* طرابلس - خاص ب(الجزيرة):
كشف فضيلة الشيخ مظهر الحموي قصة ترشيحه لمنصب مفتي مدينة طرابلس اللبنانية، ورئيس تحرير مجلة (التقوى) الإسلامية، أنه لم يكن يفكر في منصب المفتي، ولم يسع إليه، لكن العلماء، والفعاليات الطرابلسية هي التي رشحته، وألحت عليه لقبول المنصب.
وأضاف قائلاً: إن دور المفتي مراعاة مصالح المسلمين الدينية، وتبني قضاياهم، والإفتاء في المسائل التي تواجههم، وأضاف: إن هناك شروطا يجب توافرها في المفتي، منها عدم انتمائه لأي حزب أو تيار فكري، وأن يكون وسطياً، وعالماً، وفقيهاً، وجديرا بالأمانة.. جاء ذلك في الحوار الذي أجرته (الجزيرة) مع الشيخ الحموي، وفيما يلي نصه:
* منذ فترة طرح اسمكم إلى جانب أسماء أخرى مرشحة لمنصب الإفتاء في طرابلس لبنان فهل ما زلت مرشحاً لهذا المنصب؟
- أنا في الحقيقة لم أكن أفكر في يوم من الأيام أن أسعى لهذا المنصب إلا أن بعض الإخوة العلماء والفضلاء والشخصيات والفعاليات الطرابلسية قد رشحوني لهذا الاستحقاق وبعد الدراسة والتمحيص رأيت أنه من خلال هذا المركز يمكن لي أن أقوم بالمزيد من النشاطات والخدمات لهذه الطائفة التي أعتبر خدمتها واجبا دينيا وشرفا عظيما لي، ولا أخفيك أنني أرى في هذا المنصب أنه تكليف قبل أن يكون تشريفاً.
* ما رأيكم في المهمات أو الأدوار التي يجب أن يقوم بها مفتي المنطقة، وتحديداً مفتي طرابلس؟
- ينص المرسوم الاشتراكي عندنا أن مفتي المنطقة هو الذي يرعى مصالح المسلمين الدينية والوقفية والاجتماعية المحلية.. إذاً، إن مفتي المنطقة متعدد الاهتمامات والأدوار والمهمات فلا ينحصر دوره في رعاية المصالح الدينية والوقفية وحسب، على الرغم من أهميتها ووجوب العناية بها في أولويات عمله وتفكيره ونشاطه، فيسعى إلى المبادرة لتطوير الأوقاف وحسن استثمار مواردها وأملاكها من أجل إنصاف الأئمة والخطباء والمدرسين وخدمة المساجد وتأكيد الحضور الإسلامي في شتى المناسبات.
وإلى ذلك فإن المفتي كما نص المرسوم الاشتراكي ينبغي أن يكون عضوا فعالا في مجتمعه وله دور بارز في مؤسسات المجتمع المدني فلا ينأى عن المشاركة في الشأن العام وخصوصا في مدينة مثل طرابلس التي تزدحم لائحة مطالبها بالعديد من القضايا والمشاريع المزمنة التي لم تنفذ حتى الآن فيعمد المفتي إلى الاستعانة بمستشارين على الأصعدة كافة ليطلعوه على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة ليناقشها ويبدي الرأي فيها ويرفع الصوت عاليا أمام الجهات المختصة من أجل تحقيقها.
نعم لا ينبغي أن ينكفئ المفتي عن هموم الناس وأوضاع المناطق الداخلية والأحياء الفقيرة بل أن ينزل إلى الميدان وأرض الواقع ليستمع إلى معاناتهم وشكاويهم وينقلها إلى المسؤولين بحزم وليلفت إليها نظر ممثلي المدينة ليشترك معهم في ملاحقتها وتنفيذها فالمنصب ليس دينيا بالمعنى الأكليرلكي المتعارف عليه لرجال الدين؛ لأن مفتي المسلمين لا يعنى فقط كما نوهنا بالقضايا الدينية، بل عليه واجب الاهتمام بكل الشؤون الحياتية والاجتماعية وخصوصا أنه ليس في أعرافنا ما يسمى رجل دين وإنما عالم، ولا ينبغي أن تقتصر مهمته على الإمامة والخطابة والتدريس الديني وإنما الاهتمام بأبناء الحي والمنطقة التي يتواجد فيها فكيف إذا بالمفتي الذي تكون مهمته أوسع نطاقا وشمولية.
وهل من الجائز أن رجال الدين في سائر المذاهب والطوائف يبادرون إلى القيام بمسؤوليات مدنية بل وحتى سياسية في حين نتراجع نحن المسلمين السنة عن دورنا المفترض في المهمات المطلوبة منا شرعا وواجبا.
* كيف ترون المواصفات التي يجب أن يتمتع بها المفتي المقبل لطرابلس؟
- كما أشرنا من قبل أن منصب الإفتاء ليس دينياً فقط أو يعنى بمسألة الفتاوى وحسب فهذه المهمة يعنى بها أمين الفتوى، لذا فإن مفتي طرابلس ينبغي أن يتمتع بالمواصفات التالية:
1- أن لا يكون منتمياً إلى حزب أو تيار فكري يثير الحساسيات والإشكاليات مع سائر الأحزاب والجمعيات والتيارات ما قد يؤجج المناحرات والمشادات وربما الاتهام في العقيدة، وهذا أخطر ما قد يواجهه المسلمون بل والمدينة عامة إن كان المفتي القادم منحازاً أو منتمياً.
2- أن يكون المفتي وسطياً معتدلا وعلى مسافة متساوية من جميع الحركات والجمعيات والشخصيات الإسلامية، وليس طرفاً مناوئاً، وأن يكون في مقدوره الالتقاء بهم جميعاً، والاتصال بهم وتبادل الزيارات معهم بدون تحفظ، أو موقف مسبق.
3- لا يكفي أن يكون عالماً تقياً ورعاً فقط بل يجب عليه أن يكون إضافة إلى ذلك ذا حضور وشخصية جديرة بتولي هذا المنصب الإسلامي المهم وأن يتمتع بسيرة حميدة في علاقاته مع الناس، وفي الوقت نفسه أن لا يكون مثار غمز ونقد.
4- يجب أن يكون المفتي القادم على عداء تام مع النفاق والرياء والمداهنة والضغينة والنميمة وقذف الآخرين أو التشهير بهم أو ابتزازهم أو الهزأ منهم أو التعالي عليهم، وأن لا يكون له تاريخ معروف في الخصومة وسوء الظن.
5- أن يكون جديراً بحمل هذه الأمانة لا يخشى في الله لومة لائم، غير ضعيف أو متهاون، بل قوي الشكيمة بحيث يعيد لمقام الإفتاء دوره التاريخي في تمثيل المسلمين ورفعة شأنهم وإعلاء كلمتهم بكل جرأة وثبات ووضوح.
6- أن يكون ذا كفاءة عالية وموقع معروف في الوسط الديني وله إسهاماته في خدمة الإسلام والمسلمين وليس طارئاً على الساحة الإسلامية أو وصولياً يسعى إلى هذا المنصب بشتى الوسائل.
* بما أنكم قد أعلنتم ترشيحكم لمنصب إفتاء طرابلس فهل لديكم برنامج عمل تطرحونه أمام الهيئة الناخبة؟ وما الخطوات الرئيسية لهذا البرنامج؟
- ليس من باب المباهاة القول: إنني المرشح الوحيد لإفتاء طرابلس الذي وضع برنامج عمل ومخططا وافيا لتحقيقه إذا ما وفقني الله بتولي هذا المنصب وقد شعرت خلال الزيارات ولقاءاتي مع الإخوة العلماء وبعض أعضاء الهيئة الناخبة والسادة ممثلي المدينة وفعالياتها أنهم يفاجؤون بوجود برنامج عمل لهذا المنصب.
وإنني - تحدثا بأنعم الله - وبكل تواضع فقد خططت برنامج عمل عريضا لا يتسع المجال لذكره كاملا في هذا الحوار إنما أقتطف بعضا من نقاطه كي لا أطيل عليكم وهي:
1- العمل على تفعيل وإعادة بناء الثقة بدار الفتوى لتكون بحق مرجعية للطائفة وموئلا لها في شؤونها وشجونها.
2- الاهتمام بالأوقاف الإسلامية واستثمارها وتطويرها من أجل رفع رواتب الأئمة والخطباء والمدرسين الدينيين حيث لا يجوز أن تبقى أوضاعهم المؤسفة دافعاً لهم للتفتيش عن مورد رزق آخر وحتى نصون لهم كرامتهم ونعتني بأوضاعهم الصحية والمنح التربوية وتأمين العيش الكريم لهم ولئلا يلجأ العلماء إلى أبواب أحد مع احترامنا للجميع.
3- إيجاد لجنة إعلامية متخصصة تعنى بمتابعة قضايا الطائفة والعامة وإذاعة التصاريح والمواقف اللازمة في القضايا المستجدة.
4- إنشاء لجان متخصصة في المجالات كافة كي تعنى بالدراسات الميدانية والبحوث، وبرمجة الاتصالات مع فعاليات المجتمع المدني إذ لم يعد في استطاعة شخص بمفرده أن يحيط بما حوله من قضايا وموضوعات ولا بد من هيئة علمية استشارية لهذه المهمة.
5- لقاءات دورية مع الإخوة العلماء، للوقوف على أحوالهم وأوضاع المسلمين والمساجد لمتابعتها وخاصة متابعة الشؤون العامة المحلية والدولية.
6- إنشاء موقع خاص على الانترنت لدار الفتوى في طرابلس لمواكبة وملاحقة المستجدات وخصوصاً متابعة أوضاع إخواننا المهاجرين من أبناء طرابلس والشمال لكي يبقوا على صلة دائمة بمدينتهم وأهلهم في دار الفتوى.
7- إقامة لقاءات دورية مع النقابات المختلفة والجمعيات والمؤسسات وأساتذة الجامعات وخاصة الإسلامية، ومع الإعلاميين؛ لتبادل المشورة في سائر المستجدات والاحتمالات على كافة الصعد.
8- القيام بزيارات تفقدية للأحياء والمناطق للاطلاع عن كثب على أوضاع المواطنين وزيارات دورية لمساجد المدينة لمراقبة أحوالها وخطب الجمعة والوقوف على آراء المصلين فيها.
9 - إصدار نشرة دورية تثقيفية تتضمن دراسات وإصدارات كتب وفتاوى ومواضيع دينية واجتماعية تهم عامة المسلمين.
هذه هي بعض النقاط التي يتضمنها برنامجا نشاطنا المرتقب وبالله التوفيق.
* هل تعتقد أن وفرة المرشحين لمنصب الإفتاء ظاهرة صحية أم غير ذلك؟
- طبعاً إنها ظاهرة صحية؛ لان الترشح لهذا الاستحقاق انما هو تنافس على خدمة الطائفة السنية، وكل عالم له حق الترشح طالما أنه يحمل المؤهلات وتتوفر فيه الصفات الواجب توفرها، متمنين على جميع الإخوة المرشحين أن يظل التنافس بينهم تنافساً أخويا بعيداً عن التشنجات والانتقادات التي من شأنها أن تنعكس سلباً على هذا الاستحقاق الذي يتطلع إليه المسلمون ويرقبونه بعين الأمل والتفاؤل.
* الحدث الأبرز الذي يشغل بال المسؤولين في العالم العربي والإسلامي هو سلسلة الأعمال التخريبية التي تطول المدنيين والآمنين، فما هي الانطباعات التي تتركها هذه الجرائم في نفوسكم؟
- لا شك أن كل مسلم يتألم أشد الإيلام بما يرتكبه بعض الضالين من جرائم وتفجيرات منكرة طاولت المدنيين والآمنين والمعاهدين وأزهقت أرواح الأطفال والنساء والعجائز، وروعت المواطنين مما يبعث على التنديد والاستنكار وضرورة التصدي لهذه الأعمال الإرهابية التي لا تمت للإسلام بأي صلة، بل إنها تشوه مقاصده وأحكامه السمحة التي تتبرأ من مثل هذه الموبقات والكبائر التي يمقتها الله عز وجل، فليس أعظم من قتل النفس بغير الحق، ولا يمكننا أن نرى أي مبرر أبداً لما ترتكبه هذه الفئة الباغية التي ينبغي لها أن ترتدع عن غيّها وضلالاتها وتعود إلى دينها ورشدها.
* كيف ترى انعكاسات هذه التفجيرات على الإسلام والمسلمين؟
- إن الجرائم المنكرة التي ارتكبها المتسترون زوراً بالإسلام إنما أساؤوا بجرائمهم هذه إلى الإسلام من حيث هو دين العدل والرأفة والإنسانية، وأدوا بهذه الجرائم خدمة جلى لأعداء هذا الدين الذين راحوا ينفرون الغربيين من شريعة الإسلام، وقد استغل المغرضون هذه التفجيرات لملاحقة الجاليات المسلمة في أميركا وأكثر من بلد أوروبي، وتعرض المسلمون لشتى أنواع الضغوط وتقييد الحريات الشخصية، وعمل الجمعيات الخيرية، وكل ذلك بسبب تعنت وغلو وتطرف هذه الفئة المعادية للإسلام السمح والحضاري والإنساني.
ونحن لم نكد نحاول تحسين صورة الإسلام والمسلمين عقب أحداث 11 أيلول وبدأ الغرب يتفهم أن هذه الضالة لا تمثل بأي شكل من الأشكال حقيقة الإسلام، حتى فوجئنا بمزيد من الأعمال الإرهابية التي أفرحت الأعداء وغاظت المسلمين، حتى كاد العالم ينسى أو يتناسى جرائم العدو الصهيوني ومجازره في فلسطين المحتلة في حق الأبرياء والعزل من أهلنا هناك.
* كيف ترون مهمة الدعاة والعلماء والخطباء في هذه المرحلة، حتى تستقيم صورة الإسلام في النفوس؟
- إنها مهمة خطيرة ومصيرية وعلينا جميعاً أن نغرس في نفوس طلابنا وأبنائنا التعاليم الإسلامية السمحة التي تحض على الرأفة والتسامح والتعقل والحوار والاستماع إلى الآخر، وأن نظهر للجميع وسطية الإسلام وبعده عن الغلو والتطرف والأحقاد والضغائن.
إنها مسؤولية الأهل في المنزل والمدرسين في المعاهد المختلفة، والخطباء في المساجد، ووسائل الإعلام المختلفة كي يتنكروا جهاراً لهذه الجرائم وهذه التفجيرات ويتبرؤوا منها بعنف، وليؤكدوا للعالم أجمع أن الأمة الإسلامية بأسرها لا ترضى بهذه الأعمال المنكرة، وترفض أساليب الإرهابيين وفتاويهم التكفيرية، وقد آن الأوان لأن تتوقف مسيرة الإجرام التي تفتك بهذه الأمة وتزلزل أمنها واستقرارها واقتصادها.
* أشرتم إلى دور مطلوب من وسائل الإعلام كافة للتصدي لهذه الفئة الشاذة، فكيف ترون مواصفات هذا الدور؟
- إننا نرى إجماعاً من كافة وسائل الإعلام للوقوف في وجه هذه الفئة الضالة حيث تؤكد الندوات المتلفزة وآراء العلماء والأحاديث الدينية وسائر البرامج في جميع وسائل الإعلام على رفضها لهذه الأعمال وتنديدها بكل ما يردع الآمنين ويسفك دماء الأبرياء والآمنين والمعاهدين، وقد نجح دعاتنا وأولو الأمر منا في إيصال صوت الإسلام إلى معاقل الغرب، مما يوضح للغربيين بصورة خاصة تبرؤ الإسلام والمسلمين مما يرتكبه المتطرفون.
ونحمد الله أن هناك استنكاراً شاملاً من جميع المسلمين لهؤلاء الشذاذ الذين يعيثون في الأرض فساداً.
* كيف ترون الدور الذي تؤديه المملكة العربية السعودية في مكافحة هؤلاء الإرهابيين؟
- لا يخفى على أحد أن المسلمين في سائر أنحاء العالم يتطلعون بلهفة وأمل إلى المملكة العربية السعودية الرشيدة ويدعون الله عز وجل أن يحفظ ملكها وسمو ولي عهدها وسائر المسؤولين الأفاضل الذين استطاعوا بفضل من الله ونصره أن ينجحوا في ملاحقة هؤلاء الضالين بعد أن عاثوا الفساد وارتكبوا الجرائم والتفجيرات في عدة أماكن آمنة.
وقد لاحظنا ضمور أعداد هذه الفئة المضللة بعد سيطرة القوى الأمنية السعودية على الوضع، وملاحقة ما تبقى من عصاباتهم، وهذا ما طمأن المسلمين في أنحاء العالم فاستراحت نفوسهم لنجاح الحملات الأمنية المكثفة.
ألا فليحفظ الله المملكة وسائر بلاد المسلمين من كل شر وعبث وإجرام إنه السميع المجيب.
|