سعادة رئيس تحرير الجزيرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد
فقد اطلعت على مقال للأخت فاطمة العتيبي عدد 12144 بتاريخ 26-11 بعنوان (المرأة والفضيلة) ولي بعض التعقيب على موضوعها.
أختي فاطمة كانت لديك أسئلة حارقة وأنه لا بد من معالجتها بإجابة مريحة، وسأحاول في هذه الأحرف إراحتك واني استمد العون من الله تبارك وتعالى لعلي أستطيع الصعود إلى قائمة تفكيرك وإراحتك مما أضناك من أسئلة محيرة.
إن مكانة المرأة في المجتمع لا تحددها فلانة الداعية أو فلانة المقررة كما وصفتِها، بل يحددها شرع حكيم وخالق عظيم خلق تلك المرأة، والخالق تبارك وتعالى أعلم بمن خلق وهو من قدر لها منهجها في الحياة ومكانتها في المجتمع ووضح ما عليها من واجبات وما لها من حقوق بما يناسب قدراتها.
وهذا ما تعلمناه في مدارسنا وما زلنا نردده ونعلمه تلاميذنا إلى هذه اللحظة.
تعلمنا أن المرأة ملكة في الإسلام جاء وحررها من رق كانت فيه في الجاهلية.. تعلمنا أن المرأة قوية تساعد المجروحين في الحروب كخولة وأم عمارة وان المرأة محدثة فقيهة كعائشة، ومربية عظيمة كعفراء وغيرهن كثير.. تعلمنا سير نساء عظيمات في التاريخ خلدن أجمل السير وأروع المواقف وعطرن صورة المرأة بأبهى أريج.
تعلمنا أن المرأة كالجوهرة الثمينة فهي أم لها حق البر والطاعة وهي أخت لها حق الرعاية وهي زوجة لها حق الوفاء..
وهؤلاء النسوة اللاتي تحدثت عنهن وقصدتِهن بحديثك لم يأتين بشيء غير ما جاء به الشرع، ولم يقفن يوما دون تقدم المرأة أو نهضتها أو يحتكرن التقدم والنهضة عليهن كما ذكرت.. بل والله إنهن أنرن الطريق لمن جعله أمامهن مظلماً، وأنرن بصيرة من قد أعمت بصائرهن الدنيا ببهرجتها، فالمرأة إن لم تحصن بالدين والأوامر والنواهي سهل انجرافها وفسد سلوكها بحكم تغلب العاطفة عليها بما وهبها الله - جل وعلا - من عاطفة هي من أجل مهمة الأمومة التي تقوم بها. فالمرأة طبعت على عاطفة تغلبها على العقل وأي إنسان ينساق لعاطفته يخسر لأن التفكير بالعقل لا بالعاطفة، فجاء من يبصرها بدينها وبأحكامه ممن هن على هدى وعلم، لسن من عامة الناس أو ممن ثقافتهن ثقافة دنيوية بل هي ثقافة إسلامية ربانية مستندة إلى شرع واضح.. لديهن شهادات علمية عالية في هذا المجال، أما كون لهن شقيقات طبيبات فليس هناك تعارض ما دامت محتشمة في مجال عملها، ثم ما دخلها بشقيقتها الطبيبة أو حتى المتبرجة العاصية. ألم يكن نبي الله نوح ابنه كافراً!! ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمه كافراً!! وإبراهيم عليه السلام والده كافراً!! ألا تقرأين قوله تعالى: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (164) سورة الأنعام.
أما حديثهن للرجال فهو ما دام من وراء حجاب وحديث عمل لا متعة وتسلية فلا شيء فيه، وحديث المرأة وخروجها لعملها أمر وارد في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لجميع طوائف النساء ولا يتنافى مع أوامر دينها ما دام مقيداً بضوابط الشرع بأن يكون لحاجة وليس فيه خضوع بالقول، لقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ } (53) سورة الأحزاب.
وقوله: { فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}(32) سورة الأحزاب، هذا ما يحذرن منه.
وأما خروجها وسفرها مع محرمها فهو في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخروجها مع محرمها أمان، لعلمها أنها مخلوق ضعيف شُرع لها المحرم ليس لنقص فيها بل لسهولة انسياقها وراء العاطفة ولكون هذا المحرم مهابة لها من شياطين الأنس والجن، ولم يكن سفراً لمعصية أو أمكنة مختلطة أو أحاديث تجر الويلات وهن يعرفن جيدا معنى قوله تعالى: { كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } (3) سورة الصف، فيما يجهل تطبيقه الكثير.
ومع ذلك كما شهدت فأبناؤهن على علم وتربية وحسن خلق أفضل من أبناء غيرهن وذلك لأن الله - جل وعلا - كفل لهن بيوتهن خدمة للإسلام، ولعلمك سفرهن يكون في إجازة بصحبة الأبناء والأزواج ولم نسمع مثل ما قلت بترك الأبناء والإخلال بالواجب، مع أن من يستضيفهن للدعوة هناك يرحب بهن مع أطفالهن وأزواجهن أروع ترحيب وأكرم ضيافة واستعداد كامل لإقامتهن، وان فرض وذهبن وتركن أطفالهن فيتركنهم عند أيد أمينة ولست أحن منهن على أطفالهن!! وإن لم يقم بمجال الدعوة مثلهن فبالله عليك من يقم بها؟؟
فليس هناك إذاً تعارض بين عملية التزامها واستقامتها على شرع ربها وواقعها من الخروج والدعوة!!
وأما عن شغلهن ثلاثة مناصب كما ذكرت فقول عار من الصحة فكل واحدة منهن تشغل منصبا واحدا يليق بمكانتها والمهمة الأخرى تطوعاً في مؤسسات خيرية قمن على الإشراف عليها ووظفن فيها الكثير من النساء اللاتي يحتجن للعمل، وأهدافهن ليست مادية لذلك كان لهن القبول في الأرض، ويبدو أنك لا تعرفين عن تلك المؤسسات شيئا فأقترح عليك زيارتها لتعرفي جهودهن، وعلى ذلك فلن نسمع منهن أبدا الإنكار على المرأة العمل أو الخروج إذا كان الخروج وفق حدود الشرع، بل والله إنهن يسعين لمساعدة كل امرأة بحاجة للمساعدة بجهد يفوق قدراتهن، والله وحده شهيد على ذلك وما أغاظ الناس منهن إلا أنهن ينادين بحفظ كرامة المرأة من الدنس.. ينادين بالفضيلة لئلا توأد بأيد جاهلية.
لماذا يا أختي تتعاملين مع الواقع باتجاه معاكس وتثيرين بلبلة ليست في مكانها ولن يلتفت إليها أحد، لأن الناس قد تغير تفكيرها وهم ليسوا مغفلين لا يعرفون حقائق الأمور بل إنهم - ولله الحمد - في تطور فكري واضح ينساق إلى صوت الحق الصادق ويعرض عن التفكير السافر وهذا والله علامة صلاح هذه الأمة وصحوتها وعدم إمكانية التدليس عليها أو تشكيكها في ما لها وما عليها!!
أما عن تساؤلاتك لماذا (ع) تقود الناس وترتج لها المنابر وتقود الفكر والرأي، فهذا لما وهبها الله من دين وعلم قد لا تملكه (ح) المرأة الضعيفة كما وصفتِها - وهي والله ليست ضعيفة الضعف الذي تقصدينه - وبما أنها حضرت مجالس من ترتج لها المنابر لتتسلح بما يقويها فهذا دلالة قوتها.. ولا تنسي أن ضعف المرأة أنوثة وهي صفة كمال فيها لا صفة نقص.
ومقارنتك تلك موازنة غير منطقية ابداً، فكأنك تقارنين بين الطبيب المتمرس في مهنته وبين من لا يعرف من الطب سوى اسمه.. بين من تملك علماً وديناً مصدره كتاب الله ورسله وبين من لا تعرف منه إلا الشيء البسيط الذي لا يأمنها من الوقوع في الفتنة، فهي بحاجة إلى من يعينها على فهم واقعها حتى لا تصاد في الماء العكر.. فمثلها مثل التي تملك قلماً مبدعاً وبين من تقرأ ولا تستطيع تملك ذلك القلم، لماذا يحق لكِ الكتابة وحرية التعبير والنشر بينما (ح) لا تستطيع ذلك؟؟ تقولين لدي علم في مجال الكتابة ووهبت الأسلوب وهذه منحة من الله.. ولكن حق على من وهبها المُعطي - جل وعلا - القدرة على الكتابة والصياغة أن لا تحاول تشويش الفهم للأوامر والنواهي في الشرع وضرب الأحكام ببعضها بعضاً وصياغتها في أفكار خاطئة.
حق لمن تملك قلماً أدبياً وتمثل ابنة لهذا الوطن الذي كثيراً ما نقرأ حب انتمائك له ودفاعك المستميت عن حقوق المرأة أن تستغل هذه الموهبة الربانية في خدمة حق المرأة وتنير لها الطريق بدل أحلام الظلام، وإن أردت الخطاب العقلاني الذي ينبذ الضجيج والتناقض خذيه من العلماء الراسخين وناقشيهم فيما تبحثين عنه وستجدين ضالتك.. فأنت ما زلت تملكين فكرا سويا لم ينحط بحمد الله كغيره من الأقلام التي تكتب بأفكار مسمومة وأساليب رخيصة، لكن لم يلتفت إليها أحد والفضل لله.. ولا تنسي أن الحياة قصيرة وأنها ليست بدار خلود والموت قادم.
مريم الأحيدب |