Thursday 29th December,200512145العددالخميس 27 ,ذو القعدة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

العولمة السياسية: نظرة تاريخيةالعولمة السياسية: نظرة تاريخية
عبد العزيز الصقيري *

تطرح وسائل الإعلام ومراكز البحوث الغربية بعض المصطلحات من وقت لآخر، فتنشر شرقاً وغرباً وترددها وسائل الإعلام الأخرى حتى لو لم تكن مفهومة المعنى وواضحة المعالم، ومن أحدث ما أنتجه الغرب في السنوات القليلة الماضية مصطلح النظام العالمي الجديد new world order ثم أتبعه مصطلح Globulization الذي اختلف العرب في ترجمته بقدر ما اختلفوا في فهمه، فقد اقترح مقابلاً له بالعربية العولمة والكوكبة والكونية والشوملة أو الشمولية. وقد فرض الاستعمال كلمة العولمة دون بقية المترادفات الأخرى لعلاقتها الظاهرة بكلمة العالم الواردة في النظام العالمي الجديد.
ويجد الباحث عن العولمة كثيراً من التهويل في الكتابة عنها، فيتم تصويرها على أنها قدر نافذ، وانه لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها، وان علينا اللحاق بقطارها وإلا خرجنا عن نطاق التاريخ، لذلك من أول واجبات الباحث وعي تلك التهويلات وفرزها وأبعادها عن جوهر الموضوع، ومن نافلة القول التأكيد بأن العولمة ككل ظاهرة اجتماعية حياتية لا بد أن تكون متصلة بما قبلها وجسراً لما بعدها، ولا يمكن أن تكون منقطعة الجذور عما قبلها وعما بعدها، وفي الغالب فيها أمور نافعة وأخرى ضارة، هذا ما يمكن أن يضعه الباحث في اعتباره عند البحث عن أي ظاهرة اجتماعية حياتية كونية وهذا ما سنجد تأكيده عند تفصيلنا الحديث عن ظاهرة العولمة وفي حديثنا عن العولمة السياسية كأحد مجالات العولمة لا بد من التطرق إلى مفهوم العولمة وتعريفها وإيضاح مجالاتها ونتطرق إلى ارتباطها بالنظام العالمي الجديد وعناصرها الرئيسة.. فما هي العولمة..؟
تعريف العولمة:
العولمة في اللغة، مأخوذة من التعولم والعالمية والعالم، وتعني تقييم الشيء وتوسيع دائرته ودائرة تأثيره.
وفي الاصطلاح: اصطباغ عالم الأرض بصبغة واحدة شاملة بجميع أقوامها وكل من يعيش فيها وتوحيد أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات والجنسيات والأعراق.
واختلفت الآراء حول مفهوم العولمة كما اختلفت حول مفهوم النظام العالمي الجديد ليس في العالم العربي فحسب، بل حتى في المجتمعات الغربية الذي أنتجته (ومعظم التعاريف التي قدمت للعولمة يغلب عليها الطابع الاقتصادي وذلك لان مفهوم العولمة من نتاج الرأسمالية وآثارها أوضح ما تكون في مجال الاقتصاد، هذا بالإضافة إلى أهمية الاقتصاد وخطورة الدور المناط به ولأنه الهم الأكبر للحضارة الغربية الصانعة لمصطلح العولمة، ومن هذا المنطلق يمكن تعريف العولمة: (إنها حركة تستهدف تحطيم الحدود الجغرافية والجمركية وتسهل نقل الرأسمالية عبر العالم كله كسوق كونية) (1).
ويعرفها صندوق النقد الدولي أحد المؤسسات الدولية التي تتبنى العولمة بأنها (التعاون الاقتصادي المتنامي لمجموع دول العالم الذي يحتمه ازدياد حجم التعامل بالسلع والخدمات وتنوعها عبر الحدود إضافة إلى تدفق رؤوس الأموال الدولية والانتشار المتسارع للتقنية في أرجاء العالم كله) (2).
