*الرياض - يوسف العتيق:
في دراسة علمية متينة قدم لها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض رئيس اللجنة العليا، ورئيس اللجنة التحضيرية للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية تحت عنوان (عمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي في العهد السعودي دراسة تاريخية وحضارية من تأليف الأستاذ الدكتور عبد اللطيف بن عبد الله بن دهيش جاء في هذا الكتاب مبحث نفيس ودراسة جميلة توثق عناية الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل - طيب الله ثراه - بوصول الكهرباء إلى الحجاج والمعتمرين في تلك الفترة، وكيف كان الوضع أول الأمر ثم لما بدأت الأمور المالية تتيسر على هذه الأرض كيف اهتم الملك عبد العزيز بالحرم المكي الشريف وقاصديه، ولان هذا الموضوع التاريخي الجميل داخل تضاعيف هذا الكتاب الذي قد لا يقف عليه بعض القراء أحببت أن انقله للقارئ الكريم وبخاصة حين يشاهد ما وصل إليه الحرم المكي الشريف في كل شيء من عناية أبناء الملك عبد العزيز حكام هذه البلاد الطاهرة.
فقد قال الدكتور الدهيش ما نصه: في عام 1346 - 1928م صدر الأمر الملكي الكريم من الملك عبد العزيز بتركيب ماكينة الكهرباء الجديدة - ذات قوة ثلاثين كيلوات - بجانب الماكينة القديمة، وذلك حتى يمكن إضاءة عموم المسجد الحرام، التي تبرع بها أحد التجار المسلمين، مع تركيب مصابيح كهربائية حديثة في عموم المسجد من الداخل والخارج. وجاء في الأمر السامي الكريم أنه يجب العمل على صيانة ماكينة الكهرباء وتوفير الوقود اللازم لها مع صيانة المصابيح الكهربائية واستبدالها وزيادة عددها كلما اقتضت الحاجة لذلك. وبدأت الإنارة بها في غرة شهر ذي القعدة من السنة المذكورة.
وفي شهر شعبان من عام 1347هـ - 1929م صدر الأمر الملكي بتجديد عموم المصابيح الكهربائية التي بالمسجد الحرام بمصابيح جديدة وزيادة عددها إلى ألف لمبة، فقامت الجهة المعنية بإنجاز المطلوب، ولم يهل شهر رمضان من تلك السنة حتى أصبح المسجد الحرام مضاء بالكهرباء. وكانت تستعمل الماكينة الكبيرة من قبل غروب الشمس حتى الساعة الرابعة ليلاً بالتوقيت الغروبي، ثم توقف تلك الماكينة الكبيرة، وتستعمل الماكينة الكهربائية الصغيرة من تلك الساعة وحتى قبيل أذان الفجر بنصف ساعة، ثم يتوقف العمل بالماكينة الصغيرة ويبدأ تشغيل الماكينة الكبيرة إلى شروق الشمس، وذلك خلال الأشهر من بداية محرم وحتى نهاية شهر شعبان، فإذا دخل شهر رمضان بدأت الإنارة بالماكينة الكبيرة طوال الليل حتى نهاية شهر ذي الحجة(1). كما أمر - رحمه الله - أن توضع ست شمعدانات على جدار حجر إسماعيل، فعملت من النحاس الأصفر الفاخر، وجعل حول دائرها الزجاج الشفاف، ووضعت بداخلها مصابيح كهربائية حتى تضيء منطقة حجر إسماعيل. فكانت روعة فنية زادت من إنارة المنطقة المحيطة بالحجر، وقد أزيلت هذه الشمعدانات في التوسعات الأخيرة لمنطقة صحن المطاف ووضعت في متحف الحرم(2).
وفي عام 1349هـ - 1930م صدر الأمر السامي بشراء ماكينة كهربائية جديدة، وذلك لكثرة الخلل الذي أصاب الماكينة الكهربائية القديمة، وقد تم شراء الماكينة الجديدة وتركيبها. كما تم وضع (26) أسطوانة خراسانية في الساحات الداخلية للمسجد الحرام بطول نحو ثلاثة أمتار، وعلق على كل أسطوانة مصابيح كهربائية عدة تشبه الثريات(3).
وقد استمر عمل الماكينة الكهربائية الجديدة حتى عام 1354 هـ - 1933م حيث أضيف لها في ذلك العام ماكينة كهربائية جديدة، وبدأ عملها في أواخر شهر شعبان من العام نفسه، وقد أدى ذلك إلى مضاعفة الطاقة التحميلية بوجود الماكينة الكهربائية الإضافية. كما وضعت الثريات الكهربائية على مداخل المسجد الحرام وحول المقامات وبداخلها، حتى بلغ عدد مصابيح الإنارة الكهربائية بالمسجد الحرام وخارجه حوالي (1300) مصباح كهربائي، ووضع على قبة زمزم مما يلي الكعبة والحجر الأسود كشافات كهربائية قوتها (1500) شمعة(4).
وعندما تم استخراج البترول وانتهت الحرب العالمية الثانية، أمر الملك عبد العزيز باستيراد مكائن كهربائية لتعميم الكهرباء في جميع المدن في المملكة، وقد كان لمكة والمسجد الحرام الحظ الأكبر من هذا المشروع الذي بموجبه تم تركيب مكائن كهربائية عدة بمكة لتغذيتها بالكهرباء، وبذلك عمت الكهرباء كل بيت ومتجر. وبالنسبة للمسجد الحرام فإنه كان لاهتمام الملك عبد العزيز بالكهرباء أثره الكبير في تحسين الإضاءة في المسجد الحرام وزيادة الطاقة الكهربائية به وانتشارها في عموم المسجد وخارجه، وعملها على مدار الساعة دون توقف، مع عمل الصيانة المستمرة لمكائن الكهرباء وتوفير الوقود اللازم لها. أما الشوارع في مكة فقد كانت إضاءتها بواسطة الأتاريك الموضوعة على أعمدة يقوم بإضاءتها متعهد مقابل مبالغ معينة تصرفها أمانة العاصمة له. فتضاء هذه الشوارع في المساء وتستمر مضاءة بالأتاريك حتى شروق الشمس. وقد استمر العمل بذلك حتى تم تعميم الكهرباء على جميع الشوارع الرئيسة وداخل الأحياء، وذلك عندما قام الشيخ إبراهيم الجفالي وإخوانه بتأسيس الشركة السعودية للكهرباء التي أخذت على عاتقها إنارة مكة المكرمة عامة، والمسجد الحرام خاصة بالكهرباء. وقد كانت إنارة المسجد الحرام بكامله بالمصابيح الكهربائية، وتم تشغيلها من هذه الشركة في يوم الخميس 14 صفر سنة 1373هـ(5).
(1) حسين باسلامة: تاريخ عمارة المسجد الحرام، ص 256 - 257 .
(2) حسين باسلامة: المصدر السابق، ص 259 - 260، ومحمد طاهر كردي: التاريخ القويم، ج 5 ص 289 .
(3) حسين باسلامة: المصدر السابق، ص 258 .
(4) حسين باسلامة: المصدر السابق، ص 259 - 260، ومحمد طاهر كردي: التاريخ القويم، ج 5، ص 289 .
(5) محمد طاهر كردي: التاريخ القويم، ج 5، ص 275، 286 - 290، مع مشاهدات المؤلف في أوائل السبعينيات الهجرية.
|