هكذا تجلد فؤادك الأنباء ليزرق من شدة الحزن بعد أن كان مخضّراً كسهوب المحبة، هكذا في كل غفلة من العمر تثقب قلبك طلقة مباغتة لتجتاح إحدى زهرات الحياة؛ فتتطاير تبلاتها العبقة، وتضمخ جدران القلب بالعبير الأخاذ. وهكذا يحاول تجميعها مرة أخرى لتعيدها إلى منبتها الأصيل، ولكنك لا تملك آنذاك سوى الخيبة الفادحة والفشل الذريع. *** هكذا كلما ماتت وردة في القلب تذكرت ما قاله الشاعر الإسباني الكبير خيمنث: (كتمت الحزن في الصدر كتمته عميقاً إلى أن تطايرت أضلاعي من وطأة اليأس فتناثرت في الأفق شلواً شلواً لكنني انحنيت وجمعت الأشلاء وكان يعلق بها بعض العشب والزهر وأعدتها إلى موضعها السابق وهكذا سرت بشكل متبرعم عجيب) *** هكذا أفعل مثل خيمنث كلما صُعقت بفاجعة موت صديق، فبالأمس البعيد ودعت - على البعد - صديقي الفنان اليمني المبدع عبد الله بامحرز، وبعد ذلك بفترة ودعت صديقي الحميم الشاعر الرائع عبد الله السلوم، وبعده بفترة ودعت (عاقل الزيد)، وبعده فقدت أحد الرجال العظام في الكويت ألا وهو عضو مجلس الأمة السابق عبد الكريم الجحيدلي، وبعده مات كريم آخر من كرام قبيلتي العزيزة ألا وهو دميثير عجاج، وبعد ذلك فوجئت بفقدان الرجل الشهم مسعود بن فاهدة الشهراني، ثم علمت متأخراً برحيل الصديق القديم هادي بن مدرمكة العجمي، وأخيراً صعقت برحيل أعز قريبين لي في الحياة ألا وهما صديق العمر الجميل فرج بن حجي وخالي الذي أعتبره بمثابة والدي والذي كان من أنبل الناس، وأكرمهم وأطيبهم معشراً، وأكثرهم حباً لقبيلته، ووفاءً لأهله، وكذلك كان الصديق فرج مثلما كان خالي (أبو تركي سكران بن لافي)، فليرحم الله الجميع ويسكنهم فسيح جناته، وما عليّ إلا أن ألتقط نثار القلب، وأسير متبرعماً بشكل عجيب.
|