Friday 13th January,200612160العددالجمعة 13 ,ذو الحجة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الرأي"

ريفنا المتغير والجيل الكرتوني..!! ريفنا المتغير والجيل الكرتوني..!!
أ. د. عبدالرزاق بن حمود الزهراني / رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية

كان الريف ولا يزال في العالم كله يشكل أهمية خاصة في حياة الأمم والشعوب؛ فهو مصدر الغذاء، ومصدر الكثير من المواد الأولية التي تعتمد عليها الصناعات التحويلية، مثل اللحوم والألبان والمواد الزراعية الأولية، كما أن الريف يعتبر مصنعا للطاقات البشرية التي تعتمد عليها الأوطان في جيوشها وفي وظائفها العامة، وفي قطاع الخدمات.. وحياة البادية - بناء على نظرة ابن خلدون - تعتبر جزءاً من حياة الريف، وإن كانت سابقة لها.
والمملكة العربية السعودية مرت وتمر بتغيرات سريعة ربما لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، ففي فترة وجيزة انتقل المجتمع من حالة إلى حالة مغايرة ومختلفة عنها اختلافاً كبيراً في كثير من الوجوه، وشهد الجيل الذي في الاربعينات من العمر أو ما بعدها جميع فصول التغير التي مر بها المجتمع، فقد أدركه وهو في حالته القديمة التي استمر عليها قرونا عدة من حيث طريقة الحياة والأدوات والوضع الاجتماعي والاقتصادي، ومن حيث الفروق بين الريف والبادية والمدينة. فسكان البادية وقد كانوا يمثلون غالبية السكان كانت حياتهم روتينية تعتمد على الماشية والرعي والتنقل والغزوات والحروب، وكانت هذه الطريقة في الحياة تنتقل من جيل إلى جيل، ومثلهم سكان الأرياف الذين كانوا يعتمدون في حياتهم على الزراعة في الدرجة الأولى، وعلى المواشي في الدرجة الثانية، ويعتمدون في أعمالهم على جهد الانسان والحيوان، وكانت الأرياف تتشابه من حيث طريقة الحياة والأدوات والوسائل المستعملة، وكانت الفروق بسيطة جداً، فقد تجد أن سكان بعض القرى يعتمدون على الجِمال في استخراج المياه، وفي الحرث، بينما البعض الآخر يعتمد على الأبقار في أداء المهمة نفسها.
أما المساكن فقد كانت تعتمد على ما يتوافر في البيئة المحلية، فبعضها يُبنى باللبن لعدم توافر الحجارة، وبعضها يبنى بالحجارة لتوافرها وسهولة الحصول عليها، اما السقف فكانوا يعتمدون فيه على ما يتوافر في البيئة المحلية من أشجار، فبعضها يعتمد في ذلك على جذوع النخل وسعفه، وبعضها يعتمد على شجر العرعر أو السدر أو الطلح أو غير ذلك من الأشجار، وكان لمهن البناء والنجارة فنيون محليون، يتوارثون أسرار المهنة كابراً عن كابر، ويأخذونها بالخبرة والتجربة. أما سكان البوادي فقد كانت منازلهم تصنع من الشعر ليسهل فكها وتركيبها والارتحال بها من مكان إلى آخر.
ظلت الحياة على وتيرتها السابقة قَلّ أن يشوبها تغير أو تجديد، وإذا حدث التغير أو التجديد فإنه يكون هامشياً، لا يصيب أساسيات الحياة التي تؤثر في معيشة الناس وحياتهم، فالتعليم كان محدوداً، ومن ثم كانت أعمال الابتكار والتطوير والاختراع محدودة كذلك، يضاف إلى ما سبق فقدان الأمن والاستقرار، فالغارات والحروب بين القبائل كانت جزءاً من الحياة، وكان الفقر وقلة الموارد ونقص الغذاء سمة من سمات حياة غالبية السكان.. لهذا كله كان الناس منشغلين بتوفير لقمة العيش، والمحافظة على أرواحهم وممتلكاتهم، لم يكن لديهم وقت للتأمل والتنمية والتطوير. لقد كان الناس يعانون من الثالوث الخطير الذي يعتبر ألد أعداء التنمية والتقدم، ذلك الثالوث المتمثل في الفقر والجهل والمرض.
بدأ التغير الحقيقي في حياة السكان في المملكة العربية السعودية في مختلف التجمعات السكانية من حضر وبادية وريف عندما تمكن الملك عبدالعزيز رحمه الله من توحيد البلاد، كان التوحيد هو المنعطف الأول والأهم في حياة السكان، تبعه منعطفات مهمة وحاسمة، لكن تلك المنعطفات لم تكن لتتم لو لم يتم المنعطف الأول وهو توحيد البلاد، فقد وفرت عملية التوحيد الأمن الذي يعتبر أهم متطلبات التنمية والتقدم، وخففت من العصبية القبلية، وألغت الحروب بين القبائل والعشائر، وعملت على احلال مفهوم المواطنة مكان مفهوم الانتماء القبلي.. وبعد التوحيد تتابعت المنعطفات التي أدت إلى تغيرات اجتماعية كبيرة في حياة المجتمع السعودي، ومن تلك المنعطفات اكتشاف البترول، واستخدام منتجات الصناعة الحديثة من سيارات وأجهزة اتصالات وكهرباء وغير ذلك من المنتجات التي لا زالت تتجدد وتتغير كل يوم. ومن المنعطفات تكوين الجهاز الاداري الحكومي الحديث الذي وفر للمواطنين الوظائف وأدى إلى هجرة الكثير منهم من الأرياف والبوادي إلى المدن والحواضر، ومنها انتشار وسائل الإعلام، وتزايد العمالة، والسفر إلى الخارج، وتزايد مستويات التعليم، وارتفاع معدل دخل الفرد.
إن طريقة الحياة القديمة في الأرياف والبوادي أصبحت تاريخاً، ولم يبق من آثار الماضي في كثير من القرى إلا بعض المباني القديمة، وبعض الذكريات الجميلة عند الذين عاشوا جزءا من تلك الحياة. وتشابهت القرى في جميع المناطق من حيث المباني والأثاث ووسائل الزراعة والإنارة، بل إن الفروق بين الأرياف والمدن أصبحت ضئيلة وقليلة ومحصورة في عدد السكان وتوافر المؤسسات المختلفة، أما مكونات المنزل، ووسائل الترفيه، ومواد الاستهلاك، ووسائل الاتصال والمواصلات والإضاءة فإنها اصبحت متشابهة في الأرياف والمدن.. وإذا كان المعمرون لديهم إطار مرجعي للمقارنة بين فترتين من الحياة، فترة الحياة القاسية والبساطة والتقارب الاجتماعي، وفترة ضيق ذات اليد وحاجة الناس لبعضهم، والفترة الحالية بكل متغيراتها، فإن هناك جيلاً ولد في الرخاء وربما يظن كثير من أفراد هذا الجيل أن الحياة كانت هكذا منذ قرون طويلة، وربما ظن بعضهم أنها سوف تستمر إلى الأبد على هذه الحال. ولقد أسميت هذا الجيل في مقال سابق نشر لي على صفحات الجزيرة بالجيل الكرتوني؛ لأنه تربي على أفلام الكرتون، فحقيقته خيال، وخياله حقيقة، وله من الكرتون جمال المنظر، ولكنه يتحطم عند اصطدامه بأي جسم قاس. ولهذا يجب مواصلة العمل الجاد في توثيق الحياة الاجتماعية كما في الفترة السابقة، وحفظ هذه الصفحة المتميزة من حياة المجتمع ونقلها إلى الجيل الحالي والأجيال القادمة. أما استمرار الحال فإنه مشروط بالشكر، قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. وشكر النعم لا يكون بالقول فقط وإنما بالسلوك، قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}. وشكر النعمة يقتضي حفظها وعدم تبذيرها، وعدم استخدامها في معصية الخالق، وإخراج حقوق الآخرين فيها. وكل نعمة لها طريقة تناسبها في الشكر. فشكر النظر استخدامه في العلم، وفي النظر في ملكوت الله، والبعد به عن النظر إلى حرمات الآخرين، وشكر الصحة استخدامها في عمارة الأرض، وفي جلب الرزق بالحلال، وإنفاقه بالحلال. ولنتذكر أن الله سبحانه قال في كتابه الكريم: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا}. إن الذي يستخدم نعم الله في معصيته ظالم، والذي يأكل حقوق الآخرين ظالم، والذي يقطع رحمه ظالم، وهكذا. إن تغير حياتنا من الحياة الريفية والبداوة إلى حياة التحضر، واستخدام نعم الله الكثيرة يلقي علينا مسؤوليات كثيرة، يأتي في مقدمتها نقل تجربة الحياة القاسية للجيل الجديد لعله يجد فيها دروساً تحفزه للعمل، ولحفظ النعم، وتزرع فيه قيم الرجولة والنخوة والمروءة والصبر وتحمل المسؤولية، والبذل والاجتهاد. وتنأى به عن الميوعة والتسيب والتسكع والقلق والملل والهروب من تحمل المسؤوليات.
نسأل الله أن يهدي شباب المسلمين وشيوخهم إلى التكافل والتكامل والتناصح، وأن يوفقهم لكل خير.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved