Friday 2nd December,200512118العددالجمعة 30 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الرأي"

مشكلة الزراعة ليست في الكميات بقدر ما هي في النفقاتمشكلة الزراعة ليست في الكميات بقدر ما هي في النفقات
إبراهيم الطاسان

مشكلة المزارعين تاريخياً تتبين من خلال تناول تغيير كميات المساحة المزروعة وكروت (شهادات التوريد) وأسعار المنتج وتكلفة الانتاج وليست فقط في قلة الكميات المقررة للمزارع، حيث بدأ توريد المزارعين لإنتاجهم من القمح مع بداية الطفرة العامة في المملكة، وكانت الزراعة ضمن تلك الفترة مشمولة بإعانات الدولة المتمثلة في القروض الميسرة، وتحمل نصف تكلفة المعدات والآليات الزراعيةن وتقسيط النصف الآخر على أقساط متناقصة متلازمة مع العمر الافتراضي للمعدة، ورافق هذه التسهيلات فتح الكميات الموردة بأي كمية يمكن أن ينتجها المزارع، وعند سعر مجز جداً للطن الواحد قدره (3500) ريال، مما أتاح ودفع المزارعين إلى شراء كل ما لا يعينه البنك الزراعي من المعدات، ومستلزمات الإنتاج الأخرى كالأسمدة والمخصبات والمبيدات الحشرية، ومبيدات الأعشاب الغربية التي وفدت على التربة الزراعية السعودية مع التقاوي المستوردة، حيث كانت الأنظمة تسمح بفسح ما نسبته 10% من الشوائب، (بكل أسف بدون تحليل لتلك الشوائب لمعرفة تأثيرها على التربية والمزروعات) من المؤسسات والوكالات المستوردة لتلك الاحتياجات، بل وعمد الكثيرون منهم ممن مزارعهم من المزارع القديمة التي لا تتجاوز مساحاتها الكلية (5) هكتارات.. بأثمان مؤجلة إلى صرف مستحقات المواسم الزراعية التي هم فيها وسنوات تالية عليها.. فأصبح الاخوة الذين كانوا يجتمعون بجهودهم الجسدية على زراعة ما ملكوها أو ورثوها.. يملكون مزارع بعددهم يشتركون في زراعتها واستغلالها، متأملين سداد أثمانها وأثمان ما في ذممهم للمؤسسات والوكالات والتجار والبنك الزراعي.. إلا أن هذه الآمال بدأت تتبدد مع اجراءات مفاجئة بتخفيض كميات شهادات التوريد - حيث خفضت الكميات بنسب وصلت في حالات كثيرة إلى 70% من الكمية التي اعتاد توريدها بعض المزارعين.
وقلصت المساحات المزروعة بنسبة تجاوزت 10% من المساحة المعتمدة للمزارع، تلا ذلك تخفيض سعر الدعم من 3500 ريال للطن إلى 2000 ريال للطن، ثم إلى 1500 ريال وأخيراً إلى (1000) ريال للطن، مع رفع تكلفة الطاقة (الديزل) بنسبة 200% دفعة واحدة، حيث قفز سعر اللتر من (11) هللة إلى (33) هللة سعر مخازن الوقود (ارامكو) مضافاً إليه سعر النقل من المخازن إلى مواقع مكائن الري حسب المسافة، وأقرب مسافة كانت تكلفة نقل (35.000) لتر (300) ريال، ونتيجة لرفع سعر الديزل قفز سعر نقل الكمية إلى (600) ريال، ليرافقه اجراء آخر من وزارة النقل - حينما حددت أحمالاً بحد أقصى 25.000 ألف لتر (25) طن.. وهو ما يعني أن المبلغ الذي كان ينقل (35) أصبح فقط ينقل (25) طناً.. وهو ما انطبق على حاويات نقل القمح من الأجران في المزارع إلى صوامع الغلال.
في تلك الظروف كانت أسعار الأسمدة - اليوريا، الداب وغيرها من الأسمدة المصنعة لا تساوي أكثر من 49% من أسعارها في السنوات الأخيرة، فاليوريا عبوة 20 كيلو كان سعره حينما كان سعر الطن من القمح (3500) ريال، وسعر لتر الديزل (11) هللة، فقط (22) ريالاً، الآن وحيث أصبح سعر الطن من القمح (1000) ريال وسعر لتر الديزل على أقل واصل للمزرعة (37) هللة أصبح سعر العبوة ذاتها من اليوريا (47) ريالاً، ومن هذه المعطيات نستطيع أن نستبين بوضوح.. أن المشكلة ليست في الكميات المسموح للمزارعين توريدها من القمح إلى الصوامع.. إنما المشكلة في تكلفة إنتاج الكمية.. وبالتالي تظل مشكلة المزارع وهي المشكلة الأكثر أهمية وإلحاحا في واقع مجتمعنا.. حيث إن شريحة من المجتمع لا تقل نسبتها من مجموع المجتمع السعودي عن 70% من مجموع المواطنين.. النظرة القاصرة تحصر المشكلة في المزارع فقط. بينما المشكلة تتعدى المزارع إلى بائع اللوازم والمعدات الزراعية، والمتعاطي بكل المنتجات الزراعية، والمستهلك المعتمد في غذائه على المزارع، والناقل، والمسترزق بحراثته، وحصاده، وبذارته.. والبائع في سوق الخضار والمنتجات الزراعية.. رئيس التحرير في أي مطبوعة، والمحرر والصحفي والكاتب، والسائق والوزير والتاجر والوافد سياحياً إلى البلاد. الكل يتأثر بمؤثرات المزارع.
وبما أننا الآن نستعد لدخول منظمة التجارة الدولية وما تعنيه التجارة الدولية.. ماذا يستطيع المزارع السعودي والمسترزق من وراء مهنته.. أن يواجه به تدفق السلع الزراعية الخارجية التي تتمتع بمزايا نسبية لا تتوفر للمزارع السعودي لا من حيث خصوبة التربة، ولا من حيث تكلفة الري، ولا من حيث تكاليف العمالة، ولا من حيث تكاليف الإنتاج الأخرى قبل وأثناء العمليات الانتاجية، إذا لم يعمد إلى تخفيض قيمة الوقود (الديزل) بنسب لا تقل عن 200% مما هو عليه سعر الآن مما يجعل من تكلفة إنتاج المزارع السعودي على الأقل قادرة على المنافسة في سوقه المحلي على الأقل، لا لكي ينافس الآخرين في أسواقهم، فإن ما نسبته 70% من سكان البلاد بما فيهم مربي المواشي والحيوانات والذين يعتمدون على انتاج المزارع من الأعلاف ومخلفات حصاده في تغذية حيواناتهم.. وفيما يلي جدول مبسط لمقارنة تأثير تكلفة الديزل على طن واحد من القمح.
عمر المزروع (5) أشهر دورة الري (30) ساعة عدد ساعات الري = 5 x24ساعة = 3600 -30% ساعة= ـ 12 وحيث إن كمية (300) طن قمح وفق المعدل المعتمد للهكتار (5.5) 45 هكتار تقريبا.
والمساحة (45) لا يمكن ريها بأقل من (309 ساعات تشغيل بطاقة تشغيلية لا تقل عن (340) حصاناً. ومعدل استهلاك الحصان في حالة التشغيل المثالي للمحرك هي (5) لترات/ ساعة. وعليه تكون كمية الديزل المستهلك خلال الدورة الواحدة = 340 - 5 = 68 لتراًفي الساعة x33 هللة = 2244 هللة/ كل ساعة = (22.44) ريال كل ساعة x (33) ساعة = (740.52) ريال للدورة الواحدة x120 دورة خلال عمر المزروع = (88862) ريال.. وبما أن قيمة الطن خفضت إلى (1000) ريال، وعليه فإن (11138) أحد عشر ألفاً ومائة وثمانية وثلاثين ريالاً هي كل الفاضل عن تكاليف وقود الديزل فقط. بقية التكاليف الأخرى الأجور والإهلاك، وقطع الغيار والزيت والشحوم، والأسمدة والمبيدات والحرث والبذر والحصاد والتصفية والنقل حتى تسليم المنتج النهائي للصوامع وفائدة المزارع من مهنته طوال عام كامل كلها في (11138) ريال.. فهل يمكن إعادة النظر بتبصر ووعي في واقع الزراعة والمزارعين.. والله ولي التوفيق والقادر عليه..

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved