يكتب البعض ويتكلم البعض الآخر عن مستوى مخرجات النظم التربوية والتعليمية، ومدى موازنة تلك المخرجات للمدخلات في نظامنا التربوي والتعليمي، فيمدح أناس تلك المخرجات ويذم آخرون، ويكتب متخصص وغيره، وبين هؤلاء وهؤلاء عدول منصفون متخصصون أجادوا وأفادوا وبينهم غير ذلك، ومنهم من حمّل مسئولية مخرجاتنا التعليمية شخصاً أو أشخاصاً، ومنهم من حمّلها جهة أو جهات .. وإسهاماً في التوعية التربوية، أحاول أن أناقش بأسلوب علمي ومختصر: مخرجات النظم التربوية والتعليمية ... من المسئول؟ ولإجابة هذا السؤال لا بد من النظر إلى التربية والتعليم كأسلوب نظم يتكون من خمسة عناصر هي: المدخلات، والعمليات، والمخرجات، والتغذية الراجعة، وبيئة التعلُّم، وهذه العناصر تتفاعل مع بعضها البعض وبشكل مستمر ومتداخل، وبتعريف هذه العناصر وضرب الأمثلة عليها تتضح لنا الرؤية في تحديد المسئول عن مستوى المخرجات في النظم التربوية والتعليمية. أولاً : المدخلات: هي أنواع مختلفة من الموارد يتم توفيرها وإعدادها لتحقيق غايات محددة للنظام التربوي والتعليمي، وتصنّف إلى: (1) مدخلات بشرية: ومن أمثلتها: المعلمون، والطاقم الإداري، والطلاب ... الخ. (2) مدخلات مادية: ومن أمثلتها: الموارد المالية، والمعدات، والتجهيزات، والمرافق التعليمية ... الخ. (3) مدخلات معنوية: وهي ما يحيط بالنظام التربوي والتعليمي من ظروف وأوضاع، وما يسوده من قيم ومعتقدات وأفكار ...الخ. ثانياً : العمليات: هي عبارة عن الأنشطة والممارسات التي تهدف إلى تحويل المدخلات وتغييرها من طبيعتها الأولى إلى شكل آخر يتناسب ورغبات النظام وأهدافه (أي تحويل المدخلات إلى مخرجات)، ومن أمثلتها: طرق تعليم وتعلُّم الطلاب، أساليب الاختبارات التحصيلية، الأساليب الإرشادية في المدرسة، التعليمات الإدارية ... الخ. ثالثاً: المخرجات: هي الأهداف التي يعمل النظام التربوي والتعليمي على تحقيقها بشكل مستمر، وبعبارة أخرى هي النتائج النهائية التي يقوم النظام بتحقيقها ومن أمثلتها: نتائج الطلاب النهائية في كلِّ عام دراسي، والسلوكيات التي اكتسبها الطلاب من النظام .. الخ، وتتوقف جودة المخرجات على عاملين هما: (1) نوعية المدخلات. (2) مستوى العمليات، فكلما كانت المدخلات أفضل في النوعية وأوفر في الكمية، كانت المخرجات ذات نتائج إيجابية أفضل، وكذلك كلما كان مستوى العمليات أكثر جدية ودقة، فإنّ المخرجات تكون أفضل وأعلى مستوى. رابعاً : التغذية الراجعة: هي عملية إعطاء المعلومات والتقارير والتفسيرات للحكم على مدى تحقيق الأهداف وإنجازها وتوضيح مواطن القوة والضعف في كلٍّ من المدخلات والمخرجات والعمليات وبيئة التعلُّم، وفي ضوء هذه المعلومات المعطاة يمكن إجراء التطوير اللازم للنظام التربوي والتعليمي بشتى عناصره. خامساً : بيئة التعلُّم، وتتمثل بيئة التعلُّم في الوسط المحيط بالنظام التربوي والتعليمي ككل، وما يسوده من ظروف طبيعية وإنسانية، وظروف مادية واجتماعية للمعلمين والمتعلمين، فيشمل مثلاً: بيئة المدرسة، وبيئة إدارة التربية والتعليم، وبيئة المراكز التربوية ... الخ. وبعد هذا العرض الموجز يتضح لنا أن النظام التربوي والتعليمي كلٌّ لا يتجزأ، فالمسؤولية إذن مشتركة بدرجة متفاوتة ومنتظمة في تسلسل تفاعلي مترابط عن مستوى المخرجات في نظامنا التربوي والتعليمي، ولنأخذ على ذلك بعض الأمثلة: - من مدخلات النظم التربوية والتعليمية (المعلم): فإذا قام المعلم بكامل الأدوار المطلوبة منه، فإنّ المخرجات غالباً تكون على مستوى أعلى وأفضل مما لو كان خلاف ذلك، فالمعلم عليه جزء من المسؤولية عن مستوى المخرجات في النظم التربوية والتعليمية، والجهة الأكاديمية التي قامت بإعداد المعلم عليها جزء من المسئولية كذلك، والجهة المسئولة عن تدريب المعلم أثناء الخدمة عليها جزء من المسئولية أيضا، والإشراف التربوي الذي يشرف على أداء المعلم عليه جزء من المسئولية، ومدير المدرسة الذي عليه توفير المناخ التربوي للمعلم في المدرسة مسئول كذلك، ووزارة ديوان الخدمة التي تعيِّن المعلم على المستوى الوظيفي الذي يستحقه أو لا يستحقه مسئولة هي كذلك، والمجتمع الذي نشأ فيه المعلم فكان معلماً جاداً أو معلماً كسولاً مسئول هو كذلك، والدوائر الحكومية التي تفرض على المعلم الخروج من مدرسته لمتابعة بعض أوراقه الرسمية عليها مسئولية كذلك، والإعلام بشتى صوره وأشكاله يكون عوناً للمعلم على أداء رسالته أو العكس فهو مسئول أيضا، وغيرهم الكثير والكثير من الأشخاص والهيئات عليهم مسئوليات تجاه المعلم الذي هو جزء من المدخلات في النظم التربوية والتعليمية، وقيام الجميع بهذه المسئوليات أو عدمه يؤثر في أداء المعلم الذي عليه جزء من المسئولية عن مستوى مخرجاتنا التعليمية. - من العمليات في النظم التربوية والتعليمية (الاختبارات التحصيلية): التي تقيس في الغالب مستوى المخرجات التعليمية، فقد يغلب عليها جانب التذكُّر أو جانب السهولة أو الصعوبة، وقد تركز على جزء من المقرر الدراسي وهمل الباقي، وقد يكون توزيع درجاته وتصحيحه بطريقة غير علمية، وقد يكون الاختبار غير موضوعي، وقد يعطي الاختبار الجانب الأهم من الدرجات، وقد تأتي الاختبارات في وقت لا يتناسب مع ظروف الطالب أو المجتمع، وقد تتدخل عوامل أخرى في درجة الاختبار كالغش مثلاً، وقد تمارس بعض الجهات أو الأشخاص أدواراً غير مقصودة يكون لها الدور الإيجابي أو السلبي على نتائج تلك الاختبارات التحصيلية وغيرها الكثير من العوامل المرتبطة بالاختبارات التحصيلية والتي تؤثر عليها سلباً أو إيجاباً تتحمّل جزءاً من المسئولية عن مستوى مخرجات نظامنا التربوي والتعليمي. - من البيئات في النظم التربوية والتعليمية (إدارة التربية والتعليم ومركز الإشراف التربوي) التي يعمل فيها المشرفون التربيون: والمشرف التربوي هو المسئول عن كثير من الأمور المرتبطة بمستوى المخرجات التعليمية، فيشرف على المعلمين، ويشارك في تقويم الكتب المدرسية ويشارك في اللجان التطويرية، ويتابع المشكلات التربوية، ويدرب المعلمين ... الخ، فالبيئة التي يعمل فيها المشرف التربوي إذا كانت بيئة متكاملة من جميع النواحي المادية والمعنوية، وتتوافر بها جميع متطلّبات العمل التربوي الإنساني، ويجد فيها المشرف بغيته وحاجاته فإنّ عطاءه سيكون أفضل ومن ثم فسيكون مستوى مخرجاتنا التعليمية أعلى والعكس كذلك، فبيئة إدارة التربية والتعليم مثلاً هي جزء مشارك في المسئولية عن مستوى المخرجات التعليمية. وبعد هذا هل يمكن لنا منطقياً أن نحمِّل مسئولية مستوى مخرجات نظامنا التربوي والتعليمي جهة أو شخصاً بعينه .. وإذا حمّلنا بعض الجهات أو الأشخاص فهل يتحمّلون تلك المسئولية الكبيرة بدرجة متساوية؟ أخيراً : ألا تشعر عزيزي القارئ أنك أصبحت تتحمّل جزءاً من المسئولية عن مستوى مخرجات نظامنا التربوي والتعليمي في بلادنا؟ إنّنا جميعاً في المجتمع مسئولون وبدرجات متفاوتة - كلٌ حسب موقعه - عن مستوى مخرجاتنا التربوية والتعليمية، مسئولون عن ضعفها ومسئولون عن تحسين مستواها، ومشاركون في تفوُّقها ونجاحها.
|