* الأحساء - زهير بن جمعة الغزال :
تتعدد الهوايات وتختلف من فرد إلى آخر كما تختلف الرؤى ومدى التعلق بالهواية نفسها أيضاً فهناك من ينذر نفسه لهذه الهواية بحيث من الصعب التخلص أو الانعتاق منها.
وضيفنا هذا اليوم أحد أولئك الذين تعلقوا بهواياتهم وأنفق آلاف الريالات من أجلها كذلك أنفق الأيام والوقت من أجل عيونها.. إنه فنان بإحساسه من تذوقه الفني ومن خلال عينه التي تحسن اختيار اللقطة الفنية. عاش حياته للتراث والآثار ولم يترك شاردة أو واردة من هذا الجانب إلا وسجلها بعدسته ليحفظ التراث من الضياع والهدر والنسيان. الفنان عادل حسين القضيب يقول إنه لم يعد ما يستحق التصوير في الأحساء الآن لأنه بالكاد صور كل شيء حتى إنه لم يبقَ للآخرين ما يلتقطونه من بعده.
عادل القضيب في الثلاثين من عمره يعمل موظفاً ببليدة المبرز التقته الجزيرة في منزله الذي يشبه إلى حد كبير اتيليه أو صالة عرض للفنون التشكيلية أو معرضاً للتصوير الفوتوغرافي حتى إن أحد أبنائه الصغار كان يشرح لي بعض الصور وكأنه هو الذي التقط تلك الصور لا والده في كل زاوية أو شبر تجد لوحة تصور جانباً من التراث أو الآثار الأحسائي.
يقول عن بدايته الفنية: البداية كانت من خلال أخي الدكتور علي القضيب الأستاذ بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران الذي كان متعلقاً بالتصوير الفوتوغرافي سألته عن كيفية الحصول على كاميرا فقال إنه سهل لكن سعرها صعب وأنت طالب في الابتدائي سعرها ألف وخمسمائة ريال ففكرت في كيفية جمع المبلغ لم يكن أمامي سوى بيع البليلة والباجلا فكنت أبيع ليلاً ونهاراً حتى تمكنت من جمعه واشتريت الكاميرا وبدأت التصوير والبداية لها حكاية.
كان يمر بحارتنا رجل عجوز ينادي (زري زري) أي يشتري القصب الذي كان يزين العبايات النسائية والمشالح الرجالية من الذهب والفضة والنحاس أعجبتني مهنته وطريقة تعامله العفوية نحن لا نملك ما يسأل عنه إلا أنني تحايلت عليه وأدخلته وقدمت له الضيافة حتى أجهز الكاميرا وفعلاً التقطت له عدة صور من زوايا مختلفة كذلك أمر آخر لا يزال له وقعه في نفسي ومع أنني صورته إلا أن ذلك لم يشبع نهمي ورغبتي، إنه جامع الأمام فيصل بن تركي قبل هدمه وتجديده حيث إن هذه الصورة اختفت من عندي كانت صورة تعبر عن العمارة الإسلامية القديمة.
* وأسأله اللقطة الفنية من يتحكم فيها الكاميرا أم صاحب الكاميرا؟ وهل للتقنية دور في ذلك؟
- يقول عادل: الإحساس بالموضوع وعين الفنان هما اللذان يتحكمان وليس الكاميرا لأنها آلة صماء حتى التقنية الحديثة لا يمكن أن تعطيك لقطة جميلة أبداً لأن كل شيء لا يأتيك جاهزاً بل لا بد من التعب والتصوير من كل الزوايا وكلما كانت اللقطة طبيعية دون تكلف كانت أوقع في نفس وعين المشاهد وأنا أصور المناسبات الشعبية والتراثية كحفلات الأعراس والمناسبات فرح أو حزن لديَّ لقطات نادرة لم ولن تتكرر هذه الأيام مثل لقطة الحلاق الشعبي دون آلات دون كراس بل عبارة عن موس تقليدي وقطعة من القماش وماء ولا صابون ولا يحزنون وتتميز اللقطة بالتلقائية حيث تلاحظ البساطة والانسجام بين الحلاق المسمى سابقاً (المحسن) وبين الزبون؛ هناك أيضاً لقطة الزواج سابقاً وعملية تجمع الأطفال والناس ونحر الجمال وعملية الطبخ التقليدية والزفة التي لم تعدل تمارس الآن ولقطات للفانوس وهو مهمل في مكانه المعتاد والغبار عليه وتصوير المباني من زوايا مختلفة.
* كم عدد الصور التي تملكها وما تمثله لك؟
- أمتلكُ أكثر من ألف وخمسمائة صورة تمثل الآثار والقطع التراثية والأدوات المستخدمة قديماً وكلها صورتها بعفوية دون تدخل مني إذ أجدها والغبار يعلوها أقوم بتصويرها كما صورت الأسواق الشعبية قديماً وعملية البيع والشراء وصورت الأعراس وصورت عيون الماء سابقاً أيام عزها وصورة الأعراس وصورة الألعاب القديمة وفرحة الناس والأطفال بالمطر والمشاكل التي تحدث عند هطولها وكل صورة تمثل بالنسبة لي ثروة فنية قيمة لا تقدر بثمن ولا أفرط في صوري وأعتز بتصويري للملك خالد والملك فهد والأمير عبدالله -سابقاً - إبان زيارتهم للأحساء عام 1400هـ للأحساء وأعتزُ بتصوير عدد من الآثار التي هدم بعضها أو تهدم بسبب العوامل الزمنية وأعتزُ بتصوير قلعة دارين وهي الصورة الوحيدة لي من خارج الأحساء وصورتها من زاوية لم يسبقني إليها أحد أو حتى من بعدي وقدمت لكتاب بلدية الأحساء أكثر من 26 صورة تمثل مختلف معالم الأحساء. ويضيف: حفاظاً على حقوقي الأدبية وثَّقت أعمالي لدى وزاة الإعلام وأنوي أيضاً إنشاء موقع لي على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) ولا أمانع أن يستفيد أي أحد من صوري بشرط الإشارة لي كمصدر لأن هناك من سرق بعض أعمالي.
* وأسأله لا أرى كاميرا لديك فكيف تصور وهل غيرت الكاميرا مع التطور التقني؟
- يقول عادل: لم تسقط الكاميرا من يدي طيلة 27 سنة حتى إن البعض يقول عني إنني جننت أنفق أموالي في صور لا فائدة منها واليوم بانت واتضحت الفائدة حين حافظت على تراثنا من الضياع وأصبح من كان ينتقدني إذا رأى أعمالي أن يقول لي جزاك الله خيراً لم أغير الكاميرا لأنني كما قلت ليست الكاميرا التي تتفنن بل المصور نفسه. نعم هناك لقطات بذلت وقتاً وجهداً فيها وسقطت من مسافات عالية للحصول عليها وكدت أدفع حياتي ثمناً لبعض اللقطات لوجودها في أماكن خطرة ويضيف بعد أن وجدت أنه لا يوجد ما يستحق التصوير من الآثار والتراث أعطيت للكاميرا التقاعد النهائي لأنني صورت كل شيء والحمد لله حتى إنني لم أُبقِ لأحد ما يصوره ويعتبر جديداً.