وفي محاولة لتحديد مكونات تعريف العولمة يقول الأستاذ السيد ياسين: إن تعريف العولمة لا بد وأن يشتمل على ثلاث عمليات تتعلق بانتشار المعلومات وتذويب الحدود وزيادة معادلة التشابه بين الجماعات والمؤسسات والمجتمعات، وبهذا يصبح جوهر عملية العولمة (سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على نطاق كوني) (3).
ويلاحظ أن هذا التعريف أعطى العولمة صفة الشمول ولم يقصرها على الجانب السياسي، فيقول: (هي حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة المركز وتحت سيطرتها) (4).
أما الدكتور محمد عابد الجابري يؤكد أن العولمة (ليست مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي، بل أيضاً وبالدرجة الأولى أيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم) (5).
أما الدكتور عبد الله التركي يعرف العولمة على أنها (حركة تهدف إلى تعميم تطبيق أمر ما على العالم كله) (6).
ويعرفها الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي بقوله: (العولمة في حقيقتها وأهدافها وطرائقها اليوم إنما هي الاستعمار بلون جديد، وباسم جديد وهي بعبارة صريحة أمركة العالم) (7).
أما الدكتور صبري إسماعيل، فيرى (أن العولمة ظاهرة تتداخل فيها أمور الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع والسلوك يكون الانتماء فيها للعالم كله عبر الحدود السياسية الدولية وتحدث فيها تحولات على مختلف الأصعدة تؤثر على حياة الإنسان في كوكب الأرض أينما كان) (8).
ومن خلال التعريفات التي تعرضنا لها يتضح أن العولمة واقع يثمر بتزايد الارتباط والاعتماد المتبادل بين المجتمعات البشرية في المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية والإعلامية وغيرها من المجالات، ساهمت في ترسيخها كتوجه عالمي ثورة التكنولوجيا في مجال المعلومات والتواصل التي منحت البشرية فرصاً وفوائد كبيرة، في نفس الوقت تتضمن أخطاراً لا يستهان بها، وان تعاريف العولمة لتكاد تنتهي (وهي مختلفة باختلاف اهتمام الباحث ونظرته إلى الحضارة الغربية ومجريات الأمور في الواقع) (9).
تفسير مفهوم العولمة
يستخدم مفهوم العولمة لوصف كل العمليات التي تكتسب العلاقات الاجتماعية نوعاً من عدم الفصل (سقوط الحدود) وتلاشي المسافة إذ تجري الحياة في العالم كمكان واحد - قرية واحدة صغيرة - ومن ثم فالعلاقات الاجتماعية التي لا تحصى عدداً أصبحت أكثر اتصالاً وأكثر تنظيماً على أساس تزايد سرعة ومعدل تفاعل البشر وتأثرهم ببعضهم البعض، ويرتكز مفهوم العولمة على التقدم الهائل في المعلوماتية بالإضافة إلى الروابط المتزايدة على الأصعدة كافة في الساحة الدولية المعاصرة، وبناء على ذلك فالمفهوم يحتوي على مساحة من التناقض بين وجهة النظر الليبرالية الداعية للاحتفال بالاعتماد المتبادل بين الدول مقابل وجهة النظر الراديكالية التي ترى في ذلك المزيد من السيطرة العالمية للرأسمالية والنظام المرتكز على حرية السوق، وتاريخياً، فإن (مفهوم العولمة لا يتجزأ التطور العام للنظام الرأسمالي، إذ تعد العولمة حلقة من حلقات تطوره التي بدأت بظهور الدولة القومية في القرن الثامن عشر وهيمنة القوى الأوربية على أنحاء كثيرة من العالم مع المد الاستعماري) (10).
ومن هذا المنطلق يصنف الباحثون مفهوم العولمة إلى أربعة أصناف:
1- اعتبار العولمة مرحلة تاريخية: وبهذه النظرة العولمة مرحلة محددة من التاريخ أكثر منها ظاهرة اجتماعية أو إطاراً نظرياً، ويحدد أصحاب هذا الرأي بداية هذه المرحلة بسياسة ما عرف بالوفاق التي سادت في الستينيات الميلادية بين أمريكيا وروسيا، وبالتالي فالعولمة هي المرحلة التي تلت الحرب الباردة وحلت محلها.
2- اعتبار العولمة مجموعة ظواهر اقتصادية: وهذا المفهوم يركز على وظيفة الدولة باعتبارها سلسلة من الظواهر الاقتصادية التي تتضمن تحرير الأسواق وخصخصة الأصول وانسحاب الدولة عن بعض وظائفها ونشر التكنولوجيا وتوزيع الإنتاج المصنع عبر القارات من خلال الاستثمار الأجنبي والتكامل بين الأسواق الرأسمالية.
3- اعتبار العولمة هيمنة للقيم الأمريكية: فاعتبر سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار الكتلة الشيوعية انتصاراً حاسماً للرأسمالية ودليلاً على تفوق التكنولوجيا الأمريكية والمؤسسات المنبثقة منها، فالعولمة تعبر عن انتصار ظواهر التحديث في الفكر السياسي الأمريكي ونوع من الهيمنة الأمريكية وتسميتها أحياناً بالأمركة.
4- اعتبار العولمة ثورة تكنولوجية واجتماعية: وهذا المفهوم يرى أن العولمة شكل جديد من أشكال النشاط الذي انتقل من الرأسمالية الصناعية إلى ما بعدها من علاقات، ويتجاوز ذلك العملية الكبرى المتعلقة بإحياء المجتمع المدني في كثير من الدول وفي قيامة بأدوار مهمة في التنمية.
نظرة تاريخية للعولمة
يتساءل الدكتور مانع الجهني في بحثه المقدم للاجتماع الثاني للجنة الخبراء في منظمة المؤتمر الإسلامي (المنعقد في مالي للفترة 14- 15 شعبان 1419هـ)، هل العولمة ظاهرة جديدة أم قديمة..؟
ويؤكد أن العولمة ككلمة مصطلح جديد، أما بمفهومها قديم جداً على الأقل في مفهومها المتعلق بالسيطرة وبسط النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي والحضاري، ويقول: (لقد سجل التاريخ مساعي الإمبراطورية الرومانية للسيطرة على العالم، كما سجل ما قامت به الإمبراطورية البريطانية عند كانت لا تغيب عن أملاكها الشمس وكانت كل واحدة من تلك الإمبراطوريتين تحاول أن تنشر ما سمته السلام الروماني والسلام البريطاني من خلال الوسائل كافة حتى التي تتعارض مع السلام نفسه) (11).
ويؤكد أن الرغبة نفسها وجدت لدى روسيا والولايات المتحدة، فقد أخذت كل منهما تسعى جاهدة للسيطرة على العالم وفرض أنماط حياتها على الشعوب، وقد وجد فعلاً من الفلاسفة والمفكرين في العصر الحديث من وضع أسس تشجيعية للتوسع الأمريكي بل إن عدداً من رؤساء الولايات المتحدة كانوا يحلمون بتوسيع نطاق الحضارة الأمريكية لغرض هيمنتها، وبالتالي فإن فرض الهيمنة عن طريق العولمة هي منسجمة تماماً مع تطلعات الحضارة الغربية بصفة عامه ومع تطلعات وآمال أمريكا بصفة خاصة، كما أرجع بعض المؤرخين (العولمة إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر بينما أرجعها جلال أمين إلى ما قبل خمسة قرون خلت مع بداية الدولة القومية) (12).
والعولمة التي نعيشها اليوم (أصبحت هي النظام الدولي المسيطر في نهاية القرن العشرين، وحلت محل نظام الحرب الباردة، وهي الآن تشكل السياسات الداخلية والعلاقات الدولية للجميع، هذا ما ذهب إليه فريدمان، طبعاً، وفق النموذج الأمريكي والأهداف الأمريكية) (13).
عناصر العولمة
1- تعميم الرأسمالية
إن تغلب الرأسمالية على الشيوعية جعلها تعمم مبادئها على كل المجتمعات الأخرى، فأصبحت قيم الوحدة والتجارة الحرة والانفتاح الاقتصادي والتبادل التجاري واتصال السلع ورؤوس الأموال وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات هي القيم الرائجة، وتقود ذلك أمريكا وتفرضها عن طريق مؤسسات البنك الدولي ومؤسسة النقد الدولي وغيرها من المؤسسات العالمية التابعة للأمم المتحدة وعن طريق الاتفاقيات العالمية التي تقرها تلك المؤسسات كاتفاقية الجات وغيرها.
2- القطب الواحد
تفردت أمريكا بقيادة العالم منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكيك منظومته الدولية.. ومن الجدير بالذكر انه لم تبلغ إمبراطورية في التاريخ بقوة أمريكا العسكرية والاقتصادية، مما جعل هذا التفرد خطيراً على الآخرين في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
3- ثورة المعلومات
مرت البشرية بثورات علمية عدة منها ثورة البخار والكهرباء والذرة وكان آخرها الثورة العلمية والتكنولوجية الخاصة بالتطورات المذهلة في عالم الكمبيوتر، أما المجال الآخر في هذه الثورة فهو التطورات المثيرة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي تتيح للأفراد والدول والمجتمعات للارتباط بعدد لا يحصى من الوسائل التي تراوح بين الكابلات الضوئية والمحطات الفضائية والإذاعية التي تبث برامجها المختلفة في جميع أرجاء المعمورة.
بالإضافة إلى أجهزة الكمبيوتر والبريد الإلكتروني وشبكات الإنترنت التي تربط العالم بتكاليف أقل وبوضوح أكثر على مدار الساعة.
ولقد تحولت هذه التكنولوجيا إلى أهم مصدر من مصادر الثروة أو قوة من القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية الكاسحة في عالم اليوم.
العولمة السياسية
على الرغم من أن العولمة اظهر ما تكون في المجال الاقتصادي فإنها أخذت تتسع في تطبيقاتها حتى شملت مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية وغيرها، ولعنا لسنا بحاجة إلى إلقاء المزيد من الضوء على مجالات العولمة المتعددة عند الحديث عن مجالها السياسي، فلقد أوردنا سابقاً تعريفات العولمة المختلفة بجميع أبعادها ومجالاتها وأوضحنا أن البعد الاقتصادي هو الغالب على مفهومها لأنها إحدى منتجات الحضارة الرأسمالية، ولأن آثارها الاقتصادية ضخمة جداً وواضحة للعيان.
فلقد سعت الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض النموذج الغربي في الحكم الذي يتمثل في الديمقراطية، وتحاول أن تعد الديمقراطية شرطاً في التعامل مع الدول الأخرى، والديمقراطية الغربية تعتمد على التعددية وحرية الرأي والتعبير من خلال القنوات التي اعتمدتها الديمقراطية من انتخابات وغيرها.
(وعدت الدول الغربية أن عدم تطبيق الديمقراطية ينتج عنه الاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان وضياع حقوق الأقليات وغير ذلك من السلبيات والديمقراطية، كما يطبقها الغرب لها بعض الجوانب الإيجابية ولكنها ليست خالية من السلبيات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الغرب في تطبيقه للديمقراطية ولحقوق الإنسان يكيل بمكيالين ويتبع فهمين مختلفين حسب مصالحه وأهواء صانعي القرار في دوله) (14).
وفي المجتمعات الغربية تعد سلبيات الديمقراطية هي بفوز غالباً في الانتخابات من يستطيع أن يصرف أكثر في حملته الانتخابية ويعطي وعوداً براقة سرعان ما يتخلى عنها بعد فوزه.
النظام العالمي الجديد
النظام العالمي الجديد مصطلح استخدمه الرئيس السابق جورج بوش الأب في خطاب وجهه إلى الأمة الأمريكية بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج، وفي معرض هويته عن هذا النظام تحدث عن فكرة عصر جديد - وحقبة جديدة - وزمن للسلم لكل الشعوب.
وكشف الرئيس مقصده ومفهومه لهذا النظام في خطابات عديدة بقوله: (إن النظام العالمي الجديد لا يعني تنازلاً عن سيادتنا الوطنية أو تخلينا عن مصالحنا.. إنه ينم عن مسؤولية أملتها علينا نجاحاتنا) (15).
وفي مناسبات أخرى تحدث قائلاً: (لقد أنقذنا أوربا وتغلبنا على الشلل ووصلنا القمر وأضأنا العالم بثقافتنا والآن ونحن على مشارف قرن جديد نسأل لمن سينسب هذا العصر..؟ إنني أؤكد أنه سيكون عصراً أمريكياً آخر) (16).
ويحدد الدكتور حسين عبد الهادي بدقة بداية هذا النظام بقوله: (إذا أردنا الدقة فإن النظام الدولي الجديد بدا جنينه في عام 1985م بعد وصول غورباتشوف إلى قمة الحكم في الاتحاد السوفيتي وبيانه للناس نظريته في الاقتصاد والسياسة) (17).
ويقول بصراحة انه لا يمكن التسليم أو القبول بنزعات الولايات المتحدة الأمريكية ودعواها المهيمنة على العالم وانه لا يعجبني بعض الساسة والحياة الأمريكيتين) (18).
(إن ما طرحه الرئيس الأمريكي ومنظور الفلسفة الليبرالية من عرض جديد لفلسفتهم وهيمنتهم، فمن الظلم أن يستحق هذا اللقب ولذلك على البشرية أن تقف صفاً واحداً لمواجهة الرأسمالية المتوحشة التي ستقود العالم إلى الخراب والدمار) (19).
فالولايات المتحدة تبذل قصارى جهدها في الاستمرار على إنشاء نظام عالمي قائم على مبادئها وقيمها وحدها تقريباً لن تنجح، فمهما تعاظمت قوتها ليست ثمة بلداً قادراً على فرض إرادته على سائر الشعوب، فهناك فجوة آخذة بالاتساع في سياسة أمريكا، ومن يتأمل في النظام الدولي قديماً وحديثاً يجد المبدأ الذي أنشئ على أساسه هذا النظام يتلخص في القوى المنتصرة في الحرب هي التي تتحكم في السلم وهي التي تهيمن على المنظمة الدولية التي أنشئت للمحافظة على السلم، أي ان النظام الدولي ما زال من صنع المنتصرين في الحرب.
والنظام الدولي الجديد حسب إعلان بوش يمثل الإطار السياسي للعولمة، لذا فهو صياغة أمريكية بالدرجة الأولى أو هو باختصار العالم كما تريد أمريكا على التفرد بالزعامة والقيادة والهيمنة.
موقف الإسلام من العولمة
الإسلام منهج عالمي جاء لهداية البشرية في كل مجالات الحياة، وهو رسالة شاملة وعملية تراعي الظروف الإنسانية والظروف الموجودة بين الشعوب دون إلغاء للعالم من عاداتها وأفكارها بل تطويره والارتقاء إلى المستوى السامي الذي جاء الإسلام ليرفع البشرية إليه، ولو كانت العولمة حسب دعواها الظاهرية وأنها تسعى إلى تقارب الشعوب على أساس التعاون والسلام وإقامة العدل والدفاع عن حقوق الإنسان وحرية العبادة والتعبير وغيرها من المقاصد الحسنة التي جاء بها الإسلام وتدعو إليه الفطرة السليمة لما كان هناك اختلاف من العولمة والإسلام. إذ إن الإسلام هو الرسالة السماوية الخاتمة إلى الناس جميعاً، إن الإسلام يدعو العالم إلى أن يكون أسرة واحدة تتبادل المنافع فيما بينها {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، ولو كانت العولمة كذلك فإنها لا تتعارض مع الإسلام، والإسلام لكونه الرسالة الخاتمة ولكونه موجهاً للناس جميعاً يدعو إلى العالمية من خلال الإيمان بالله الواحد واعتبار البشرية أسرة واحدة خلقها الله لغرض العبادة.
