عندما نتابع هذا الزخم من المذكرات والندوات والمحاضرات في أرجاء المملكة نشعر أن الحركة العلمية تعيش صحوة واضحة وكبيرة، وتلاحُق هذه الأنشطة يعني أن التيسير في إقامتها هو السائد.
ولكن هناك جملة من الملاحظات التي لا بد من النظر إليها بعين الاعتبار؛ حتى تكون الفائدة منها أوسع، وهي ملاحظات نابعة عن متابعة إما بالحضور وإما بالقراءة لوقائع ندوة أو محاضرة أو مؤتمر.
وأولى الملاحظات: غياب التنسيق بين الجهات العلمية في المملكة؛ إذ قد تعقد مجموعة من المناشط الثقافية في وقت واحد داخل مدينة واحدة، حيث لا يعرف الإنسان ماذا يصنع وأين يذهب، وخصوصاً إذا كانت مما يهمه ويتشوق إلى سماعه. ومعالجة مثل هذه السلبية تكون عن طريق إعداد جداول النشاطات مبكراً وتبادلها والاتفاق على الزمن لكل نشاط، وقد يكون من المهم أن يسند ذلك إلى جهة تتولى المتابعة والتنسيق.
والملاحظة الثانية تتمثل في ضعف الدعاية والإعلان عن بعض المحاضرات والندوات، فلا يحضرها إلا قلة على رغم أهميتها. وهذا ناتج عن جملة أسباب، منها: العشوائية في توجيه الدعوات، حيث ترسل إلى من لا يأتي أو غير المهتم أصلاً، ولا تصل إلى المعني بالأمر والمهتم به، إضافة إلى المزاجية في الإعلان عنها من خلال الصحف؛ حيث يعلن عن نشاط بسيط بشكل مميز، ويعلن عن نشاط مميز على نحو موجز إيجازاً مخلاًّ.
ثالثة الملاحظات: ضعف بعض الأوراق أو البحوث في المؤتمرات والندوات؛ مما يتطلب التدقيق وعدم المجاملة والاهتمام بالتحكيم، فالأوراق الضعيفة تعني سلب حق باحث آخر في إمكانه أن يقدم عملاً أقوى، كما أن الأوراق الضعيفة تشكك في نزاهة القائمين على الندوة أو المؤتمر؛ إذ إن أهم ما يجب أن يهتموا به هو الحرص على ما يقدَّم احتراماً للحضور الذي اقتطع من وقته سماع ما هو مفيد من مختص أو مهتم، فكم ندوة أو مؤتمر حضرناه وكان بعض المشاركين على درجة كبيرة من الضعف فلا علاقة بينهم وبين الموضوع المطروح، فمن المهم التدقيق في الأسماء المشاركة وقدرتها على تقديم شيء مفيد.
أما الملاحظة الرابعة فهي استخدام المداخلات للتنفيس وتحويلها إلى ساحة للنقد غير الموضوعي والهجوم الشخصي، أو لمجرد الإعلان عن وجود الشخص في المكان. والسلبية التي أشير إليها في هذه الملاحظة قد يصعب السيطرة عليها؛ لأنها تفاجئ في أحيان كثيرة بأشخاص تداخل بكلام لا فائدة منه, أو بتبادل الاتهامات بين مداخل ومحاضر، وقد تتحول المداخلة إلى عداء ينتشر بين أنصار المحاضر والمداخل لنقرأ كلاماً ما يجب أن يُقال؛ لأن أغلب القراء لم يكونوا من الحضور.
إن النشاط العلمي المتميز الذي تشهده المملكة من خلال الندوات والمؤتمرات والمحاضرات يجب أن يكون لفائدة العلم ولإثراء الحركة الثقافية، ولمزيد من التقارب والتحاور، وليس لبذل العداوات والتنافر والتنابز، ويجب أن يصل النشاط إلى أكبر عدد ممكن من المهتمين بالمناسبة العلمية من خلال التواصل العادل القائم على أحقية من يأتي ومن يشارك ومن يداخل دون تمايز يبنى على الصداقات والمعرفة و(الفزعة).
|