كم أسعدني طرح مقال الكاتبة رقية الهويريني الذي طرحته في جريدة الجزيرة الموقرة (العدد 12112) تحت عنوان (أرجوك... لا تفعلي!!)، والذي يمس جرحاً غائراً في قلب هذه الأمة، فلقد استعرضت بعض الأحداث والعواصف التي ذكرت في المقال والتي سببت الخور وأحدثت الهم في جسد الأمة، مما أعاق انطلاقتها نحو مصاف الأمم المتقدمة والمستعدة، وهذه الأمة الحزينة تريد أن تداوي جروحها وآلامها عبر صناعة مجتمع مسلم يعرف بقية الشعوب بثقافته وحضارته، ويتلو عليه أمجاد أمسه)، ولكن ثم أناس وخطباء يستعجلون النصر بأي وسيلة كانت بغض النظر عن شرعيتها ويتباكون على فقد العظماء من أمثال صلاح الدين، ولم يدركوا أن صلاح الدين الأيوبي ليس ظاهرة فردية بطولية ولكنها ظاهرة مكملة لعوامل كثيرة في المجتمع الإسلامي، فعلا نجمه وبان كنتيجة حتمية لعوامل التجديد والبناء في جسد هذه الأمة على مدى مائة عام تقريباً في ذلك الزمن، فهو نموذج قابل للإعادة والتكرار لعصور كثيرة حتى توافرت الشروط والمقومات الموضوعية، وأرى أن حاضر هذه الأمة له قابلية عجيبة لتقبل مثل هذا النموذج المتكامل الناجح تحت شعار (مائة عام من الجد واليقظة)، وفي هذا السياق صدر كتاب ( هكذا ظهر جيل صلاح الدين.... وهكذا عادت القدس) للدكتور: ماجد الكيلاني، والذي يبحث هذه القضية المهمة والمصيرية لمستقبل هذه الأمة من خلال خلق نموذج مثالي لصناعة أمة مسلمة متحضرة، ويوضح الكتاب أن تجارب نهضة الأمة تمر من خلال ثلاث مراحل متعاقبة وهي: 1. الحس الاجتماعي (نقل الأفراد والجماعات من الغياب في القضايا المحلية، إلى حالة الحس بالحاجات العليا المشتركة). 2. الوعي الاجتماعي (في هذه المرحلة لا بد من تضافر عناصر القوة الثلاث:(المعرفة) و (الثروة) و(امتلاك القوة) إلى أن تبلغ حالة النضج، فتأتي الحاجة الى الحالة الثالثة. 3. مرحلة الانتقال من الوعي إلى التطبيق (توفير الاستراتيجيات والوسائل اللازمة لدفع مسيرة الحاضر عبر المستقبل). وفي هذا السياق فإني أشاطر وأوافق الكاتبة في أنه كيف تأتي تلك السيدة ذات الست وثلاثين ربيعاً وتفجر نفسها تاركةً جيل المستقبل والبذرة دون رعاية واهتمام، وهنا نتساءل: من هو المفتي الذي أفتى للسيدات بتفجير أجسادهن على هذا النحو الحزين؟ وفي هذه الفتوى وأمثالها قفز عن وعي أو غباء إلى المرحلة الثالثة دون المرور الى المراحل الأولى الأساسية لبناء وصناعة وإعادة هيكلة الأمة ذات التاريخ الحضاري الأصيل!
د.زيد المحيميد/ أكاديمي سعودي |