* وعما خرج به من التجربة؟
- يقول المصور الفوتوغرافي عادل حسين القضيب خرجت بالخبرة في التصوير من خلال طوافي في بلدتي محافظة الأحساء وعرفت عشق الوطن من خلال الاهتمام بتاريخه وآثاره وخرجت بالمحافظة علىالتراث والآثار والممارسة اليومية للناس لنشاطاتهم اليومية الاجتماعية والدينية والثقافية في وقت لم تكن فيه وسائل الراحة وإنما من خلال التعب والشقاء، حياة الفلاح والنجار والفخار وحياة البيع والشراء والحياة بكافة أشكالها وأعتزُ وأفتخرُ كثيراً حين أعرض أعمالي أمام الناس وأجدُ ابتسامة الرضا عما فعلت أسئلتهم واستفساراتهم عن الأعمال التي أعرضها انني أجد راحة نفسية كبيرة حين أخلو بنفسي لأشاهد أعمالي لدى عرض بروجكتر اشتريته لأعرض الأعمال بواسطة (السلايدات) ولدي لقطات للفنان عيسى بن علي والأشخاص وهم يرقصون وتوضع النقود في أفواههم وقد اختفت هذه الصورة اليوم وشاركت في العديد من المعارض في الأحساء والرياض وإدارة التعليم وجمعية الثقافة والفنون بالأحساء وأميل كثيراً إلى السلايدات بتشجيع من أخي الدكتور علي الذي يرسل لي الصور إلى أمريكا مقابل ستين هللة لكل صوة وعن الصور الإنسانية يقول صورت بعضاً منها ولكنني لم أستمر فيه لأنني أتعب نفسياً من تلك الصور والآن أنا أتعذب داخلي من هذه الصور التي اندثرت فأتألم حقيقة حين أذهب لتلك الأماكن ولا أراها أو بعض العادات والتقاليد التي كانت تمارس آنذاك في الحياة اليومية وأتألم كثيراً لأننا لم نعد نهتم بذلك الفن التراثي التقليدي ولم يعد هناك من يهتم بالعادات والتقاليد إلا من رحم ربي وهم قلة ويضيف قائلاً لا تستهويني آلات التصوير الحديثة مهما بلغت من التقنية لأنها تعطيك كل شيء جاهزاً من ضوء ومسافة وفنيات حتى الإحساس لا تستطيع الحصول عليه في الصورة التي تلتقطها بآلة التصوير الرقمي الديجتال والمصور بها هو بمثابة حامل ليس إلا ويضيف أعتز كثيراً بالعرض الذي قدمته في جمعية علوم العمران بفرعها في مدينة الهفوف حيث نال ما قدمته ولله الحمد إعجاب الحضور وأثنوا على الجهد الذي بذلته كما تلقيت شهادة تقدير من إدارة التعليم لمشاركتي في أحد المعارض التي أقامتها الإدارة وكذلك جمعية الثقافة والفنون وأعتزُ بذلك كثيراً لأنه تقدير لمن يخدم الوطن كُلٌّ في مجاله.
* هل هناك مَنْ يهتم بتصوير التراث مثلك ويحاول الاستفادة من خبراتك؟
- نعم هناك شخص يُدعى زكي الغواص له اهتماماته بتصوير وتدوين التراث بواسطة الصورة وهناك لقاءات بيننا وأنا أشجعه وأدفعه نحو ذلك كما أن هناك تعاوناً من قبلي مع عدد من الكتاب الذين يهتمون بتدوين التراث وهناك جواد الخرس الذي طلب مني بعض الصور عن الأحساء قديماً وفعلاً قدمت له المجموعة التي طلبها من منطلق خدمة الأحساء وتراثها الذي أعشقه. يضيف: التقيت بأول وأحسن مصور في المنطقة الشرقية ويُدعى محمد شبيب بهدف الاستفادة من خبرته ولما عرضت عليه بعض أعمالي رد عليَّ بإعجاب شديد: أنت خبرة لا تحتاج إلى المزيد وهذه اعتبرتها شهادة مرور لعالم التصوير.
ويتحدث بمرارة عن اختفاء بائع الغاز علي القاري الذي كان يمر الحارات منادياً غاز غاز؛ أيضاً عملية الحناء للحمير ايام الأعياد وسباق الحمير وقد تعرضت للسب والشتم من كبار السن وعانيت في تصوير الحلاق الذي طردني كثيراً وتحايلت على ذلك بأن أوقفت أخي بطريقة يمكن من خلالها التصوير اعتقاداً منه أنه للضحك على مهنته. ويستطرد: صورت كل ما يتعلق بلباس ومجوهرات وأعمال المرأة الحساوية ومواقف طريفة حدثت لي أثناء التصوير يطول المجال عن ذكرها.
ويختتم حديثه بقوله: لم أترك شيئاً يهتم بالتراث إلا وصورته وأعتزُ به كما أنني صورت جميع المهن الحرفية القديمة وإذا لم أجد الأشخاص بسب موتهم أو تركهم المهنة صورت أدواتها وأماكن ممارستها وأشكر (جريدة الجزيرة) لزيارتها وتسليط الضوء على هوايتي.
|