Tuesday 20th December,200512136العددالثلاثاء 18 ,ذو القعدة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الأزمنةالأزمنة
ذكريات مهرجان المربد (2)
عبد الله بن إدريس

بعد مهرجان (المربد الثاني) عام 1394هـ أوقفت الحكومة العراقية نشاطات هذا المهرجان.. حتى قامت الحرب بينها وبين إيران.
أثناء هذه الحرب احتاجت حكومة صدام حسين إلى تكثيف الدعاية والاعلام المؤيدة لهذه الحرب والتي وقر في أذهان العرب والمسلمين أنها حرب شرعية للدفاع عما اسمته حكومة بغداد (البوابة الشرقية) ضد التوجه الإيراني لاكتساح دول الخليج العربي والهلال الخصيب فكان التأييد العربي المطلق للعراق ضد ايران.
والحق أن النوايا الإيرانية ضد الدول العربية الخليجية ليست النوايا التي تطمئن إليها هذه الدول حتى اليوم.
في هذه الحرب الخاسرة لكل من الدولتين.. أصبحت الحكومة العراقية.. وخاصة بعد أن طال أمدها واشتد أوارها.. في حاجة ملحة لمساندة الجيش العراقي ورفع معنوياته والإشادة ببطولاته وتضحياته من قِبَل الشعراء العرب.
ومعلوم تأثير الشعر في المعنويات سلباً وإيجاباً.. ولذلك كان الشعراء في كل الأمم والشعوب يستخدمون هذا (الفن الرفيع) في التأثير على أعدائهم.. من خلال الفخر بالأحساب والأنساب.. وبالشجاعة، والبطولات الخارقة.. رفعاً لمعنويات أقوامهم.. وتخذيلاً لأعدائهم.
وكان هذا الفعل (الشعري) قائماً منذ قديم الزمان وحديثه، وتأثيره واضح للعيان.. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث حسان بن ثابت رضي الله عنه على مهاجاة المشركين عندما يلتقي الصفان.. ويقول (اهجهم اهجهم يا حسان فوالله لكلماتك أشد عليهم من وقع النبال) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، ولا ننسى في هذا المجال (إلياذة هوميروس).. وما كان لها من تأثير بالغ في الثقافة الإغريقية.
لهذا الواقع التأثيري العجيب للشعر.. لجأت الحكومة العراقية إلى استضافة العشرات من مشاهير الشعراء العرب في كل عام من أعوام الحرب الدائرة بينها وبين إيران.. وكنت من الذين حظوا بوفرة حضور هذه (المربديات) (5) سنوات متوالية.. لكني بكل أسف لم أسجل ذكرياتي عن هذه المهرجانات إلا في العامين الأخيرين (1408هـ) (1409هـ) قبل غزو صدام حسين الكويت واحتلالها وسيأتي الحديث عنها - إن شاء الله - لاحقاً. لكني أذكر أن إسهامي الشعري في هذه المهرجانات لم يتجاوز أربع قصائد على مدار سنواته.
ففي عام 1406هـ ألقيت قصيدة بعنوان (خطاب إلى بغداد): جاء في أولها:


حيّتكِ في المحن الشداد (الضاد)
وفدتك منها الروح يا بغداد
زفت إليك من الجزيرة حرة
ما استُعْبدت أولاكَهَا أضداد
تهدى إلى أم النضال مع السنا
عمق الاخاء، وبالهوى ينقاد
جئناك يُرزم حبنا متوهجاً
كتوهج العزمات وهي صلاد
جئناك نرسم في صمودك وجْهَنَا

ونقول للتاريخ وهو يعاد:


حدِّق بعين بصيرةٍ نفّاذةٍ
واقرأْ فكل تراثنا أمجاد
إن العروبة ما استُبيح ترابُها

أو حافها التهديد والأنكاد:


الا استشاط الثأر في شريانها
فإذا الخزامى عوسَجٌ وقعاد

ولعلها صادفت رضا وقبولاً من الحاضرين.. حتى أن الشاعر البحريني (عبد الرحمن رفيع) أصبح كلما لقيني في بغداد أيام المهرجان أنشد البيتين الأخيرين الآنفي الذكر كنوع من انسجامه مع القصيدة.
وقد جاء فيها ما يشيد بأمجاد بغداد وتاريخ العراق..
ومن ذلك قولي:


يا مشرق الأمجاد عشتِ شجاعة
تزهو بها الآزال والآماد
وحضارة بيضاء صوت حُداتها
أنْسٌ ورجع غنائها إسعاد
أمّ الثقافة يا ابتهاج حياتنا
أنت الطليعة.. للنضال عماد
قد كنت في كل العصور منارة
لحضارة (بالرافدين) تشاد
لصهيل خيل الله في جنباتها
نغم تلذ سماعه الأكباد

وبالتأكيد.. ورد في القصيدة هجاء للطرف الآخر حسب مقتضيات الحال والتصوير في ذلك الحين من نحو:


بغداد يا عزماً تفجر لاهباً
عاش اللهيب، شواؤه الأوغاد

وخصصت بغداد بتوجيه الخطاب إليها بصفتها (رمز) الكيان العراقي.. بحثها على الصمود حتى النصر.. وواقعها الحالي لا يختلف كثيراً عن دافعها وحربها مع ايران.


بغداد يا بركان غضبة أمتي
لك في الحنايا مبدأ ومعاد
لن تركعي فالمجد فيك مُحصّنٌ
تعنو لقوة صرحه الأطواد
لن تركعي حتى يعود لضرعه
شخبٌ تفجر واحتواه مهاد
لن تركعي رمز الشجاعة والفدا
فالمجرمون تخيفهم بغداد

نعم وألف نعم. فالمجرمون الغزاة وعلى رأسهم أمريكا أصبحوا اليوم في حيرة من أمرهم.. يريدون الخروج والفكاك.. ولكن عنجهية القوة والطغيان تريد الاحتفاظ ولو بشيء قليل من ماء الوجه.. سوَّد الله وجه كل معتد أثيم.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved