الرحلات من أوسع أبواب المعرفة الإنسانية والاستمتاع بالمشاهدة والتاريخ والطبيعة والآثار والحياة، ولقد فطر الله الإنسان على البحث المستمر عن الحقيقة ومعرفة ما تزخر به الحياة وحب المعرفة والاستطلاع، والرحلات فيها فوائد وتجديد نشاط، ومما يزيد المعارف ويثري الثقافة ولقد استأثر أدب الرحلات باهتمام كثير من طبقات مثقفي العالم قديماً وحديثاً وعني به أعلام بارزون عبر مراحل التاريخ وما زالت الرحلات إلى يومنا هذا مصدراً للتعرف على أحوال الأمم وثقافات الشعوب. إن السياحة فن وثقافة ووعي وسلوك بحيث يتمكن السائح من إثراء فكره وروحه من المعرفة والثقافة وتجارب الأمم وثقافات الشعوب وتاريخها، ولقد قيل:
سح في بلادك إن أردت تعلماً إن السياحة في البلاد تفيد |
ويسرني أن أكتب عن رحلة قمت بها إلى المدينة المنورة حيث فارقنا مطار الملك خالد الدولي على متن إحدى الطائرات السعودية التي كانت تسير بنا بين شعاب نجد وأوديته وجباله وقممه الشامخة ورياضه الجميلة مردداً قول الشاعر أبي الطيب المتنبي:
إذا مضى علم منها بدا علم وإن مضى علم منه بدا علم |
ولكم توحي تلك المناظر بتاريخ عريق وما تزخر به من ذكريات ومجد وخطوب وتاريخ خالد. وخلال رحلة الطيران كنت أتذكر قصائد الشعراء وما قالوه في تلك المرابع التي تمر بها حيث يقول أحد الشعراء:
سقى الله نجدا من ربيع وصيف وماذا ترجى من ربيع سقى نجدا |
وقول الآخر:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجدا على وجد |
وفي أفياء القصيد الوارفة الظلال تذكرت قول القائل:
تمتع من ذرى هضبات نجد فإنك موسك أن لا تراها |
ثم لاحت لنا المدينة المنورة دار الهجرة ومهبط الوحي ومنطلق الرسالة طيبة الطيبة، وكلما زرتها تأسرني مشاعر غامرة من الحب والاحتفاء وهي التي أشرقت بنور الدعوة وازدانت بالمسجد النبوي الذي تهفو إليه قلوب المسلمين هذا المسجد هو المنطلق والشعلة المضينة. وتاريخ المدينة حافل بالأمجاد والفضائل فهي تحتوي على مساجد أثرية وتاريخية وشواهد عظيمة كمسجد قباء ومسجد القبلتين وغيرها، وفي كل مرة أزورها أحرص على زيارة المسجد النبوي الشريف ثم زيارة معالمها ومكتباتها مردداً قول الشاعر:
شوقتنا الآثار للأعيان وأثارت كوامن الأشجان |
وقول الآخر:
أقول لصحبي عند رؤية طيبة قفا بنا من ذكرى حبيب ومنزل |
ووصلنا إلى المدينة المنورة مدينة المصطفى عليه الصلاة والسلام طيبة الطيبة كما يطيب لأهلها مناداتها إذ هم معروفون بالطيبة ويفخرون بذلك وكيف لا وطيبة الطيبة هي راعية الدعوة الإسلامية التي أشرقت بنورها في أرجاء العالم ولقد غمرتنا بأنوارها وضيائها ومسجدها الذي تهفو إليه قلوب المسلمين حيث كان هذا المسجد هو المنطلق والشعلة المضيئة والمنبر الذي علم البشرية الكثير من القيم الكريمة والمثل السامية وتذكرت حسان بن ثابت رضي الله عنه وهو ينشد الشعر ويمدح به النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن زهير وهو يلقي قصيدته ويطرب الأنصار والمهاجرين لأبياته المعروفة لقوله:
من سره كرم الحياة فلا يزل في مقنب من صالح الأنصار الباذلين نفوسهم لنبيهم يوم الهياج وسطوة الجبار يتطهرون كأنه نسك لهم بدماء من علقوا من الكفار |
كما تذكرت كعب بن زهير يأتي إلى الرسول ويقف أمامه ويلقي قصيدته الشهيرة بانت سعاد ويعرف صلى الله عليه وسلم أن هذا كعب بن زهير فيستمع إلى قصيدته ثم يمنحه بردته. وتذكرت الخنساء وهي تقول قصيدة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويستمع إليها ويقول: إيه يا خناس، إلى غير ذلك من مواقف وذكريات تاريخية مجيدة.
|