Thursday 29th December,200512145العددالخميس 27 ,ذو القعدة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "منوعـات"

نوافذنوافذ
روزا باركس.. والحوار الوطني
أميمة الخميس

ونحن نستقل الطائرة للذهاب إلى أبها للمشاركة في الحوار الوطني الخامس، جاء مقعد إحدى المشاركات بجانب أحد الرجال المتحاورين أيضاً بحسب الأرقام التي فوق التذاكر، فتأدباً منها ومراعاة لهيئته التي تشير إلى الورع والتقوى، استأذنته في السماح بالجلوس على المقعد الذي يجاوره، فما كان منه إلا أن أجابها (بلا....) قاسية نافرة وأشاح بوجهه عنها باتجاه النافذة، لاحظوا هنا أن الجميع كان ذاهباً ليتحاور......
فعلى أبسط الاحتمالات كان من الممكن أن يطلب منها بلطف أن تستعين بطاقم الطائرة ليبحثوا لها عن مقعد مغاير، أو لربما قد يطلب منها أن تستبدل مقعدها برجل آخر في الطائرة، أو تذهب به الشهامة إلى أقصاها عندما يقف ويفسح لها مجالاً للجلوس (على اعتبار أن حظها العاثر جعل رقم مقعدها بجانبه) ويبحث له هو عن مقعد يجاور رجل، فلا تتقاطع هذه المجاورة مع مبادئه أو نظرته للمرأة.
المشاركات من النساء تداولن هذه الحكاية طويلاً وأصبحت مجالاً للدعابة المُرة، ونموذجاً للمجال الذي تتحرك بداخله النساء، وروزا باركس السوداء الأمريكية التي كانت تعيش في ولاية (ألاباما) ورفضت أن تغيِّر مقعدها وتجلس في منطقة السود بأدب وهدوء، وكان موقفها البسيط المستجيب لكرامتها الإنسانية، هو المنطلق الذي أدى إلى جيشان شعبي غيَّر الكثير من القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان في الولايات المتحدة، وبعدها أصبحت روزا باركس إحدى الرموز التي تفخر بها الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان، وعندما توفيت العام الماضي دفنت في مقابر العظماء هناك.
فالمقعد هنا ليس هو للجلوس فقط بل هو الحيز والمكان الذي يجب أن أناله بشكل يتوافق مع كرامتي الإنسانية وحقي الكامل في الأماكن العامة.
والقضية هنا لا أعتقد أنها تتعلق برجل أو امرأة، بقدر ما تتعلق بعلاقاتنا مع الأماكن العامة والحيز الذي يتحرك فيه كل منا بشكل لا يزعج الآخرين، أو يتقاطع مع حرياتهم في الأماكن العامة.. ولطالما قادتني مرارة تجاربي في هذا المجال للكتابة عن هذا الموضوع من عدة منطلقات، ولكنه بالتأكيد لا بد أنه يعكس علاقتنا مع المدنية والمدينة، أيضاً يعكس ماذا يعني لنا الآخر في الشارع أو الطريق:
- المرأة في الأماكن العامة تستلب أدنى درجات الاحترام والتقدير، فالجميع باستطاعته اقتحام حيزها والمساحة التي تتحرك فيها تحت أي من الذرائع، على اعتبار أن وجودها دوماً هو وجود طارئ ومشبوه.
- قيادة السيارات في الشوارع هي شكل من أشكال الأكروبات التي يقدمها سيرك مجنون، وفي حالة العودة للمنزل نتحمد الله سبحانه وتعالى على السلامة، لا التزام بالقوانين لا التزام بالأنظمة، عدم مبالاة بالصفوف... سيرك...
- عندما يمرق أحدنا من باب لا يعتني بالذي يليه، لا يسمح بأولوية المرور لكبار السن أو النساء، لا يحاول أحدهم في عيادة طبيب.. أو لربما في طائرة أن يقف لتجلس سيدة..
لن أبدأ الآن في سرد وتعداد المآخذ والملاحظات..
لكننا بالتأكيد نعاني مأزقاً يتعلق بعلاقتنا مع الأماكن العامة، وعاجزين على ترجمة الكم الكبير مع النظريات والمثل والمبادئ التي نتشدق بها ونروج لها عبر منابرنا الإعلامية، في حيز الفعل والواقع حتى نقترب من الإنسانية.. وروح المدنية.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved