عندما يتحدث الإنسان عن قصة واقعية، تراه يرويها متأثرا بأحداثها، عائشاً واقعها، يرويها بكل صدق وإخلاص، فما بالك بتلك التي ولدت في أعماق الصحراء، على الرمال الساخنة، فوق أرض قاحلة، سكنت الخيام، وافترشت التراب، والتحفت السماء، غذاؤها التمر، شرابها اللبن، تتمتع بالطهر والشرف، جمالها متوسط، ولو قورن بعقلها الرزين لأنها لبيبة وذكية، وذات علم وافر. تتمشى مع الأحداث، تعطي بلا حدود، وهي مرحة ومجدة.
كتابها القرآن، طريقها الإيمان، رفيقها الإحسان، في شغلها إتقان، تتزين بالآداب، وتتحلى بالأخلاق، لباسها الحشمة والوقار، في كلامها عبر ومواعظ، وفي صمتها فكر وتأمل، غنوتها ومرادها أن يتواصل علمها العميم، ومعرفتها العميقة في الشريعة والعقيدة، أرضعت أولادها الصدق والإخلاص والوفاء، ربتهم على الشجاعة والإقدام والكرم.
عمرت قلوبهم بالدين، عززتهم بالتوحيد. وبعد أن لملمت أجزاءها الشاسعة، وقضت على التناحر والشتت، رفعت رأسها في عزة وشموخ، وقادت المركب، عبرت به بر الأمان، لها في كل محطة استراحة، تهب فيها لإنقاذ المنكوبين، والمصابين، وتحرض أولادها وأحفادها للنجدة، وإغاثة الملهوف، وتلبية النداء. تمسح آلام الضعفاء، وتجفف دموع الأبرياء، وتسد رمق الجوعاء. صوت مازال يئن، وعبرات مخنوقة، هدأت من روعها، ولتقرب مسافة القلوب، ربطتها بحب الله، فازدادت به صفاء، ونقاء. بلمسة جمال، طورت معالمها، فبدت محاسنها، رفع شعارها في المحافل الدولية، وعززت أركانها الرئيسية، لتشكل جسر قوي وحصن منيع. كانت ومازالت نجمة الصحراء، وقمر يضيء لياليها، شمسها ذات أشعة ذهبية، تبدد وحشية الظلام، وترسل الدفء، فيشتت البرد القارص. هواؤها عليل، يشفي القلوب الغليلة، وظلالها جميل، يحمي من لفجات الحر الشديدة، من ينابيع علمها يرتوي الإظماء، وتبتل العروق. نسيمها داعب الخيال فانفجرت السحب، ولكنه يزداد لمعانا وبرقا. كالشمس المشعة، لا تتأثر بالسحب والغيوم، بل ترسل أشعتها بعدة ألوان، في مسارات جذابة، كالهواء النقي، لا يؤثر فيه كثرة الدخان، والقمر المضيء، لا تخفيه أنوار الكهرباء، تساؤلا، واستفسارا، عن تلك التي تعشق الخطر، وتهوى الصعاب، من أجل راحة الآخرين، انطروا إلى القمر، واذهبوا إلى الأقطاب المتجمدة، هناك ستجدون اسمها نقشت حروفه من ذهب، واكتمل بها عقد الدرر، فاكتب ياتاريخ، سجل أحلى كلام :سعودية:.
نورة مهدي سيف /سراة عبيدة |