Wednesday 11th January,200612158العددالاربعاء 11 ,ذو الحجة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

مركاز مركاز
من المدينة إلى مكة
حسين علي حسين

حججت ثلاث مرات، مرة في العام 1382هـ، والثانية في العام 1385هـ، والأخيرة في العام 1420هـ.. وهناك فرق شاسع بين الحجتين والحجة الأخيرة.. في المرة الأولى كان والدي يقود حملة حجاج، أما في المرة الثانية، فقد تعثَّرت حملته، ونحن في طريقنا لقضاء الأيام الأخيرة في مشعر منى، فقد تلقى الوالد وهو هناك نبأ وفاة أخيه الأكبر والوحيد فجأة، وهكذا عُدنا يجللنا الحزن والأسى، وبدلاً من العودة على سيارتنا الضخمة، عُدنا في سيارة (تاكسي)، من تلك التي تنطلق من مواقف خُصصت لهذا الغرض، ذلك اليوم وما تلاه لا يُمحى من خيالي، فقد وقفت فيه على معنى الفقد واللوعة بوفاة شقيق والدي، وهو شقيق كان عطوفاً على الجميع، لكن تلك إرادة الله، ولنبق مع الحج والحجاج، فقد كانت الحملة الأولى - كما تطوف في الذاكرة - تبدأ بتوقف الشاحنة الضخمة وسط الحوش، ليبدأ أفرادها في تعليق قِرب الماء عليها، وكذلك إدخال القدور وأواني الشاي والقهوة والخيام.
يتم شطر الشاحنة إلى قسمين، بشكل أفقي، ليصبح السطح الواحد سطحين، سفلي للنساء، وعلوي للرجال، ولك أن تتخيَّل حجم المعاناة التي تعانيها النساء في ذلك المكان الذي يشبه الجب، فمن الممكن في حالة تساقط الألواح الممدودة أن تحدث مأساة بشرية، لكنها العادات التي كانت سائدة، والحرج الغالب على الناس للسفر بواسطة (الباصات)، إما لغلاء سعرها، وإما لقلتها، المهم أن تلك كانت الوسيلة الرائجة في الحج في الثمانينيات من القرن الماضي، أما قبلها فقد كانت هناك العديد من الوسائل، تبدأ بالحمير لمحدودي الدخل، أما إذا كان الحاج موسراً فقد كانت الجمال مفضَّلة، حيث يُوضع على ظهر الجمل قاعدة، يطلق عليها العامة (شقدف) يستقر الحاج عليه لمدة طويلة، معرَّضاً لكافة الزوابع، والتقلبات الجوية، وإذا سلم من هذه التقلبات الجوية، فإنه لن يسلم من قُطاع الطرق، لذلك فقد كان اللجوء إلى نظام الحملات، هو السائد منذ قديم الزمان، فهذا النظام يوفِّر قدراً من الحماية، لكثرة الرجال، ما يشكِّل حماية لهم ولنسائهم وأطفالهم، وهناك من أصحاب الحملات من يلجأ - زيادة في الاحتياط - إلى توفير غطاء أمني، بوساطة الجمَّالة من أبناء البادية.. وفي كل الأحوال فقد كان كل من يقدم على الحج يلجأ لكتابة وصيته، قبل خروجه للحج، مبيّناً في هذه الوصية ما له وما عليه من مال أو عقار أو ما يرغب تحقيقه من أمنيات له أو لعياله، ليقوم من تُودع عنده الوصية في حالة الوفاة بتنفيذ ما فيها.
ورغم المصاعب الجمَّة التي يتكبَّدها من يقوم بأداء فريضة الحج إلا أن من يتعوَّد على الحج لا يستطيع مقاومة الرغبة في تكراره كل عام، وهناك العديد من المتقدمين الذين يحجون سنوياً نيابة عن متوفين، وهم يأخذون مقابل هذا الحج مبلغاً زهيداً يضعون جزءاً منه لعيالهم وجزءاً يُعطى لصاحب الحملة والجزء الأخير - وهو قليل - يبقى مع الحاج ليستخدمه في توفير حاجاته اليومية البسيطة في المشاعر، فمَنْ كان يُقدِّم هذه النيابة أو تكاليف حج البدل؟ في العادة يُقدِّم مبالغ حج البدل حجاج قدموا من الدول الإسلامية المتعددة، وهم يودعون هذا المبلغ عند شيخ يثقون في أمانته وقدرته على انتقاء الرجل الصالح، الذي يحقق رغبة من يتم الحج نيابة عنه، لذلك فإن هذا الشيخ عندما يستقبل الراغب في حج البدل، يقوم بإخضاعه لاختبار بسيط، حيث يطلب منه قراءة بعض قصار السور، ويسأله عن أركان الإسلام، وكيفية أداء المناسك، فإذا استوثق منه أعطاه المبلغ الموجود لديه لحج البدل، وهكذا ستجد أن كل حملة حجاج كانت تضم عدداً من الذين يحجون نيابة عن غيرهم، إما لحاجتهم لنزر يسير من المال، وإما لرغبتهم العارمة في أن يكونوا سنوياً في المشاعر مهما تكبدوا من المشاق والمتاعب.

فاكس: 014533173

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved