لقاء الصراحة

كثير من الصراحة رافق أعمال قمة مجلس التعاون التي عرفت باسم (قمة الملك فهد) وفاءً واعترافاً بدور خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - في قيام هذا الكيان الخليجي. فالتجربة التي يمر بها مجلس التعاون تستحق فعلاً أن تتوفر على قدر كبير من الشفافية التي تتيح لمواطني دول المجلس المتابعة اللصيقة الواعية لما يجري، وهو أمر لا يتوفر إلا في ظل المكاشفة والصراحة التي برزت بشكل كبير منذ بداية هذه القمة وإلى المؤتمر الصحفي الذي جاء في ختامها..
ومنذ البداية كانت هناك إشارة سمو الشيخ خليفة بن زايد بأن ما تحقق في تجربة مجلس التعاون لا يصل إلى مستوى الطموحات، ومع ذلك فإن مثل هذا الكلام ينطوي على حثٍ قوي على الوصول إلى الأهداف المرتجاة لكن دون المبالغة في تقدير الإنجازات، بل على أن يكون التقييم على قدر ما تم تحقيقه على أرض الواقع.. ولهذا يصح أن يقال إن القمة اهتمت بتصحيح المسيرة على حد قول معالي وزير الخارجية الاماراتي، إذْ من الواضح أن هناك رغبة مشتركة لتقويم الأوضاع، بحيث يمكن الانطلاق نحو الغايات الكبرى التي تتطلع إليها شعوب المنطقة ولكن على أساس قوي..
وفي قمة أبوظبي برز بوضوح أيضاً استمرار الاهتمام القوي بالشأن الأمني، إذْ ظهر ذلك بصورة واضحة في الحيز الكبير الذي أخذته المسألة الأمنية في هذا اللقاء والموافقة على مقترحات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز بتطوير قوة درع الجزيرة إلى جانب الموافقة على اقتراحه بإقامة مركز دولي لمكافحة الإرهاب..
إن الأمن بمعناه الشامل يتسع ليتناول الحرص على سلامة المنطقة على الصعيد الإقليمي، ولهذا كانت هناك الإشارة المهمة في القرارات إلى رفض أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط بما فيها منطقة الخليج مع مطالبة إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية..
كما أن الأمن بمعناه الشامل يحتم تطوير القدرات الذاتية وبالقدر الذي يتيح لها أن تكون الدرع القوي لحماية دول المجلس مثلما هو مأمول من قوة درع الجزيرة، وهي أيضاً رصيد دفاعي لكامل المحيط العربي، فالدفاعات العربية، لا شك تتقوى بمثل هذه القوة التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن العربي..
وبصفة عامة فإن تجربة مجلس التعاون تبرز في بعض من جوانبها صيغة مقدرة ومقبولة ونموذجية للتعاون الإقليمي العربي، كما انها حلقة مضيئة في المحيط العربي الذي يعج بالكثير من المشاكل والمعوقات بين دُولهِ، ولهذا فإن استمرار التجربة ينطوي في حد ذاته على نجاح لا يمكن إغفاله، خصوصاً مع الحرص على التقييم بطريقة صائبة لما تحقق، فتواتر اللقاءات بهذا الشكل المنتظم أمر مطلوب في حد ذاته لأنه يتيح كل المكاشفات الممكنة من أجل انطلاقة سليمة..