Saturday 3rd December,200512119العددالسبت 1 ,ذو القعدة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الثقافية"

قراءة لديوان (مواسم الشعر)قراءة لديوان (مواسم الشعر)
بدر عمر المطيري

كل ما نعرف عن هذا الشاعر أنه لبناني الجنسية وحائز على إجازة جامعية في العلوم الاجتماعية..
أما (مواسم الشعر) فهو أول ديوان يصدر للشاعر محمد نعيم بربر..
إذن لندخل إلى قصائد الديوان مباشرة بسؤال بدهي:


هل سنطالع شعراً جميلاً مؤثراً أم لا؟
كنت قبل اليوم طفلاً حالماً
جاهلاً ما غاب عن أمر غد
وأراني اليوم كهلاً حائراً
غارقاً في عالمي المنفرد
باحثاً بالفكر عن أمر مضى
مثقل الأحمال مكتوف اليد
ليتني أرجع طفلاً حالماً
باحثاً في الأرض عن حلم الغد

هذه الرباعية الممتعة لم يفسدها غير تكرار القافية في أولها وآخرها.. فهل يعني ذلك نضوب مفردات الشاعر أو شحها؟!
لن نلتمس للشاعر العذر في هذا الإفساد المتعمد.. إلا اللهم إن أراد التأكيد على مدى حنينه إلى أيام الصبا والطفولة فإن هذا شيء آخر.. لكن سنتخذ له العذر ولا بأس.. يؤيدنا في ذلك قصيدة أخرى بعنوان (الحنين إلى الصبا) يقول فيها:


يقولون لي دوماً تحن إلى الصبا
كأن مدار العمر قد أوقف السيرا
فقلت ومالي أي شيء يسرني
لعمر مضى عندي يعادل لي العمرا
وددت لو ان العمر يرجع مرة
إلي من الماضي فألقى به عذرا
تصور أحلامي ونجوى طفولتي
تصور لي حباً تصور لي ذكرى
أرى فيك يا عمر الصبا لحن شاعرٍ
يفيض كنور الشمس في عالمي شعرا
أرى فيك دفء الحب عيناً بليلةٍ
أرى فيك لي مهداً أرى فيك لي صدرا
أرى فيك ألحان السواقي شجية
تصور لون الأرض في مقلتي نهرا

ونلاحظ تكرار (أرى فيك) غير أننا نغفر زلات الشاعر لكونه وفياً للماضي والوفاء يصنع الأعاجيب:


سأبقى وفياً وإن ضيعت
ليالي اغترابي جنى الموسمِ
على العهد باق خفوق الفؤادِ
بحبك يحيا ويسري دمي

بيد أن الشاعر الذي يعيش مغترباً في بلاد الحرمين.. بعيداً عن أهله وموطنه الأصلي صار ينطق بالحكمة.. أو لنقل يسلط عقله على العالم الذي يدور حوله.. فشاعرنا لا يعيش في برج عاجي شأن الرومانسيين وغيرهم في التعامل مع الواقع الذي من حولهم.


عالم اليوم كوابيس رؤى
وافتراءات وظلم طغاةِ
عالم اليوم سباق هادر
كسبت بالسبق فيه الطائرات
إنه عصر الطواغيت (التي)
وصمت بالعار عصر المكرمات
إيه يا أسرار نفسي مزقي
حجب الظلم وقومي للصلاة

وتصويب البيت الثالث: إنه عصر الطواغيت (الذي).. إلخ لكننا أيضاً نلتمس للشاعر العذر كونه مغترباً وكونه يعيش في عالم متأزم يحار فيه عقل كل لبيب:


حار عقلي وفيك يحتار مثلي
يا حياة تسمو بفدم ونذلِ
هل غدا العلم بين أهلك وهماً
وتساوى نذل وصاحب فضل؟
هل غدا الحق بين أهلك زوراً؟
أم تدنى عن فهم أهلك عقلي؟
هل تساوى في العلم والجهل قوم
أم تساووا ما بين ظلم وعدل؟

إلى أن يقول شاعرنا محمد بربر في النهاية من قصيدة (حيرة العقل) معلناً انتصار الحق والعدل على الجهل والظلم:


خسئ الجهل لن ينافس علماً
خسئ الظلم لم يسيء لمثلي

غير أن لشاعرنا قصيدة متشابهة للقصيدة الفائتة.. بل تفوقها في طول النفس الشعري وفي العمق الفلسفي والتأملي في رؤية الشاعر للواقع إذ بلغت أبياتها 22


بيتاً على البحر الكامل التام:
كل الخلائق في الوجود رهائنٌ
ما بين ذي فقر وذي أموالِ
ذو المال بالآمال يعدو مسرعاً
ويعيش ذو فقر على الآمال
أما الحقيقة بين ذاك وبين ذا
كتقطع الأمواج فوق رمال
لا ذاك يرضيه الكثير ولا الغنى
أو ذا يصون النفس دون سؤال
الكل يؤرقه نظام حياته
والكل في حل وفي ترحال
لكن في طبع النفوس أرى الورى
يتسابقون على سراب محال
إلى أن يقول:
حسبوا النعيم ملابساً ومباهجاً
ومفاتناً من متعة ودلالِ
ونسوا الحقيقة خدعة وتملقاً
ستحيلهم بغد إلى أطلال
فمقابر التاريخ بعض شواهد
وكوارث الأيام بعض منال

من هنا يؤكد الشاعر أن القناعة هي الأجمل وهي الحل:


لو أن كلٌ بالقناعة يرتضي
حكماً لآلت حالهم كمآلي
ورأيت أهل الأرض في أموالهم
يتعايشون معاً بأحسن حال

هنا تعطي الحكمة للشعر معنى جميلاً.. بل تعطينا نحن المتلقين انطباعاً بأن ما يقوله محمد بربر هو عين الشعر.. بل هو شعر خالد وراق.. وهل أعجبنا شعر أبي الطيب المتنبي إلا لأنه ينثر الحكمة في أبياته نثراً؟
قلنا: الحكمة ما يميز شعر بربر.. ونقول أيضاً: الغربة تميزت بها قصائد شاعرنا.. فلنحتم إطلالتنا السريعة على الديوان بعرض بضع أبيات تدور حول الغربة.. غربة الشاعر الذي يعيش في السعودية بعيداً عن وطنه الأول لبنان وإن كانت السعودية ولبنان أرضاً واحدة وشعباً واحداً.
لكن الشعور بالغربة هنا شعور لذيذ يرهف الحس ويوحي بالجميل:


طال البعاد وهاجني التذكارُ
وهفت إلى روحي وقلبي الدارُ
كم هاج شوق العاشقين أحبة
فتفتحت شوقاً لها الأزهار
ذكرتني يا دار حلم طفولة
فيها تصان وتحفظ الأسرار
ذكرتني أمي وعمر براءتي
يا دار كم زخرت بك الأخبار
كم رفرفت في الدار أجنحة السما
ولوجه أمي كم هفت أنوار
كم راق زهر الياسمين يكفها
كم لف طوق الياسمين سوار
يا طيب هذا الحب في بستانها
كم راق في بستانها المشوار
يا داركم مرت عليك شواهد
والعمر في فلك الحياة مدار
تلكم مناجاتي أعيد حنينها
فيعود فيها الحب والتذكار
يا داركم عمرت بحبك مهجتي
هلا تطول بحبك الأعمار

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved