كثيرٌ من علماء الاتصال يؤكِّدون على أنّ العاطفة المفرغة من الموضوعية أو المنطق هي التي تتحكّم في أذواق وأهواء المجموع, ومهما وصلت درجة ثقافة الوعي والإدراك للشعوب, لكن يوجد هناك تفاصيل صغيرة من الممكن أن تسهم بدور وافر في تحديد قضية الإجماع الشعبي والرّواج والانتشار. وعلى الرغم من أنّ قضية فكر النُّخبة وفكر العامة هي قضية قديمة نوقشت على العديد من المستويات, إلاّ أنّها ما برحت تشكِّل تفسيراً لكثير من الظواهر حولنا التي تجرف المجموع حولها دون أن تقدِّم طرحاً عقلانيّاً تقدميّاً مبنيّاً على أُسس من الوعي المنطقي الذي يبني الأسباب على النتائج, ودون أن تحميه من الانجراف الحاد وراء الشعارات والخطب باتجاه التقدم بالوعي الإنساني إلى مجالات أكثر شمولاً ومعرفة. ونحن في العالم العربي نجد أنّ أشد المظاهرات عنفاً ودموية ظهرت بعد مشاهد العنف ضد الفلسطينيين التي بثّتها القنوات الفضائية للعالم. فهذا بالتأكيد يشير إلى ردود الفعل الفورية المتحمّسة بطاقات عالية من الانفعال التي تملأ الشوارع بالضجيج والصخب والحجارة والغازات المسيلة للدموع، دون أن تتحوّل تلك التعبئة الشعبية إلى فعل على المستوى الحضاري, ضد عدوٍّ لم يتغلّب علينا بالزعيق أو الصراخ أو اختراع الأحزمة الناسفة، ولكن عبر سنوات ضوئية متجاوزة لنا على مستوى التقدم العلمي والتقني والحضاري. والذي يحاول اليوم أن يقارب القضية الفلسطينية ضمن نفس الأدوات البائدة التي غرّرت بالعرب طوال نصف قرن مضى, إنّما يزايد على الشعوب وعاطفتها القومية والدينية, بضخِّ كَمٍّ وافرٍ من الشعارات المحملة بالتشنُّج التعبوي والرغبة في العنف والصِّدام, دون أن يقدم على الجانب الموازي طرحاً هادئاً يبيّن أنّ استرداد فلسطين لا يتم عبر الشعارات الغوغائية التي ظللت هذه الأُمّة طويلاً, ولكن عبر العمل التراكمي الدؤوب وأيضاً الهادئ الذي يستمر أجيالاً طويلة والمنظّم داخل خطط تنموية قادرة على اللّحاق بمركبة العصر, عمل يستطيع أن يقدم للشعوب العربية (المتخلِّفة) قاعدة حضارية من التقدم العلمي والتقني والحضاري يستطيعون أن ينطلقوا من خلالها بقوة وثبات لاستعادة حقوقهم المسلوبة. فعلى سبيل المثال الرئيس الإيراني نجادي عندما يدس القضية الفلسطينية في طرحه السياسي, إنّما يرغب في استقطاب الوجدان الشعبي المنكسر وتوظيفه كدعم لأجندته السياسية التعبوية, أيضاً يطمع في الحصول على حصانة شعبية ضد التحرُّكات المريبة لإيران في جنوب العراق, على المستوى العربي جميع أولئك الذين يصدرون القضية الفلسطينية ضمن خطاب سياسي انفعالي وصاخب, لا يمتلكون الوعي التاريخي والسياسي المستجيب للاستراتيجيات الدولية والمصالح الوطنية ....... وإنّما يتوسّلون هذا الأمر ذريعة لكسب المزيد من التأييد الشعبي للأتباع والمريدين, عبر المزايدات السياسية والبطولات المزعومة والتلويح بقميص عثمان في كلِّ محفل ومناسبة.
|