حتى يكون التوصيف واضحاً، والحديث شفافاً عما يجري في العراق، ولنقل رأي الأغلبية الصامتة من كُتَّاب ومثقفي العراق الذين يرفضون الحالة الشاذة التي يعيشها بلدهم، والتي يريد فرضها الغرباء والمحتلون، نواصل نشر مقالات الكُتَّاب العراقيين دون تدخل منا، واليوم ننشر وجهة نظر الكاتب فاروق يوسف الذي يقول في مقالته التي عنونها ب(حج طائفي).
مستقبل العراق الموزع طائفياً وعرقياً واضح، لا أحد بإمكانه أن يقول إن العراق سيخرج من عنق الزجاجة سالماً ومعافى.
العراق ليس البلد الأول في هذا المضمار، والرهان على التوزُّع والتشتُّت الطائفي فيه هو رهان على لغم سينفجر يوما ما، إن لم يكن العراق الآن يعيش كل لحظة تجليات ذلك الانفجار الذي لن يبقي ولن يذر. فالطائفية نهج عنصري شرير، لا ينتج إلا سلوكاً مريضاً ولا يتستر إلا على فكر هدَّام. ليس بإمكان الطائفيين أن يشيِّدوا أوطانا أو يحصِّنوا أمما، بل العكس هو الصحيح: الطائفية فكرة عزلة، (بُغْض الآخر) هو شعارها.
لقد جرَّ المحتل العراقيين إلى المجزرة، يوم جعل من المحاصصة قانون حياة. ذلك لأن السلام الذي ينتج عن مثل هذه المعادلة إنما هو سلام هش، لا يقوى على الصمود أمام أية وشاية، مهما كانت درجة تفاهة تلك الوشاية.
فالسلام الأهلي لا تُنشِئهُ النعرات الطائفية القائمة على الشك بالآخر والبحث عن مثالبه وهناته، والتقليل من قيمة ما يستند إليه من فكر مختلف.
السلام الأهلي ينتج عن امتزاج مكونات الشعب الواحد, بعضها بالبعض الآخر، وبحثها في فكر الآخر عما يصحح انحرافاتها ويقوي اندماجها الاجتماعي.
الطائفيون لا يعجبهم مثل هذا الكلام؛ فهو يتناقض كلياً مع الشروط التي وضعها المحتل لمشاركتهم في اللعبة السياسية. تلك اللعبة التي تهدف إلى بناء جدران عزل عنصري بين أبناء الشعب الواحد، لتوزعهم بين الخنادق المحفورة من أجل حروب المستقبل الدامية. حتى الحج، الفريضة التي تجمع بين المسلمين القادمين من مشارق الأرض ومغاربها، من غير أي تمييز، صارأداؤه بالنسبة للعراقيين قائماً على المحاصصة الطائفية.
|