أما العولمة بعضها معنى القولبة ووضع الناس في نموذج واحد واختصارهم على منهج واحد. أما الإسلام فراعى الفروق الفردية الموجودة بين البشر وعاملهم على هذا الأساس.
والخوف من العولمة ليس مقصوراً على المسلمين، وإنما يشمل كثيراً من الدول بما فيها بعض الدول الغربية المشاركة في صناعة العولمة.
ويتأكد خوف المسلمين من العولمة إذا تذكرنا أن الإسلام أصبح هدفاً للهجمات الغربية وحقلاً خصباً لتشويه وسائل الإعلام العالمية التي ربطت بالمسلمين والإسلام كل نقيصة مثل العنف والإرهاب والأصولية بمناسبة وغير مناسبة، وذلك فإن الموقف الإسلامي من العولمة ينبغي أن يتم بالحذر والتعامل مع معطياتها بوعي وبصيرة.
وعلى ذلك (فإننا لو أخذنا العولمة بأحسن معانيها سنكتشف أنها تتعارض مع مفاهيم إسلامية عديدة) (20).
(فالعولمة بمظاهرها المتعددة تشكل تحدياً للعالم الإسلامي في الوقت الحاضر وتنطوي على كثير من المخاطر التي تحتم التعامل معها بحذر والاستعداد لما قد ينتج عنها من آثار) (21).
ونظراً لاعتبارات عديدة يجب الانتقاء وأخذ الإيجابيات وترك السلبيات، إذ إن المسلم مطالب بالبحث عن المفيد النافع، وسياسة الانتقاء هذه يمكن أن تنتج على المستوى الفردي وكذلك مستوى الأمة.
فعلى مستوى الأمة (فخير حماية لها هو السعي الحثيث الجاد لكي تتعامل الدول الإسلامية في احتياجاتها البشرية والمادية بحيث لا تحتاج إلى غيرها إلا في المجالات الضرورية جداً ولا بد للعالم الإسلامي من موقف تكاملي ومنهج واعٍ في اختيار الحسنات ورفض السيئات وتقديم البديل الإسلامي الكامل الجدير بإنقاذ البشرية وأخذها للعالمية الربانية وإنقاذها من العولمة المادية من خلال نموذج يلفت الأنظار وجدير بالتطبيق والتنفيذ لتحقيق مصلحة الإنسان وربطه بخالق الكون) (22).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،،،،،
الهوامش:
1- د. مانع بن حماد الجهني - العولمة وأثرها على العالم الإسلامي - بحث مقدم للاجتماع الثاني للجنة الخبراء المنعقد في مالي للفترة (14-15-1419هـ).
2- المرجع السابق.
3- السيد ياسين - في مفهوم العولمة - المستقبل العربي - العدد 228.
4- مجموعة مؤلفين - العرب والعولمة - بيروت - مركز دراسات الوحدة العربية 1988م. 5- عمرو عبدالكريم - العولمة عالم ثالث على أبواب قرن جديد.
6- د. مانع الجهني - مرجع سابق.
7- الشيخ يوسف القرضاوي - المسلمون والعولمة.
8- د. حسن عبدالهادي - العولمة النيوليبرالية وخيارات المستقبل - مركز الراية للتنمية الفكرية.
9- د. مانع الجهني - مرجع سابق.
10- عمرو عبدالكريم - مرجع سابق.
11- د. حسين عبدالهادي - مرجع سابق.
12- عمرو عبدالكريم - مرجع سابق.
13- د. حسين عبدالهادي - مرجع سابق.
14- د. مانع الجهني - مرجع سابق.
15- د. شفيق المصري - النظام العالمي الجديد ملامح ومخاطر.
16- المرجع السابق.
17- د. حسين عبدالهادي - مرجع سابق.
18- المرجع السابق.
19- المرجع السابق.
20- د. مانع الجهني - مرجع سابق.
21- المرجع السابق.
22- المرجع السابق.

* كاتب سعودي

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved