هو الألمعي الموسوعي، والشهم السخي، العالم العابد الشيخ عبدالله بن محمد الصويغ، من أسرة (الصّويّغ) إحدى الأسر القديمة التي استوطنت بلد الخبراء، ولها فيه أملاك قديمة عرفت بانتسابها إلى هذه الأسرة العريقة أمثال (الصّويّغية) الموجودة في بلد الخبراء ومثيلاتها الأخرى في رياضها..
والشيخ (عبدالله) أحد أبرز أعلام هذه الأسرة الكريمة، و يعدّ من أبرز أعلام بلده وأعيانها الكبار.. ولد الشيخ (عبدالله) في بلده (الخبراء) على رأس القرن الثالث عشر الهجري، ودرس في كتاتيبها مبادئ العلوم الشرعية، وحفظ القرآن الكريم في صباه، ثم انتقل إلى الحلق العلمية التي كانت تعقد في جامع بلده القديم على أيدي علماء الخبراء وقضاتها في ذلك الزمن، حيث درس المترجم على عدد من أولئك ومن أبرزهم:
1- الفقيه العلامة والبحر الفهامة الشيخ الجليل (قرناس بن عبدالرحمن القرناس) قاضي بلد الخبراء عام 1227هـ، وقاضي الإمامين تركي بن عبدالله وابنه فيصل بن تركي آل سعود على بلاد القصيم.
2- الشيخ حمود بن سليمان العوهلي قاضي بلد الخبراء وإمام وخطيب جامع الخبراء القديم.
3- الشيخ عبدالله بن علي بن عمرو، أحد مشايخ الخبراء المعروفين.
كما استفاد (المترجم) كثيرا من المدارسة العلمية، والمناقشة البحثية في المسائل الفقهية التي كان يعقدها مع زميله العلامة الشيخ (عبدالله بن عبدالرحمن الخليفي) قاضي بلد البكيرية وما حولها من البلدان مثل الخبراء والهلالية وغيرها، وذلك خلال إتيان الشيخ (عبدالله الخليفي) إلى الخبراء للقضاء فيها، حيث كانت إقامة الشيخ عبدالله الخليفي في بلده الأصل وهي البكيرية.
كما استفاد الشيخ المترجم من زميله في الطلب الشيخ عبدالله بن سليمان الصيخان أحد كبار طلبة العلم في بلد الخبراء، والذي يكبر المترجم في السن..
بعد أن أدرك المترجم في العلم الشرعي، اشتغل بالتدريس والوعظ والقيام بالعديد من الأعمال الدينية في بلده، وبعد وفاة الشيخ حمود العوهلي (قاضي الخبراء)، خلفه تلميذه النجيب (المترجم) في القضاء كما خلفه في إمامة الجامع، وكان ذلك في حدود 1270هـ تقريبا.
اشتهر المترجم بحسن سيرته في القضاء بالنزاهة والعدالة، وكان خلال مدته في القضاء يقوم بجميع الأعمال الدينية في بلده من القيام بأعمال الوعظ والإرشاد والتوجيه والنصح، وأعمال الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتابة العقود والوصايا والأوقاف، وعقد الأنكحة والإصلاح بين الناس، والمشورة في الأمور العامة المختصة بالبلد، وكان مستقيم الديانة، محمود السيرة..
وكان (المترجم) كثيرا ما يكتب إلى الشيخ عبدالله الخليفي (قاضي البكيرية) يأخذ برأيه ومشورته في بعض الأحكام والقضايا الشرعية تورعا وحيطة، وذلك خلال تاريخه في تولي قضاء بلد الخبراء.
استمر المترجم في قيامه بهذه الأعمال من القضاء والإمامة والخطابة وغيرها حتى وافاه أجله المحتوم في آخر عام 1280هـ مأسوفا على فقده.
تميز المترجم بعدد من الصفات والمزايا الكريمة، من أبرز تلك الصفات الكرم الحاتمي، فالمترجم هو ذلك الرجل السخي الجواد المنفق، حيث كان ذا مال بحكم أنه من أسرة كانت ذا مال وثراء، وأطلق عليه - بسبب كرمه وجوده - لقب (محذي الحاج) حيث عرف عن المترجم إكرامه للحجاج الذي يمرون ببلده في طريقهم إلى مكة من أهل الهند وغيرها، فكان يبالغ في إكرامهم ويمدهم بالطعام والكساء والمال، وكان ينفق في ذلك أموالا طائلة كل عام مع قرب موسم الحج إلى بيت الله العتيق، وفي عام 1280هـ وبعد أن ذهب الحجاج أولئك من الخبراء وأقبلوا على المدينة النبوية، وباتوا ليلتهم وفي آخر تلك قاموا من النوم وهم يبكون ويتعجبون مما رأوا في نومهم، ذلك أنهم رأوا (محبوبهم) المترجم قد انتقل إلى الدار الآخرة وقامت الملائكة بحمل جنازته إلى المدينة النبوية لدفنه في مقبرة البقيع، وقد وافقت الرؤية وفاته فعلا في بلده الخبراء.
وهذه الحادثة تدخل بالتصنيف ضمن (كرامات الصالحين).
كان المترجم ومنذ نعومة أظفاره مولعا بالشعر النبطي، فكان يقرض الشعر العامي، وقد أجاد فيه وأفاد، ولكنه انصرف عنه منذ أن التحق بركاب العلم والعلماء، أسوة بقول الإمام الشافعي:
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد |
وفي شيبة (المترجم) قدم إلى الخبراء أحد رجال الأمير (طلال بن عبدالله الرشيد) قريبا من صلاة الفجر قاصدا المترجم، واستوقف هذا الرجل الشيخ عبدالله وهو في طريقه إلى المسجد طالبا منه الرد على بيت قاله الأمير طلال لموجدة في نفسه، وقد طاف رجاله في البلدان فلم يجدوا من يجيبه عجزا أو خوفا، وأن الأمير غضب على رجاله إذ لم يجدوا من يجيبه ويخفف عنه، فاستعفى المترجم كونه قد ترك الشعر منذ القديم، فما زال الرجل يرجوه ويطلبه حتى قال المترجم: أسمعني ما قال الأمير طلال، فأورده الرجل البيت حيث قال فيه الأمير طلال:
آلله من قلب بدا فيه خله عيا يطيق الصبر من شد بلواه فقال الشيخ عبدالله: علم لفى من نور عيني يعله أبيه طيب عقب فرقاه مقابل اللي ما تبي النفس عله الحيه الرقطاء بجحره ولايّاه |
فانطلق الرجل إلى الأمير طلال وأسمعه تلك البيتين، فأعجب بهما (الأمير) وعجب من براعة وفراسة هذا (الشاعر) لمعرفته سبب ما كان يشكو منه وما أصابه من شدة وبلاء، ومن إيحائه له بالعلاج ودعوته له بزوال همه وغمه وكانت زوجة الأمير طلال قد توفيت، ففقدها وحزن عليها وتزوج بأخرى كلما رأها أو أمرها تذكر الأولى ؛ فأهمه أمرها وعاوده الحزن والهم والضيق، وذلكم مما يصنع الحب الصادق بأهله! وأمر الأمير طلال بن عبدالله آل رشيد (أمير جبل شمر في ذلك الوقت) بأحمال من الطعام والمال والأرزاق تحمل على الإبل، وتوجه إلى المترجم مكافأة له على ما أتحفه به من تلك البيتين الرائعين.
وكان (المترجم) صاحب قلم سيال في كتابة الوثائق والعقود والمبايعات والوكالات والمرهونات، وكان يكتب في بعض القضايا إلى الشيخ عبدالله الخليفي قاضي البكيرية، وإلى قضاة بريدة وعنيزة يستشيرهم، ويأخذ برأيهم، كما كان يكتب إلى أمير بلد بريدة في بعض القضايا ذات الخصوص.
وجدنا ورأينا له الكثير والكثير من الوثائق بخط المترجم النير المضبوط غاية وقد وقع عليها بخاتمه الذي نقش عليه اسمه الثلاثي (عبدالله محمد الصويغ) في ثلاثة أسطر اقتداء بعمل المصطفى صلى الله عليه وسلم.
جلس (المترجم) للتدريس والوعظ في جامع الخبراء القديم وتلقى عنه العلم جمع من الطلبة في مقدمتهم:
1- الشيخ حمد بن محمد الميمان أحد طلبة العلم في بلد الخبراء.
2- الشيخ صالح بن سليمان الميمان أحد كتاب الخبراء المعروفين.
3- الشيخ سليمان بن محمد الحمدان أحد طلبة العلم في بلده الخبراء.
4- الشيخ سليمان بن عبدالله بن عمرو أحد كتاب الخبراء المعروفين وهو والد الشيخ علي بن سليمان بن عمرو إمام وخطيب جامع الحجناوي سابقا..
5- الشيخ ناصر بن عمر السحيباني إمام وخطيب جامع رياض الخبراء القديم (قديما) وبالجملة فقد عرف الشيخ المترجم بالعلم والفقه والحلم والأناة والسخاء والكرم، وله مزايا عديدة وصفات حميدة.
وقد خلفه (شيخه) في القضاء والإمامة والخطابة والإفتاء، وهذه من العجائب الفرائد، ذلك أن الشيخ عبدالله الخليفي قد انتقل من البكيرية واستقر في الخبراء، وكان المترجم إمامها وقاضيها وفقيهها، فلما توفي عمد أهل الخبراء إلى الشيخ (عبدالله الخليفي) وطلبوا منه تولي القضاء والإمامة والخطابة فأجابهم إلى ذلك وهي على خلاف العادة، حيث إن العادة في أن يخلف التلميذُ الشيخَ أو الطالبُ المعلمَ.
وأسرة (الصويغ) قد انتقل جميع أفرادها من الخبراء؛ فلم يبق لها فيه ذكرٌ سوى ما عرف من الأملاك التي عرفت بانتسابها إلى هذه الأسرة مثل بعض الدور والمخازن والأملاك الزراعية، وقد جاء في الوثائق القديمة ذكر بعض أعلامها مثل: عبدالرحمن بن عبدالله الصويغ (والذي يظهر أنه ابن للمترجم)، وعبدالعزيز الصويغ وغيرهم... رحم الله تعالى المترجم وأسكنه فسيح جناته. وبارك في عقبه..آمين.
للتواصل مع المؤلف فاكس: 2421175 |