الحسبة هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، ولقد تطور هذا المفهوم فيما بعد حتى أصبح وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين، يعين لذلك من يراه أهلاً له فيتعين فرضه عليه، ويتخذ الأعوان على ذلك. وصارت الحسبة علماً باحثاً عن الأمور الجارية بين أهل البلد في معاملاتهم، لذا شملت جميع مظاهر الحياة دينية ودنيوية كما شملت الأخلاق الفردية والقيم الاجتماعية والمعاملات، حيث دخلت في دواوين السلاطين ومجالس القضاة ومدارس الفقهاء ورباطات الصوفية، وخانات الأسواق والشوارع والحمامات والمساجد والبيوت والكتاتيب وغير ذلك. ونظراً لتشعب مهام ولاة الأمور وتعقدها وجب على ولي الأمر أن يتعهد بمهمة الحسبة إلى من يأتمنه عليها ممن يحسن اختيارهم للنظر في أحوال الرعية والكشف عن أمورهم ومصالحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. يقول صالح مهدي عباس في بحثه النفيس (من رجال الحسبة): ولما كان علم الاحتساب من أدق العلوم ولا يدركه إلا من له فهم ثاقب وحدس صائب، إذ الأشخاص والأزمان والأحوال تتغير من زمن إلى آخر ومن مكان لآخر ومن حال لأخرى، لذلك اشترط في المحتسب مقومات خاصة. وقد أجمع علماؤنا على شروط خاصة في المحتسب، وردت في معظم كتب الحسبة، ومن ذلك: (أن يكون المحتسب مسلماً بالغاً عاقلاً حراً عدلاً، وأن يكون ذا رأي وصرامة، عارفاً بأحكام الشريعة، وأن يعلم ما يأمر به وما ينهى عنه، وأن يكون مواظباً على سنن رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، وأن يقصد بقوله وفعله وجه الله تعالى وطلب مرضاته، خالص النية، وأن يكون رفيقاً، لين القول، طلق الوجه). ويلاحظ في كتب الحسبة أن المحتسب يحتاج إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والمباح والمحرم والحلال والحرام. ويحتاج إلى معرفة الصنائع والوقوف على جيدها ورديئها، خالصها ومغشوشها، كما يحتاج إلى الإلمام الكافي بالحرف والصناعات والصناع البارزين والمحترفين. ويقول د. حمدان الكبيسي في بحثه المعنون ب (الهيكل التنظيمي لجهاز الحسبة) إن جهاز الحسبة يستهدف منع الغش في الصناعة والإنتاج، ومنع الحيلة والتدليس والبخس في الكيل والمعاملات، كما أصبح مسؤولاً عن تنظيم جلوس الباعة في أسواقهم، ودكاكينهم، بحيث جعل لأهل كل صنعة منهم سوقاً يختص بهم، الأمر الذي سهل مهمات جهاز الحسبة. ومن ثم، فلا عجب حين يقال إن الحسبة سمة حضارية، بل عدها أكثر من مفكر وباحث أحد معالم الحضارة الإسلامية، فليس معروفاً أن العرب قبل الإسلام أو أي أمة أخرى كان لها ما يماثل نظام الحسبة في الإسلام. ومن دقة الحكام والعلماء المسلمين أنهم لم ينسوا ناحية من نواحي الحياة الخاصة أو العامة إلا وقيدوها، بما يرضي الله سبحانه، ثم الناس. يقول ضياء الدين بن الأثير في كتابه الشهير (المثل السائر) إن الحسبة في الإسلام قد غطت جميع أعمال الناس، ولم يبقَ إلا أن يكون للكتابة محتسب، فلا يكتب ولا ينشر أي فكر هدام بين القراء.وإذا ما تعمقنا في هذا العلم نخلص إلى أن المدينة التي تتحقق فيها الحسبة والاحتساب لهي المدينة الفاضلة التي كان يحلم بوجودها الحكماء والفلاسفة منذ قديم الزمان.
*عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية |