أثقل كاهلي وفتت قواي حديث قرأته في كتاب يبحث في الفقه المقارن لشطحاته التافهة وإجحافه الملموس.. وإعماق كاتبه في مجاهيل القوانين.. وتعسفه على الشريعة ليقيم منها شكلا مشوها يناسب ذوقه وتصرفه.. ومن ثم يوائم بينها وبين مشاعر الهائمين في مجاهيل الشرود والذي أدمى إحساسي وجرح شعوري أن الكاتب قمة في فنه.. وعلم في تخصصه.. وصاحب كلمة مسموعة.. ولديه من الشهادات ما ينوء به أشد الرجال وأمتنهم فتوة.. فنبذته جانبا وانتبذت مكانا ألهو بكتاب أدبي أعابث معطياته الخالدة فشدتني - وانما دائما مشدود إلى الأدب - قصيدة وقصة لجرير.. وعبدالملك بن مروان.. ويحلو لي وأنا استعذب ذلك العطاء أن أدفع به إلى القارئ الكريم رجاء أن يعب من هذا الماء القراح.
وبعض الماء ماء رباب مزن وبعض الماء سبخ ملاح |
والقصة أن جرير الشاعر العربي أسرف في مدح الحجاج بن يوسف الثقفي فقال في أحد مدائحه:
من سد مطلع النفاق عليهم أم من يصول كصولة الحجاج إن ابن يوسف فاعلموا وتيقنوا ماضي البصيرة واضح المنهاج منع الرشا وأراكم سبل الهدى واللص نكله عن الادلاج |
ويقول في آخر:
دعا الحجاج مثل دعاء نوح فأسمع ذا المعارج فاستجابا عفاريت العراق شفيت منهم فأمسوا خاضعين لك الرقابا إذا علقت حبالك حبل عاص رأى العاصي من الأجل اقترابا |
وهي قصائد ملؤها الحكمة..وطابعها الأصالة.. ومن منا لا يعرف أثر جرير.. وخصائصه.. وما أن أدرك الحجاج أنه أمام عطاء فكري دفاق يفتح عليه أبواب الحسد على مصاريعها وأن ما بين يديه من ثروة تقاضي ذلك الثناء تململ وقال لجرير: إن الطاقة تعجز عن المكافأة ولكني موفدك على أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان فسر إليه بكتابي هذا..
وامتثل جرير لهذه الإحالة.
وسار إلى الأمير.. وتنتهي تصورات القدامى من الكتاب والمؤرخين إلى هذا الحد.. دون يعللوا هذه الظاهرة بشيء.. ودون أن يرددوا تصرف الحجاج إلى معقوليته..
وأغلب الظن وأرجوا أن اكون موفقا هنا في استنتاجي أن الحجاج لما رأى أن ما قيل في مدحه قد يكون منفذا للحاقدين ليدسوا إلى الخليفة ويوغروا صدره.. ويكون هذا التعالي وقبول المدح سببا في تقويض بنائه وتحطيم طموحه وترسيب كبريائه.. ثم إن من عادة الخلفاء وهذه ظاهرة نقلتها لنا كتب الأدب و التاريخ لا يرتاحون من الوزير أو العامل أن يستأثر بغرر المدح.. أو أن يفتح أبوابه للمتاجرين بالشعر.
والحجاج وهو الذكي الحذر يفر من موغرات الصدور لا سيما وأنه يصعد سلم المجد بخطوات سريعة.. وهذه السمعة التي حظي بها لدى الخيفة كافية لإمتاع طموحه.. إنه وقد لمح أن الشاعر فحل وأن معطياته الفكرية قد تتكافأ مع ما للخليفة الأموي من سمو ومكانة وعز.. وجد أن الفرصة مواتية ليعد ذلك الشاعر هدية متواضعة يقدمها بين يدي الخليفة ليكسب فيها مزيدا من الرضا والقبول.
وليبرهن بدليل حي على إخلاصه وتفانيه لحضرة الخلافة.. يعزز هذا أن الحجاج لم يصرف الشاعر بل أحاله بكتاب إلى الخليفة.
لم ينس ما للشاعر من حق حيث قال:( إن الطاقة تعجز عن المكافأة ولكني موفودك إلى أمير المؤمنين) فمن هذه الكلمة يمكن أن نهتدي إلى ناحيتين إحداهما تتخلص في ما عساه أن يكون من غضب أمير المؤمنين حين يسمع هذه الغرر من القصائد في مدح عامل من عماله.
وثانيتها لكي يدفع بالأمير إلى إجزال العطاء وبالفعل حصل له ما أراد ووقع ما كان يخشاه أو كاد.. وبهذا يكون الحجاج قد ضرب عصفورين بحجر كما يقول المثل مكافأة الشاعر على قصائده.. والنجاة من غضب الخليفة لو أنه أفسح المجال للشاعر ليقول غرر القصائد في مدحه وليستأثر عن الخليفة.. على أننا لا نستبعد أن يكون الحجاج قد أسرف في العطاء المادي كما أسرف الشاعر في العطاء الفكري فالحجاج وقد وضعت بين يديه سلطات وقيادات وإمارات لا نشك أبدا أنه ينفق ولو بقدر يناسب ذلك الاتساع في السلطة والصلاحيات.
وبين يدي الخليفة عبدالملك بن مروان وقف جرير يفرغ بضاعته في السوق النافقة.. وهنا لا أتردد في أن التجربة الأولى ستدفع بالشاعر إلى أن يسرف في تحسين البضاعة.. لكن جرير وقد بلغ حدا مذهلا في الإبداع لم ينس الثمن.. بل تجاوز الحد فلمح تلميحا ظاهرا من المكاشفة لم أره باديا إلا في شعر أبي الطيب المتنبي لدى سيف الدولة الحمداني.. ومع أن العملية الفكرية عاشت في أوحال المساومات المادية إلا أنها لا زالت تحتفظ بأصالتها وبعمقها.. وهذا ما دفع بالخليفة الأموي إلى قبول هذا الدل.. وهذه المساومة المكشوفة وبالتالي هيأ له الزهو والتعالي.. ذلك أن الشاعر وكما قلت يمارس عملية التجربة الأولى ولكي يضمن العيش الرغيد المستمر في رحاب الخليفة كان المفتاح الذي صاغه لباب البلاط أكثر دقة تمكن بها من إيداع ذلك الباب مشرعا مدة طويلة.
وبدأ الشاعر تجربته.. لكن الصدمة المؤلمة التي لطمت جرير على أم رأسه لم تدم.. ولست أعرف بالضبط كيف تملص منها.
تقول القصة.. إن جرير لما قال في مطلع القصيدة:
أتصحو بل فؤادك غير صاح صاح به عبدالملك غاضبا بل فؤادك يا ابن (...) |
وهنا أضع يدي على شاهد عيان يحدد معالم تخرصات الحجاج ويجسد تفكيره وتصوره.. فالخليفة وقد دفعته ردود الفعل أمام المطلع إلى أن يسرف في الرد إلى حد فقد معه الاحتشام.. لا بد أن يكون في النفس حاجات هي بالفعل التي انفلت منها الحجاج.. لأنه وهذا أمر لا يحتاج إلى دليل أحاط علما بما قاله الشاعر في الحجاج.
والحجاج عامل من عماله فهو يتطلع إلى مدح يفوق مدح الحجاج.. لكن وقد حرن المطلع بالشاعر الى الحد الذي كاد أن يسقطه في الهاوية.. لم يكن جرير - هذا ما لا أرجوه - لينفلت من نزعة التقليد.. فلقد تمسك بما خلفه الشعراء الأوائل وهو بدء المدح بالغزل وتأخير الثناء.. وهي ظاهرة لم أجد لها ما يبررها لكنها التقليد ولا شيء غيره.
وما أن اجتاز الشاعر مرحلة التوطئة بما فيها من صعوبات.. باشر عملية تحديد الثمن والمساومة المكشوفة.. وهذه الخطوات تضع الخطوط الرئيسية لتحديد ثقة الشاعر بعطائه وإلا ما معنى أن يلهو بمحبوبته في المطلع.. ثم يبدأ عملية تجسيد التطلعات المادية تاركا في المرحلة الثالثة الغرض الرئيسي للقصيدة وهذا على الرغم من أنه بعد لم يعرف ما إذا كانت البضاعة ستنفق في سوق الخليفة أم لا!..
فيقول جرير في تحديد نوعية العطاء..
تعزت أم حرزة ثم قالت رأيت الواردين ذوي لقاح |
ندرك أن تطلعات الشاعر إلى اللقاح وميله إلى هذا النوع من الثروة ذات المكانة الخاصة في النفس.. دفع به إلى النفاذ لقلب الخليفة في عملية استدرار واستعطاف..
وبالفعل فقد تحقق للشاعر ما يصبو إليه.. بل فوق ما يصبو إليه أن صدق الرواة بما نقلوه.. وسلموا من الأثر القاتل.. آفة الأخبار رواتها..
فما أن خلص الشاعر من إلقاء القصيدة حتى قال عبدالملك بزهو وتعالٍ:
- أترى أم حرزة ترويها مائة ناقة من نعم كلب..؟
ووجدها جرير فرصة مواتية ليبتلع ريقه قائلا:
- إذا لم تروها يا أمير المؤمنين فلا أرواها الله.. وأمر بمائة ناقة من نعم كلب كلها سود الحدقة.
ومع أن الشاعر بادر بالدعاء على زوجته إن هي لم ترض بهبة الخليفة.. إلا أنه كان السابق لإعلان عدم الارتواء.. واستمرار الظمأ ومن ذا الذي ينعمه العطاء وهو يجد المزيد في رحاب خليفة معطاء..
والغريب حقا أن يدرك عبدالملك هذه التطلعات ويكافئ الشاعر حسب رغبته دون أن يكون بين المادح والممدوح أي مكاشفة تقرر هذه الرغبة.. والأعمق في الغرابة أن ينفذ الشاعر إلى هذا التحديد بهذه الدقة وهذا الاسلوب الذي يعد بحق بعيدا كل البعد عن احتمال فرض العطاء وقريبا كل القرب لإيضاح رغبات الشاعر بنوعية العطاء.. فزوجة الشاعر تعزي نفسها وتذكر نوع الإبل التي ترد على الماء وأنها لقاح وهذا منتهى آمال الأعراب فهي الثروة التي يتطلع إليها كل أعرابي. وقد ألمح القرآن الكريم الى ذلك بعدة مواقف.. ففي أحد المواقف بقوله {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } (6) سورة النحل، وفي معرض التصوير لأهوال القيامة ومشاهدها يقول: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ } (4)سورة التكوير، ويقول {تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ } (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وفي معرض التدليل على قدرته يقول:{ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ }(17) سورة الغاشية، وفي الحديث (لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم) وعن حلف الفضول يقول: (ما أريد أن يكون لي به حمر النعم) أو كما قال.. وكذا نجد للإبل مكانة عظيمة في نفوس الأعراب ومن هذا المنطلق الثمن وأدرك أنها بعد ظامئ وتحسس أريحية الخليفة فوجدها هي الأقرب دفاقة لا تكدرها الدلاء.. فحاول أن يمارس عملية جديدة في شيء من المغامرة.. على أنه بالفعل حدد أبعاد هذه المخاطرة بقوله:
سأمتاح البحور فجنبيني أذاة اللوم وانتظري امتياحي |
وبالفعل امتاح البحور وطيب نفس زوجته وهي على رصيف الانتظار كما أوصاها.. لقد قال للخليفة بعد ما عرف الدفعة الأولى من الثمن:
يا أمير المؤمنين إنها نياق ونحن مشائخ وليس بأحدنا فضل عن راحلته فلو أمرت بالرعاء..
- فأمر له بثمانية.
ويسرف الشاعر بالإلحاح.. أو قل يسرف الرواة القصص في تنميق المفاجآت ليخلقوا جوا من الانفعالات وسط زحمة التردد بين الشك واليقين.. والذي لا أتردد فيه أن القصة لها أصل لكنها لم تكن بهذا الشكل وعلى هذا القدر من الإسراف وبهذه الصيغة من الحوار المكشوف..
وأرجو ألا يعدني القارئ من فئات الشكوكيين الذين يرفع رايتهم زعيم الأدب العربي طه حسين.. لكن وبمجرد النظر الفاحص.. والتحليل المنطقي المنصف.. وإمرار القصة عبر المقاييس المعقولة يمكن.. وبأقسط حكم - أن نقول: إن القصة ضربت في مجاهيل الإسراف إلى الحد الذي أفقدها أبسط مقومات المعقولية، وهذا وإن كان يساعد على تسرب الشك إلا أنه لا يصل إلى عنصر القمة إلا أنه ينتزع الاهتمام بمضاعفات العطاء والحوار الدائرية المادح والممدوح.
ومهما يكن فإن الأمانة العلمية تفرض علينا أن نسرد القصة بطابعها ومراحلها.. وعلينا فوق كل ذلك أن نقبل بها ما دام أنه لم يقدم بوجهها ما يدفع بها من حظيرة القبول.. وإن ترسخ الشك في مسالكها فإنه ترسخ لا لطمس كل المعالم ويمعن الرواة في المبالغة ويقولون:
وكانت بين يدي عبدالملك صحاف من فضة يقرعها بقضيب في يده فوجدها جرير فرصة مناسبة ليقول:
والمحلب يا أمير المؤمنين وأشار إلى صفحة منها فنبذها إليه بالقضيب، وقال له: خذها لا نفعتك. وإلى هذا يشير جرير بقوله:
اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم من ولا سرف وأقول أما المن فنعم.. وأما الإسراف فكله |
بدون استثناء إن صح هذا العطاء إلى هذا الحد تنتهي القصة التي سيقت بين يدي القصيدة الأولى في مدائح جرير لعبدالملك.. والقصيدة بحق من روائع الشعر.. وهي قمة في المدح وقمة في الإبداع..
ولعل ما يكفيها تدليلا أنها تحمل بين طياتها أمدح بيت قالته العرب وهو قوله:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح |
المراجع:
النقائض.. لأبي عبيده.. شذور العقود لابن الجوزي.. معجم الشعراء.. ديوان جرير.. الشعر والشعراء.. الأغاني.. خزانة الأدب.. المعارف لابن قتيبة.. وفيات الأعيان.. شرح المقامات.
|