حالة من حالات التعارض الذي اعتدت العيش خلال مسبباته، وكأن شيئاً لم يكن، فحياة كتلك يعجز العاقل عن العيش في خضمها، أجد نفسي مشبوباً إليها، أميل إليها كل الميل بعد أن كنت أدفعها بكل ما أوتيت من طاقة، أهي دوافع الحياة التي لا تكل من أواصر التبدل والتقلب؟، فلم تهنأ نفسي بالمضي قدماً في مضمار شائك، حتى انتهج غيره أوطد شوكاً وآلم جرحاً، أم هي قطع الليل الحالكة المخيفة تقذفني بنجومها الوضاءة علها ترد الرشد في ميدان العهد بالحال، لا أخالها حيرة تفاقمت في نواصي النفس فاستحكمت واستقرت، إنما زعمي بأن رهبة الحال استجمت، وألقت بسكونها المخيم في الخاطر، وأورثه شعور الوحدة والعزلة، وحبب إليه الانفصام وزهو العجب والعظمة، فعشت وحيداً في زمن لا أجد غيري فيه، جئت في زمن لا تستحق طاقة نفس الحياة إلا ما يهب في صدري من شهيقي وزفيري، قد يتسارع البعض في وصمي بالمغرور المغالي في غروره، والزاهي بسطوته وحضوره، أعلم فكلامي بنبئ لذلك لولا أن تتأنى النفوس في إصدار حكمها، إلا أن يلج رأيي سَمِّ العقول، فتعيها بمنظار الواقع والحضور، إذ إن العيش في عرصات حياة متفانية في القدم يحيط بها الحاضر المبهر من كل حدب ونسل، وتكمن نفس وليدة قاصية عن مثيلاتها لتجهد نفسها في ولوج تلك الحاضرة، فأجدها وحيدة يوم ولادتها، ووحيدة في معيشتها، ومنفردة في رأيها، ألا يسع أحد بعد ذلك أن يحس بغمزات الكبر تلف بدنه، وتقزز جسده، وتشل عقله وتفكيره، فيعيش حياة الغرور في زمن يرى نفسه وحده فيه، في حياة لم يتسن له خلالها أن يبصر مرآة مبلورة تكشف له مثالبه التي انتشرت من هرم رأسه إلى أخمص قدميه، إلا أن يكون لليل ظلاله الذي لا يبين، وأثره الذي يرهب الفؤاد ويعمي البصر، ويفتك بالإحساس ويستطير بالشعور في مهاوي الغرور، ليعود من جوف الليل بظلامه الدامس، مترنحاً كليلاً، ويبزغ النور بخيوط مرصعة بآيات الجمال، مهللة برياحين متوجة للكمال، يبصر الفلاة النائية، ويحنو خاطره بتمتمة مبهمة، تنتشله للحياة بعد الغرق في بحر الليل، وهدير أمواجه الحالكة، وجزره النجمية الساطعة، ويلف خاطره بكلام قصير مريب.. (كلام الليل.. يمحوه النهار)..!!

أحمد بن خالد العبدالقادر / الأحساء
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved