* تأليف: عبد العزيز بن إبراهيم الأحيدب
* قراءة: حنان بنت عبد العزيز آل سيف
(الاختيارات البديعة في نسب وأخبار ربيعة)(1) كتاب قيِّم ونفيس ومفيد، وهو يعد موسوعة علمية وأدبية في أنساب وأخبار قبيلة ربيعة؛ تلك القبيلة العربية العريقة. ومؤلفه من فحول الفكر العربي، وهو كما يبدو لي من خلال كتابه هذا ناقداً وأديباً وراويةً للأخبار والأشعار والأنساب. وبهذا يعد هذا الكتاب من أنفس الكتب الأدبية والتاريخية التي يحق للمكتبة العربية أن تفخر بها. ويطرق مؤلفه فيه جوانب عدة من تقصِّي الخبر، وتحليل النسب، وتسطير السير، فلله درُّه.
وأنت مع هذا الكتاب كأنك مع أديب العربية عمرو بن بحر الجاحظ في مؤلفاته السامية، وكتبه المتسامية؛ ك(البيان والتبيين) و(الحيوان) وغيرهما، أو مع ابن قتيبة في (الشعر والشعراء) أو (عيون الأخبار). أما نظرات المؤلف النقدية للمعلومات الواردة في كتابه، ومناقشته للآراء التي يدلي بها العلماء والأدباء، فتذكِّرني بشخصية النابغة الذبياني؛ ذلك الناقد الذي تحوَّل من طول ممارسته لنقد الشعر إلى شاعر فحل من الطراز الأول والجيل المتقدم، حيث كان يأمر بضرب أطناب خيمته في سوق عكاظ، فيأتيه شعراء عظماء، وناظمون نبغاء، ليفاضل بينهم ويقارن ثم يحكم، فيقدم هذا أو ذاك.
ومعلومات الكتاب وحقائقه العلمية والأدبية والتاريخية تتسم بالدقة والتحري والموسوعية والشمولية، وفي أسلوب المؤلف أثناء عرضها جمال وبيان وتبيان وحلاوة وطلاوة؛ فهي لغة علمية عالية جداً، ولكنها في نفس الوقت سهلة وسلسة ومتوافقة مع النص المنقول، ومتناسبة مع عقل القارئ الحديث وذوقه وثقافته.
والكتاب مهدًى إلى والد المؤلف، وهو دالٌّ على أسمى معاني الوفاء والبر وحسن رعاية العهد. يقول مؤلف الكتاب في مقدمته الميمونة: (ومَن يقرأ هذا الكتاب الموسوعي يعرف مدى ما بذلتُ فيه من جهد لأقدمه لروح والدي الذي زرع فينا حب الإسلام والعروبة والفضيلة والعلم). وأما عناء المؤلف - رعاه الله - وجهوده المتفانية في سبيل إخراج هذا الكتاب ليرى النور فيتمثل في قوله ضمن تقديمه للكتاب ما نصُّه: (ولما لازم الشعر والخطابة والمثل حياة البدوي منذ وُجد حتى يومنا هذا فقد بذلتُ جهوداً كبيرة في انتقاء الشعر الدالِّ على ما مرت به ربيعة وبطونها على مدى الأزمنة مراجعاً الكتب الكثير الكثير حتى كان (الاختيارات البديعة في نسب وأخبار ربيعة) اسماً على مسمى، واهتممت باستخراج الأدلة على مكانة العربي على مدى التاريخ وعلى علوِّ العربي واهتمامه بما يرفع الإنسان إلى أعلى الدرجات).
وفي مقدمة الكتاب إشارة مهمة إلى الفطرة النقية التي فُطر عليها العربي القديم والتي دفعته إلى التحلي بمكارم الأخلاق وعظائم الشمائل والسجايا والطباع، فدفعته إلى العناية برفع شأنه وشأن قبيلته، والابتعاد عن كل ما يدنسه ويدنسها، فجاء في إرهاصة الكتاب ما نصُّه: (منذ درج العربي على أرض الجزيرة العربية تمسَّك بمكارم الأخلاق، وعُني بما يرفع من مكانته في نظر قبيلته والقبائل الأخرى؛ حتى كانت مثل عليا تمسَّك بها كل عربي، وعيب على كل مَن تخلى عنها، ومن هذه المثل: الكرم، والشجاعة، وحماية الجار والدفاع عنه وبذل الغالي والنفيس من أجل حمايته، والدفاع عن الأعراض، واحترام المرأة وصيانتها، وصلة الرحم. وجاء الإسلام ليتمسك بالأخلاق العربية والنبيلة، ويمنع المسلمين مما يسيء للإنسان ويهبط به إلى الهاوية، فأمر المسلمين بتقوى الله وحماية الضعيف والرفق بالأرملة واليتيم والعناية بالطفل الصغير والعناية بالكبير، فكان الإنسان تهذيباً للأخلاق وارتفاعاً بها، فقال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13). وقال رسول الله صلى الله عليه وسيلم: (تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأجل، مرضاة للرب)، وقال: (إنما أُمرتُ أن أتمم مكارم الأخلاق)).
هذا، وقد استهل المؤلِّف - حفظه الله تعالى - مؤلَّفه بالحديث عن فضل النسب وأهميته، فقد قال أحمد بن عبد ربه صاحب (العقد الفريد) ما فحواه: (النسب هو سبب التعارف، وسلم إلى التواصل، به تتعارف الأرحام الواشجة، وعليه تحافظ الأواصر القريبة، فمن لم يعرف النسب لم يعرف الناس، ومن لم يعرف الناس لم يعد من الناس. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلَّموا النسب، ولا تكونوا كنبط السواء إذا سئل أحدهم عن أصله قال: من قرية كذا وكذا).
وقال الإمام القيرواني نقلاً عن الزبير بن بكار: إن العرب ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة. فحضر شعب، وربيعة شعب، وحمير شعب، وأشباههم، وإنما سميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، وسميت القبائل لأن العمائر تقابلت عليها. والشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل.
ويقرِّر المؤلف - حفظه الله - أن أي قبيلة من قبائل العرب في الزمن الحاضر تنتسب لأحد الأقسام الأربعة، وهي:
1 - ربيعة بن نزار.
2 - مضر بن نزار.
3 - حمير بن سبأ.
4 - كهلان بن سبأ.
والربيعة هي الحجر المرفوع، والربيعة أيضاً هي بيضة السلاح، وربيعة أحد جذمي الفرع العدناني من العرب، وسمي ربيعة الفرس لأنه أُعطي من مال أبيه الخيل، وأُعطي أخوه مضر الذهب، فسُمِّي مضر الحمراء، وإذا نسب واحد من ربيعة قيل: ربعي.
وتحت عنوان (مدح الرسول صلى الله عليه وسلم لربيعة) جاء ما نصُّه: (ما رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بعيرٍ فقال: (ما أشبه هذه العير بعير ربيعة، عرضتُ عليهم نفسي فأبوا ألا يقبلوني، لا تزال العرب بعزٍّ ما عزَّت ربيعة، اللهم أعززهم ولا تذللهم). وكذلك ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه قال: (أشباهنا من العرب بنو شيبان، لو كانوا قريباً منا ما عدلنا بهم أصهاراً)، وقال: (انتصفت العرب من العجم برجالٍ من بني شيبان، وبي نُصروا)، وكذلك ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه قال: (لا تسبُّوا ربيعة؛ فإن لله نبيين صالحاً وشعيباً).
واختيارات المؤلف الشعرية جميلة جداً، وقد حرص على تقصِّي الشاهد الشعري ما أمكنه ذلك، ولم يأتِ بالقصيدة كلها حرصاً منه على عدم إطالة الكتاب من غير فائدة، فركَّز جهوده على أبيات القصيدة الموافقة لمقال الكتاب، ومن ذلك تلك القصيدة الطويلة في الفخر بقبيلة ربيعة التي قالها الشاعر عبد الله بن ورقاء الشيباني التي هنَّأ فيها الأمير سيف الدولة بغزوة كان غزاها وفاخر فيها مضر بأيام بكر وتغلب في الجاهلية والإسلام، ومنها قوله يخاطب قبائل قيس عيلان من مضر:
أولئك قتالو الملك وتاركو
الروس من التيجان صفراً خواليا
ومستأسرو الأملاك حتى تكاملوا
فما منهم إلا الذي مات عانيا
وفيها يقول:
كذلك ما زالت رماح ربيعة
على مضر عند اللقاء أفاعيا
ومنها أيضاً في الإشادة بدور ربيعة في نصرة دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:
ألم تأتكم أنباؤنا يوم دغفل
وعنا نبي الله ردته راضيا
أجبنا رسول الله عند دعائه
بأحسن ما يلقى المجاوب داعيا
بذلنا له نصراً عليكم وكلكم
تبوَّأ منه بالشقاق تباريا
رددتم قبيحاً إذ دعاكم لنصره
فحُزْتم شنيعات الثنا والمساويا
وبعد، فخلاصة القول ونافلته هي أن هذا الكتاب يعتبر مصدراً أساسياً من مصادر استقراء نسب وأخبار قبيلة ربيعة؛ تلك القبيلة العريقة التليدة التي تتغلغل جذورها في أعماق التاريخ، ويظهر من خلالها ثقافة المؤلف زاده الله من مناهلها علماً وأدباً وأرباً؛ تلك الثقافة الموسوعية التي تتسم بالعلو والشمول والعمق، وتجمع من أخبار ربيعة الكثير الكثير، حتى إننا لو بحثنا عن هذه المعلومات والمعارف في كتاب آخر لرجعنا بخفي حنين.
حفظ الله الكتاب وكاتبه، ولا زال قلمه سيالاً معطاءً لا ينضب.
(1) الطبعة الأولى عام 2006م - 1426هـ، الدار العربية للموسوعات، بيروت، لبنان.