Thursday 29th December,200512145العددالخميس 27 ,ذو القعدة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

سؤال الإصلاح ؟سؤال الإصلاح ؟
د. فوزية عبدالله أبوخالد

تذكير:
استهل مقال هذا الأسبوع بالسؤال الذي كنت قد ختمت به مقال الخميس الماضي مع وعد بالعودة إليه اليوم في محاولة للبحث في إيجاد إجابة له.
وقد كان السؤال المطروح، وذلك من باب تذكير القارئ المتابع وإشراك قارئ جديد ربما لم يطلع على السؤال في سياقه السابق، هو ما الذي يجعل مجتمعاً بشرائحة المثقّفة يلجأ لقراءة بعض النشاطات المنبرية ذات الصبغة الثقافية الاجتماعية بكلِّ ذلك التوجُّس معها أو ضدّها مع أنّه قد يوجد ويدور مثلها وأكثر في الجامعات والمنتديات والمنابر بشكل عادي في الكثير من المجتمعات الأخرى كما فصلت في المقال المشار إليه بإفاضة، وبإعطاء بعض الأمثلة دون أن تخلق في تلك المجتمعات مواقف تشبه مواقفنا مما استعرضت أربعة منها مبينة تأرجح بعضها بين (التكذيب والتصديق)، بأنّ مثل هذه اللقاءات والحوارات والمنتديات والنشاطات حقيقة صارت تدور ويسمح لها أن تدور على أرضنا؟ وكذلك السؤال في جدواها. وقد جاء ذلك السؤال في سياق ما شهدته أبها والرياض وربما سواهما من بقاع هذه الأرض المباركة من نشاطات منبرية في قضايا ثقافية واجتماعية وسياسية متعدِّدة، وكان منها على سبيل المثال لقاء الحوار الوطني حول أطروحة نحن والآخر, ولقاء المكتب الإقليمي العربي للأمم المتحدة حول أحوال المرأة وطروحات تمكينها في الألفية الميلادية الثالثة، وأيضاً ندوة (الشورى والديموقراطية) التي أقامها مركز الملك فيصل بالشراكة مع مركز الإسلام والديموقراطية في واشنطن. كما أنني في إطار مناقشة تلك المواقف تساءلت عن سبب التوجُّس في مواقفنا من ظاهرة النشاطات المنبرية السجالية والحوارية بقول, هل هو الحرمان الطويل من الحريات، هل هو عدم التفريق بين الحديث عن الإصلاح وبين استحقاقات الإصلاح وأُطره وشروطه والجهود المطلوبة من أجله ومن أجل معاضدة الدولة في تحقيقه بأكثر من جهد الكلام. هل هو الخلط بين الإصلاح الاجتماعي والثقافي وبين الإصلاح السياسي والتداخلات بينهم؟ أو هل تكون ثقافة الخيبات التي تجعلنا نحسب الحبل ثعباناً وثقافة التضخيم التي تجعل من الخشبة حصاناً؟
استئناف:
من حسن الحظ أنّ استئنافي للطرح لن يستند على قراءتي وحدي لتلك الأسئلة وخلفيّتها الاجتماعية السياسية، بل سيكون بمشاركة جمعية إلى حد - ما - بما يعطي تعدُّداً في القراءات والتوقُّعات. فقد فاجأني بريدي الإلكتروني الذي كنت قد نسيت تسجيله في نهاية ذلك المقال خلافاً لعادتي الأسبوعية، وكذلك فاجأتني بعض الشفرات المختزلة لعدد من رسائل «s m s » بالكثير من التعليقات الذكية، مما كان بعضه ذا خاصِّية لاذعة، وبعضه كان يكشف عن محاولات جادّة لمحاولة الفهم لتقديم قراءة موضوعية لسؤال الإصلاح في علاقته بكثافة وتعدُّد النشاطات المنبرية من ناحية، وفي علاقته بمطلب الإصلاح نفسه وجوانبه الاجتماعية والسياسية والثقافية، وبسؤال هل نحن جادُّون حقاً في تحقيق مطلب الإصلاح بمن ولمن ومتى. هذا بالإضافة إلى سؤال مفصلي أخير علينا جميعاً واجب التفكير فيه هو سؤال أيّ إصلاح نريد وما هو مداه الزمني.
وكمدخل لتناول هذه الأسئلة أبدأ بترتيب بعض ما وصلني من آراء في الموضوع عبر تلك الوسائط الإلكترونية التي ذكرت ومنها:
- (أخشى ما أخشاه أن تقوم النشاطات المنبرية الثقافي منها والاجتماعي، وتلك التي يطرح بعضها السؤال السياسي على استحياء, باختطاف فكرة الإصلاح. فيصير الإصلاح قولاً وشعارات بديلاً للإصلاح عملاً. فيما نحن أحوج ما نكون للإصلاح عملاً لا قولاً ونشاطات منبرية وحسب. إذ لو كان الإصلاح قولاً كافياً لوحده لما كان حال المجتمع العربي على ما هو عليه، ولوجدنا أنّ حال الكثير من البلدان العربية التي رفعت دولها ونخب الدولة فيها شعارات الإصلاح ردحاً من الزمن في الستينات والسبعينات والثمانيات الميلادية أحسن حالاً سياسية واجتماعية، وشعوبها أكثر رفاهاً ومشاركة من الدول الاسكندنافية إنْ لم تكن أحسن حالاً من جمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة).
- (آفة الإفراط الشديد في التفاؤل (يا بنتي) بدون وجود أسس موضوعية له أنّ نهايته قد تكون (كجلمود صخر حطَّ من عل)، ولا أراك إلاّ مفرطة في التفاؤل بتلك النشاطات المنبرية التي تشتد ردحاً من الزمن ولا نلبث بعدها أن ندخل في سبات صمت طويل وإلاّ أين هذه النشاطات المنبرية من الشباب من طلاب وطالبات المعاهد والكليات والجامعات بل ومن الشباب العاطل (المتسدح في الاستراحات).
إنّ المشاركين فيها عدد قليل من فئات المجتمع وهم كما قال مذيع من مذيعي قناة الإخبارية بالحرف الواحد في تقديمه برنامجاً حوارياً (هم نخبة النخبة وصفوة الصفوة). - (يا سيدتي تراه أي خطاب من خطابات الإصلاح يطرح في مثل هذه الأنشطة أتحدى أن يكون بإمكانك أو أي أحد آخر أن يحدد بوصلة خطاب الإصلاح المنشود أو الموجود إن وجد. فمن تلك التي لا تريد أكثر من تمكين المرأة من بضع مراكز قيادية ومن ذلك الذي لا يريد أكثر تفعيل دور المثقف في بعض الهيئات الاجتماعية والمحافل الدولية إلى أولئك الذين لا يطرحون أبعد من الاعتراف بوجود تلك أو هذه من التنوعات الاجتماعية. ويعنون الاعتراف بهم دون سواهم. وعلى أهمية بعض من مثل هذه الطروحات فإنّها لا تكشف عن رؤية واضحة لأطروحة مطلب الإصلاح في بُعده الجمعي والمجتمعي التعدُّدي وفي علاقة الشراكة والمشاركة بين المجتمع والدولة. إنّ خطاب الإصلاح المطروح يراوح بين إجراءات تجميلية هنا وهناك. وهو إصلاح لا تتضح معالمه أو بالأحرى ملامحه فيما تطرحه شرائح نحيلة من (النخبة) وبعضها، ولا أقول كلّها، تنتمي عمرياً وربما فكرياً إمّا إلى حقبة الحرب الباردة وخطاباتها الحالمة في عالمنا العربي أو إلى حقبة (الهزيمة العسكرية السوفياتية في أفغانستان) وخطاباتها المتحمّسة في العالم الإسلامي).
وتتواصل الإيميلات:
- (اسمحي لي أن أختلف مع والدك رحمه الله حين قال عن النشاطات المنبرية الثقافية والاجتماعية هي (حسي في حسي) إذ إنّ الأمر كما أشار هو (أنّ الحقوق بحاجة إلى حلوق). وأرى أنّ الدولة أعزها الله بما أصبحت تسمح به من الحوار والسجال والنقاشات قد تبنَّت أخيراً الاختيار الصحيح الذي يمكن أن يبلور الآراء ويعلم الخبرات في التوصُّل إلى صيغ إصلاحية يرتضيها المجتمع بكافة فئاته، ويشارك فيها ويدعم بها لحمة الوحدة الوطنية).
هذا بعض ما وصلني خلال الأسبوع المنصرم من تعليقات على مقال الخميس الماضي. وهو كما ألمحت أعلاه يشكِّل مشاركة طوعية جادّة في محاول طرح وبلورة بعض أسئلة مما أوردناه، ومما لم يخطر لنا في المقال السابق، وكذلك يسهم في البحث عن أجوبة لتلك الأسئلة المتعلّقة بالإصلاح. وهذا ما يقصر دوري على تقديم استخلاص مختصر لبعض ما نريده من الإصلاح بما أصيغه في النقاط التالية:
1- إنّ الإصلاح والحمد لله الذي أقرّته القيادة السعودية بمبادرة منها وبمطلب من عدد من القوى الاجتماعية يُعَدُّ نقلة نوعية ومنهجية في أسلوب الحكم بتعبير تركي الحمد في مقال له بعنوان (أن تبدأ العجلة بالدوران) قد بدأ ت أول خطوطه وخطواته. ولا يمكن كما قال محسن العواجي في أحد مداخلاته أن يصب في طاحونة البلاد.
2- إنّ الإصلاح المنشود ليس إصلاحاً سياسياً وحسب، بل هو إصلاح اقتصادي واجتماعي وثقافي. ولا يمكن الحديث عن والعمل على إحداث إصلاح في جانب من هذه الجوانب وإهمال الجوانب الأخرى. فبقدر الحاجة إلى المشاركة السياسية هناك حاجة للتوزيع العادل للدخل والخدمات خاصة في مجال الصحة والتعليم لتصل إلى كافة قطاعات المجتمع ومناطقه. وهي بمثل الحاجة إلى بناء قاعدة اقتصاد وطني لا تكون تحت رحمة التذبذب في أسعار النفط بالسوف العالمي.
وكذلك بقدر الحاجة إلى محاربة الفقر والبطالة هناك الحاجة لمحاربة كافة أشكال الفساد والمحسوبيات والوساطة التي تختطف الفرص والحقوق من مستحقيها وتعطيها لمن يملك مؤهّلاتها في أي من شبكات العلاقات الاجتماعية النافذة كالقبلية والقرابية والتبادل المصلحي أو سواها.
3- لا بد من الشراكة بين الدولة والمجتمع في وضع خطة استراتجية للإصلاح بمدى زمني محدّد قريب ومتوسط وبعيد ووضع جدول بالأوليات فيه وعدم ترك الأمر للصدفة أو للظروف أو للحظة اشتداد الأزمات. فما لا نستطيع تحقيقه في أوقات الرخاء لن نستطيع بفانوس علاء الدين أو بخاتم سليمان تحقيقه وقت الشدّة وعند ادلهمام الأزمات. فالدول والمجتمعات لا تستطيع أن تذود عن نفسها بمجتمعات مهمّشة لا تعرف من شئون الاقتصاد والسياسة والاجتماع إلاّ انتظار العطايا والهبات وتقنص فرص ارتفاع أو انخفاض بورصة الأسهم.
4- الشباب والله .. الله على الشباب فأيّ إصلاح سياسي وسواه لا بد أن يأتي بمشاركة الشابات والشباب من حيث الرأي والرؤية ومن حيث الانخراط فيه. ومن حيث ماذا يريدون لحاضرنا ومستقبل أيامهم. فهم الأكثر استعداداً لطرح وتبنِّي تلك الرؤى الجديدة التي تتناسب مع متطلَّبات العصر والعمل على إنجاحه. وأقصد بالشباب في جميع مواقعه من شباب الأُسرة الحاكمة إلى شباب جميع الفئات الاجتماعية الأخرى وفي كلِّ مناطق المملكة.
5- الآليات لا أظن أنّه يمكن الحديث عن وضع استراتجية واضحة للإصلاح وبجدول زمني محدّد ومستدام في نفس الوقت، فيما نحن نستخدم نفس الآليات القديمة للعمل التي تغلب عليها دالة العلاقات الاجتماعية التقليدية. وهنا يكون مطلب بلورة مؤسسات المجتمع المدني وخلق آليات عمل قادرة فعلاً على تحمُّل أعباء الإصلاح وتوسيع نطاق المشاركة فيه والمسؤولية عنه، وكذلك بلورة آليات المراقبة والمحاسبة والشفافية والعمل الوطني في العلن.
6- التدوين والتقنين الذي يكفل مرجعيات شرعية وقانونية لهذا العمل الإصلاحي وللمنخرطين فيه من أعلى قمة الدولة إلى أسفل قاعدة المجتمع. وهنا لا بد أن أكتفي بما تقدّم على اختصاره وعدم كفايته حتى لا يضيق بي صدر رئيس التحرير الذي أشهد له بالأريحيّة وسعة الصدر عدّة أشهر هذا العام وهذا ليس إلاّ قليل من وعيه ببركات سقف الحرية الذي صار متاحاً بعد أن أخذت مبادرة خادم الحرمين الشريفين تأتي أُكلها بتدشين عهد جاد من الإصلاح بما يدعم حرية التعبير والتشارك العلني في حب الوطن.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.

Fowziyaat@maktoob. com

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved