اطلعت على موضوع زيارة جريدة الجزيرة لأبناء الوطن الأيتام والذي نشر في يوم العيد وأحببت التعليق عليه، والتوصل من خلاله إلى فكرة، وقصدت تأخير التعليق لعل وعسى أن تجد فكرة المقال والتعقيب آذانا صاغية من المسؤولين في وزارة التربية والتعليم.. وعلى كل حال فقد أبرزت الزيارة الجانب الإنساني والإسلامي الماثل في علاقتنا مع الأيتام، وتعد الزيارة في نظري أحد الجوانب المهمة في مسيرة الوطن نحو رحلة الأيتام في بلاد الخير والعطاء، ولن أنكر في مقالي هذا الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة رغم أنني سأكون قاسياً فيما سأتناوله من طلبات نحو الأيتام، ولا يعني هذا ولا ذاك نسف جهود الآخرين في مجال خدمة الأيتام، والجهود محفورة في الذهن، ولكن لإنارة الطريق والتوصل لجانب آخر ربما غفلنا عنه جميعاً، وسأثني بعدد كبير ومهم من الأسئلة ستطال كثيرا من الجهات المعنية عن الأيتام ومن في حكمهم، وسأهتم ببرنامج يخص وزارة التربية والتعليم حول موضوعنا، وهو سيخدم عدداً من الجهات الحكومية الحيوية بإذن الله تعالى. وقبل البدء أقول إن ثمة أيتام وثمة من هم في حكم الأيتام، وهنا يتساءل البعض عن المقصود ب(من هم في حكم الأيتام)؟ والمعني بهذا من كان يتيما في علاقة الأب لأي سبب من الأسباب (طلاق أمه، سجن الأب، سلوك الأب...)، والسؤال الأهم والأول: ماذا قدم الإرشاد الطلابي للأيتام ومن في حكمهم؟ إنني على ثقة تامة أن غالب المرشدين الطلابيين لا يعيرون اليتيم ومن في حكمه أية أهمية على المستوى الاجتماعي والثقافي داخل مدارسهم، وهذا امتداد لمسيرة الإرشاد الطلابي في وزارة التربية والتعليم، وقصور في أداء وزارة الشؤون الاجتماعية والهيئات واللجان المسؤولة عن فئة الأيتام، ولا أظن أن لدى وزارة الشؤون الاجتماعية ولا وزارة التربية والتعليم مصطلحا خاصا عن (من هم في حكم الأيتام). يكشف لك العيد أسرار الأسر فتطل عليها بسهولة، ولو أمعنت النظر لأصابك الذهول والدهشة وربما الدوران والغثيان فما بالك لو سألت وتقصيت؟ وما بالك لو سمعت عن قصة هذا أو ذاك في عالم هؤلاء الأيتام ومن في حكمهم!! أيتام لهم عائل وولي ومعين وربما مصروف كافٍ وعيش رغيد، وأيتام لا عائل لهم محدد ولا معين يعتمد عليه، وليس لهم مصروف واضح، والقصص تتباين، فأين هؤلاء ومن هم؟ وكم عددهم؟ وما هي البرامج المعدة لهم؟ لا أحد يعلم وإن علم فعلمه كبيت العنكبوت، لا المرشد الطلابي ولا الباحثون الاجتماعيون يعلمون بدقة عن هؤلاء وإن كان وحصل فنزر يسير لا تكتمل معه المهمة، ولقد ذهب التعداد السكاني ولم يذكر لنا فيما نطلع عليه عدد الأيتام، ولا عدد بعض مَن هم في حكم الأيتام، واليقين الآخر أن المعنيين بالخدمة المدنية المعلوماتية لا يستطيعون الإجابة عن ذلك بدقة، لا بالأرقام ولا بغيره، لا يعلمون بالشكل الذي يحقق الآمال، وهنا أقول ما أحوجنا إلى الخدمة المدنية المعلوماتية الدقيقة عن هؤلاء وغيرهم من المواطنين والوافدين، ولا يمنع أن تنشأ وزارة بهذا الاسم لتقديم المعونة باحتراف، لقد تحدث مجلس الشورى عن دمج وزارة العمل بالخدمة المدنية من ناحية تأمين الوظيفة، ولكني كتبت هنا في هذه الصفحة عن قلب الخدمة المدنية لتكون جهازا خدميا معلوماتيا احترافيا لتقديم ما يتحصل عليه لجميع الجهات وعن جميع من يعيش في هذه الأرض الطيبة من وافدين ومواطنين، وذكرت ضرورة ضم الأحوال المدنية إليها وتوسيع دائرة المعلومات المدنية، ونقل مهام وزارة الخدمة المدنية الحالية لوزارة العمل، والاستفادة من كلمة (الخدمة المدنية) لتقديم البنك المعلوماتي الوطني لمن يهمه الأمر، تلك الكلمة العظيمة التي لم تحقق منها وزارة الخدمة إلا قدراً لا يذكر وفي مجال واحد وهو العمل الحكومي، وهي كلمة عظيمة لو تمعنا فيها، ويا ليت مجلس الشورى يلتفت لاقتراحي حول هذه الكلمة، ولا يمنع هنا أن تضم كل الوزارات التي تنشط في مهمة جمع المعلومات إلى الخدمة المدنية، وإلى أن يقتنع المسؤول ويلتفت لاقتراحي الذي كتبت عنه أكثر من مرة، والذي طالما حلمت به سننتظر النتائج في مجال رعاية الأيتام ومن في حكمهم، وخدمة كل مخلوق على أرض هذه البلاد الطاهرة. أعود للأيتام فأقول: إن على المجتمع التربوي مهمة جسيمة في رعاية اليتيم، وعليه أن يقدم الجديد دائماً، ويتبادر للذهن اجترار مسيرة الإدارة العامة للإرشاد الطلابي، تلك الإدارة الوحيدة التي قل أن تسمع عن أحلامها وخطوات تطويرها، ولو سألت وزارة التربية والتعليم جميع المعلمين: ماذا قدم المرشد الطلابي لأبناء المدرسة؟! لوجدت أن الإجابة ستكون مبهمة، ينتهي دور المرشد الطلابي مع الورقة الأولى والوحيدة في بداية العام (قائمة الطلاب المرضى)، أعلم أن كثيرين سيعارضون ويدافعون، وسيقدمون قائمة مهام المرشد الطلابي، وربما رد البعض بالجهود المقدمة للأيتام في دورهم، أو بدأ يستعرض لي مشروع دعم ذوي الحاجة من الطلاب، ولا أنكر ذلك ولكني أشير إلى النقص واعتمد على أسلوب التجديد في طلباتي نحو خدمة اليتيم وليس اليتيم فحسب، بل حتى من هو في حكم اليتيم على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والمادية والنفسية والثقافية وخلافه والسياسية أيضاً لأننا لا يمكن أن نغفل عن إمكانية استغلال هؤلاء في أعمال غير مقبولة سياسيا، والسؤال: هل يتفرغ المرشد الطلابي لدراسة المهام الإرشادية الطلابية عبر دورة فصلية كما هو واقع دورات الإدارة المدرسية والنشاط الطلابي؟ وإن وجدت هل عدد المفرغين يوازي عدد زملائهم المفرغين للتدريب في النشاط والإدارة المدرسية؟ وهل لدى الإرشاد الطلابي نفس الكم الهائل من التنظير والتطوير في النشاط الطلابي؟ إذاً القصة في قصور شقيق النشاط الطلابي، وأبسط الاستشهاد على ضعف الإرشاد الطلابي في المدارس وعدم امتداد دوره للبيت والمجتمع هو أن وزارة التربية والتعليم تعتمد على النشاط الطلابي في مهام كثيرة بخلاف نظرتها تجاه المرشدين وإدارة الإرشاد الطلابي رغم أنهما إدارتان في وكالة واحدة (وكالة شؤون الطلاب) ولك أن تسأل عن الفكر في ساحة الإرشاد الطلابي؟! الأسئلة كثيرة جداً في مجال بحث التقصير في خدمة اليتيم ومن في حكمه، ولعل القارئ الكريم يندهش من دواعي إمطار الإرشاد الطلابي بهذه الأسئلة الكثيرة؟! والجواب لأن علاج وضع الأيتام بحاجة إلى سرية وبحاجة إلى متخصصين والإرشاد الطلابي لديه الكوادر والقدرة ولكنه خامل الحراك، ولذا سأقدم له برنامجاً جديداً في تفاصيله عن عالمه وهو برنامج (تواصل الآباء) وشعاره (أنا وكافل اليتيم في الجنة) والشعار الآخر (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، ويحتاج البرنامج إلى قرار رسمي ينص على أن يتمتع الموظف في القطاع الحكومي والقطاع الخاص بعطلة رسمية ليوم كامل وسط الأسبوع في كل عام دراسي على أن ينتقل الموظف لمدرسة ابنه للتوقيع بالحضور والانصراف وترفع ورقة الحضور إلى جهته رسمياً بعد التنسيق بشرط أن تكون ورقة الزيارة مستقلة لكل أب، وإن كان الأب له أكثر من ابن فله أن يحضر لكل مدرسة نصف عطلة عن كل ابن شريطة ألا يكون قد تحايل على ذلك. ولا يمنع أن تبادر إدارات التعليم لتوحيد عطلة مجلس الآباء في كل حي أو في كل عشرة مدارس بحيث تتناوب الأحياء أو المدارس في برامجها (تواصل الآباء) ونبقى في المعلم الأب أو ولي الأمر فيحدد له زيارة بحسب ظروف مدرسته وظروف مدرسة ابنه بقدر المستطاع بحيث لا يتعارض تواصل الآباء المعلمين مع فرصة حضورهم أو يعوضون فيما بعد بزيارة خاصة، هنا سيتواصل المرشد الطلابي في كل مدرسة إلى أولئك الأيتام ومن في حكمهم، وسيكسب زيارة الأب واطلاعه على مستوى أبنائه، وسيعزز الجوانب المطلوبة في خدمة اليتيم ومن في حكمهم (اجتماعياً - وثقافياً، وماديا، واقتصاديا، ونفسيا).. هنا سيقول البعض: إن البرنامج سيخلق لنا مشكلة أخرى وهي إحراج الطلاب، ولذا أقول: من المهم أن يحضر ولي أمر اليتيم أياً كان (عم، أخ، جد، خال) وعندها لن يكشف الأمر للطلاب بشكل ملحوظ، بمعنى أن ولي اليتيم في أسرته سيحضر وسيحظى بإجازة مجلس الآباء رسمياً، ولتعتبر هذه الإجازة هدية أو مكسبا لمن تحمل (كفالة اليتيم) سواء اجتماعياً أو اقتصادياً أو مادياً أو نفسياً، وهذا البرنامج داعم قوي لاستشعار الدور المهم الذي يقوم به كافل اليتيم، وتعاضد اجتماعي وفرصة للقول: إن ولي اليتيم مشارك فاعل في قرارات دعم الأيتام ويكفي أنه يقوم بدورمهم يخفف به على الدور الخاصة بالأيتام. والمكسب النهائي أيضاً لهذا البرنامج هو الجانب الآخر من الشعار (كلكم راع ومسؤول عن رعيته)، حيث إن الآباء قل أن يحضروا لمجلس الآباء المسائي، هناك أولياء للأيتام ومن في حكمهم ربما يتعففون عن طلب المعونة، والمرشد الطلابي مطالب بأن يتواصل معهم وأن يعزز جانب الصندوق الخيري في دعم هؤلاء والطلاب الأيتام، ومتابعة الإرشاد الطلابي قد يتوصل إلى جانب مهم وهو مطالبة وزارة الشؤون الاجتماعية بأن تقر نظاماً مادياً خاصاً بالأيتام بحيث تصرف رواتب لهم، وإن كان لهم نصيب من التقاعد وهو قليل فعلى الجميع أن يتحرك لزيادة الجرعة لهؤلاء ليواصلوا مسيرتهم بلا تعثر، وعلى إدارة النشاط الطلابي أن تسعى إلى جمع المعلومات الجديدة والمهمة في مجال الأيتام وأن تطلع المجتمع بها، وأن تدرس أسباب وفاة الآباء وأن تخرج بالتوصيات المناسبة، والمعلومات التي يجب أن يطلع عليها المجتمع بحيث يدرك خطورة إهمال الأيتام ومن في حكمهم، وهي عدد الأيتام في الوطن ومتوسط دخل الأيتام، وتوزيع تواجدهم في الخريطة الاجتماعية (عم، خال، جد، أم الأم) (منزل مستقل، منزل مشترك، ملك، مستأجر) ونتائج الأيام الدراسية، وعدد الوحيدين في أسرهم، والثنائيين، والمجموعة من الأيتام في الأسرة الواحدة، وأسباب وفاة الأب، ولا يمنع البحث عن يتيم الأم وأسباب ذلك، وآثاره الاجتماعية، وسبل العلاج للمشاكل الناتجة عن ذلك، هذه المعلومات مهمة جداً، والمرشد الطلابي الذي يغفلها محاط بنظرات التقصير وعدم المهنية الدقيقة، واقترح أن تسعى وزارة التربية والتعليم إلى جمع هذه المعلومات وإيداعها في الحاسب الآلي وإيصالها للجهات المختصصة، وأن تفكر في النشاطات المطلوبة في عالم الأيتام بالتعاون مع غيرها من المهتمين، فمثلاً يمكن زيارة هؤلاء في بيوتهم، والتفكير في وسائل جديدة لدعم ثقافتهم الاجتماعية مع الأصدقاء، وولي الأمر، ومع الأم، ومع المدرسة، ولا يمنع على الأقل الاهتمام بشديدي اليتم، والتواصل معهم بالهدية والزيارة، ورصد المكافآت المادية كخارج دوام للمرشد الطلابي الحريص على تطبيق توجيهات الإرشاد الطلابي خارج مدرسته، وكشف المستور عن الفاشلين في الإرشاد الطلابي وإنهاء تكليفهم وإعادتهم للتدريس، وربط المرشدين الطلابيين مع برامج وزارة الشؤون الاجتماعية والجهات الخيرية خطوة بخطوة. ويبقى الأصعب وهو رعاية من هم في حكم الأيتام وهم من ابتلوا بآباء مسجونين أو معربدين، وأعتقد أن برنامج (تواصل الآباء) سيساعد على ذلك. إن سبب هذا المقال كان في يوم العيد، حيث تعرض لي ولبعض رفاقي في طريق أحد الزيارات صبيحة العيد طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، فنهره الجميع، وكنت مع الناهرين له، وأوقف المشهد ذلك الصوت الذي يقول سامحوه، فلو تعلمون أن أباه يضربه يومياً وأنه لم يجد من يربيه.. و.... و..... لعذرتموه، فكتبت بعدها رسالة أوصلتها لعدد من الاخوة في وزارة التربية والتعليم نصها: (العيد يكشف لك أسرار البيوت فثمة أولاد لا آباء لهم وأولاد آباؤهم بجوارهم ولكنهم إما معربدون او مسجونون أو... والقائمة لا تنتهي، فهل في الإرشاد الطلابي من يأبه بهم أو يواسيهم أو ينير لهم الطريق؟! فكرة عطلة مجلس الآباء رسميا لجميع العاملين والتوقيع بالحضور للمدرسة طريق جديد لمعرفة هؤلاء وعلاج أوضاعهم ورسم الأمل لهم فهل ينطلق برنامج بعنوان (تواصل الآباء) ومنه نعمل وننظم؟
شاكر بن صالح السليم عضو جمعية الإعلام والاتصال وباحث في النشاط الطلابي |