لا يشك الآن أحد في أن ساعة السلام قد دقت وأن حرب الفيتنام لم يبق منها سوى وقت قصير. اللهم إلا أن تسبب اعتراض فيتنام الجنوبية على مشروع الاتفاق في تجميد فكرة إنهاء الحرب. والسلام الوشيك سلام قائم على تسوية أي بلا غالب ولا مغلوب. 1632 يوماً كل شيء جاهز في باريس بشارع (كليبر) لكي يوقع الطرفان في أية لحظة الاتفاق على وقف النار وعلى إعادة السلام إلى نصابه. فبعد مفاوضات دامت 1632 يوماً سواء رسمية كانت أو سرية، أصبح نص الاتفاق جاهزاً، بل نشر جزء منه وتعيين موعد للتوقيع كان ينبغي أن يتصادف مع 31 أكتوبر - تشرين الأول ولكنه حصل تأخير من جراء موقف الجنرال (تيو) الذي يحاول الأمريكيون إقناعه بضرورة المصادقة على هذا الاتفاق. غير أن السيد كيسنجر مستشار الرئيس نيكسون قال: لن يمنعنا أحد عن الوصول إلى تسوية، وإنما بقيت بعض أمور لا بد من توضيحها. أي أن الأمريكيين يعتبرون أنه لا بد من مفاوضة أخيرة حول بعض التعديلات، في حين أن الفيتنام الشمالي يعتبر أن المفاوضة قد تناولت كل الأمور وليست هناك أية مسألة تحتاج إلى توضيح. فإن السلام بات بمتناول اليد وبمتناول القلم، كما قال الجانب الفيتنامي الشمالي. ومن غرائب حرب الفيتنام أن المعارك دائرة في هذه الأثناء.. ولكنها ليست سوى آخر الاختلاجات كما يتوقع في حرب قد طالت حتى أصبح الناس لا يتذكرون كيف ولا متى ابتدأت! ومتى انتهت فلن يبادر أحد إلى التبويق بالنصر. فإن هذه الحرب كانت من أطول حروب التاريخ وسماها بعضهم (حرب الثلاثين سنة) فضلا عن أنها من أفتك الحروب في العصر الحديث. لا ريب أن جميع الحروب نكيرة غير أن هذه الحرب إنما كانت أنكر من غيرها. وقد حان الوقت لإنهائها، فإن أطفال الفيتنام قد حان أن يتاح لهم أن يرفعوا نظرهم إلى السماء للتمتع بها من غير رعب، كما أنه قد حان لطائفة الشبيبة من ابن ثلاثين فما تحت، أن تتنفس الصعداء! فإن هذا الجيل لم يعرف سوى الحرب. مصاريف الحرب متى صمتت المدافع وَجَبَ الترميم والتعمير والتعويض عن الدمار. ومن المتوقع أن تتكلف الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من مشاريع التعمير في كلا شطري الفيتنام حيث تركت الحرب آثاراً للتخريب رهيبة. لكن التعمير يكلف الأمريكيين أقل مما كلفتهم الحرب. ولا شك أن الإحصائيين سيقدرون ذات يوم مصاريف هذه الحرب الباهظة. فإن المصادر الأمريكية تقول إن الطيران الأمريكي قد ألقى بين سنة 1965م وأوائل سنة 1971م نحو مليون وثلاثمائة ألف طن من القنابل على الفيتنام الشمالي وعلى طريق هوشي منه. أما مصاريف الحرب الجوية على الفيتنام الشمالي في سنة 1965م وسنة 1966م فقط فقد قدروها بمليار وسبعمائة مليون دولار. ولا شك أنه ستنشر وثائق أخرى لتقدير الخسائر الفظيعة الناجمة عن الأسلحة المدمرة وعن تخريب المدن والقرى التي سحق بعضها سحقاً كاملاً. أما ثمن الأرواح البشرية فمن يستطيع تقديرها؟ ومن يستطيع أن يحسب الآلام الناجمة للجرحى والمشوهين؟ وكيف السبيل إلى إحصاء عدد الذين أصابتهم تلك الكريات (الشخصية) المتبعثرة من القنابل وقت انفجارها..؟ ولا بد للمحققين فيما بعد أن يبينوا انعكاسات الحرب على التوازن النفساني لدى السكان ولا سيما الأطفال الذين ظلوا مدة سنين لا يعيشون إلا (بين غارتين). دور فرنسا لا يختلف اثنان من المراقبين ولا من الخصوم المتحاربين أنفسهم، في أن فرنسا قد ساهمت في تقريب موعد السلام. فمنذ سنة 1966م كان الجنرال ديغول قد عرض في خطاب (بنوم بين) الشهير المبادئ العامة في الموقف الفرنسي من مشكلة الفيتنام. وعاد الرئيس بومبيدو فذكر مؤخراً هذه المبادئ، وأضاف أنه قد تعاقبت أحداث كثيرة منذ ذلك الحين، ومنها السيئ ومنها الحسن. ومنها خاصة مؤتمر السلام بباريس. ومما حصل خاصة أن المستشار الأمريكي كيسنجر أخذ ذات يوم يتردد على باريس ويقابل فيها بعض الشخصيات تحت جناح السر. قال الرئيس الفرنسي: يسعني الآن أن أقول لكم إننا ساهمنا وأنا نفسي ساهمت شخصياً في ذلك.. فإن فرنسا تبذل ما في وسعها وتحفظ السر. ونحن نعتبر أن هذا الموقف لا تقتضيه اللياقة فقط بل إنما هو موقف مفيد أيضاً لما يحتل صدر اهتمامنا أي السلام واستقلال بلدان الهند الصينية الأربع. ويلاحظ أن هذا الدور الذي مثلته فرنسا ووصفته الصحف الكبرى بأنه دور الوسيط والكفيل، قد لاقى كل التقدير والشكران. ولا يفسر ذلك إلا بالموقف الفرنسي النزيه غير المنحاز. وساحة اختبارات كانت ساحة القتال في الفيتنام ساحة لاختبار الأسلحة العلمية الحديثة أيضاً. وفيها جرب الأمريكيون طرقاً جديدة للاهتداء إلى مكان سيارات الشحن لدى العدو، حتى وإن كانت بعيدة في قلب غابة. والطريقة قائمة على جهاز يلقط الموجات الكهرطيسية الصادرة عن بعض الأسلاك كالتي تربط موزع البنزين بالسماعات ودلتهم اختباراتهم على أنه يتسنى التمييز بهذه الطريقة بين السيارات السوفيتية والسيارات الفيتنامية الجنوبية. وعلى الإجمال قد اختبر الأمريكيون شتى أنواع أجهزة الاكتشاف. فمنها مثلا أجهزة (تشتم) رائحة الجسد البشرى عندما يعرق وقت العمل الشاق، وأخرى تتحسس بحرارة الجسد. وان الكثيرين من الطيارين الأمريكيين الذين حلقوا في سماء الفيتنام إبان الحرب، لن يعرفوا تلك البلاد ما لم تسقطهم المدافع المضادة للطائرات. وهم لا يعرفون هل أصابوا الهدف أم لا، بعد قيامهم بغارة جوية! فإن كل الحركات منظمة بواسطة العقل الإلكتروني، ولا تعرف نتائج الغارة إلا بعد عرض الأفلام التي تلتقطها آلات الكاميرا وقت الغارة. كما أن أجهزة التخريب التي تنقلها الطائرات إنما تهبط بأسلوب آلي على الهدف المعين لها. وهي أجهزة متنوعة كالقنابل المشحونة بأسهم صغيرة تتطاير بعد انفجار القنبلة في الجو ثم تتهاطل كوابل المطر على رؤوس الناس. فضلا عن قنابل تهتدي إلى هدفها بواسطة أشعة اللازر وبواسطة آلات تصوير تلفزيونية. بديهي أن كل هذا العتاد الحديث يكلف غاليا، فقد حسبوا أن الطائرة المقاتلة ستكلف في سنة 1975 ستة أضعاف ما كانت تكلفة سنة 1960م. أما في الوقت الحاضر فإنهم يقدرون سعر طائرة من قاذفات القنابل بنحو 25 مليون دولار. في حرب الفيتنام عندما يجتمع الجنود الأمريكيون في قاعدة (لون بين) بانتظار رجوعهم إلى وطنهم، فلا يصح القول إنهم يضجرون! فإن القيادة الأمريكية زودت القاعدة بجميع أسباب التسلية والرفاهية، ففيها نحو مائة قاعة لمشاهدة أشرطة تصوير، وفيها عشر بحيرات وأحواض للسباحة، فضلا عن ثلاثين ساحة للرياضة و14 ساحة للعبة التينيس، و60 مقهى أو (بار) ومخازن ودكاكين، وعدة أندية موسيقية يتسنى فيها لكل جندي أن يعزف على آلة الطرب التي يحبها، وقاعات خاصة للعبة البريدج وأخرى للعبة كرة الطاولة أو (البينغ بونغ). زد على ذلك مسرحاً فسيحاً في الهواء الطلق يتسنى فيه للجنود أن يطربوا بسماع نجوم الغناء. وغير بعيد عن هذه (الواحة) تدور معارك فتاكة وتتخللها مشاهد وفواجع تتمزق لها الأحشاء. القوات المقاتلة هذا إحصاء تقديري صادر عن القيادة العسكرية الأمريكية في 15 أكتوبر - تشرين الأول): - قوات الفيتنام الجنوبي: مليون ومائة ألف جندي، ومنهم 300 ألف في الجبهة الأمامية (12 فرقة). - القوات الأمريكية: 40 ألف جندي، ومن بينم 25 ألفاً في سلاح الطيران. - قوات كوريا الجنوبية المحاربة في الفيتنام: 15 ألف جندي (فرقة واحدة). - قوات جبهة التحرير الوطني (فييتكونغ): 150 ألف مقاتل (خمس فرق). - قوات الفيتنام الشمالي: 150 ألف جندي (سبع فرق).
|