Wednesday 8th February,200612186العددالاربعاء 9 ,محرم 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

ليلى المستحيلة..! ليلى المستحيلة..!
إبراهيم بن عبد الرحمن التركي

(1)
** رُويَ أن (الفرزدق) وقف على (ذي الرُّمة - غيلان بن عقبة) وهو ينشد:
أمنزلتْي مي سلامٌ عليكما
على النأي والنائي يودُّ ويوضحُ
فسأل ذو الرمة الفرزدقَ:
كيف تسمع.. ؟
فأجابه:
أسمعُ حسناً
فقال ذو الرمة:
إذن.. مالي لا أُعدُّ في الفحول من الشعراء..؟
فردَّ (أبو فراس):
يمنعك من ذلك إكثارُك من ذكر الأبعار، والبكاء على الديار..!
(2)
** ليس مهماً التّحقيق في الحكاية أو التّدقيق في تفاصيلها، فسواءٌ أصحّتْ أم لم تصح فما نزال نذكر ونستذكر، ونبكي ونستبكي، ولا يفترقُ فينا تراثي عن حداثوي، وإسلاموي عن علمانوي؛ فالجميعُ يحنُّ إلى الأمس، ويفتِّش في الرّمس، ويقرأ الغائب بضمير الحاضر، ويسترجعُ الأيام الخوالي حيث توقفت اقتناعاته، أو وقفت به استمتاعاتُه..!
** هكذا يجيءُ منطوق الحكايةِ ليبقى مدلولُها شمولياً، فليس المهم أن نحفرَ في الصخر أو حتى نحرثَ في البحر وفقاً لما نريُده من الاستذكار أو الاعتبار بل الأهم هو الانتقال من الانفعال إلى الفعل، فلا بأسَ في (ذكر الأبعار والبكاء على الديار) إذا لم يمثِّلا نقطة الابتداء كما خط النهاية.. على حد سواء..!
(3)
** الإدارة بالأزمات Crisis Management منهجٌ مألوف تتبعه المنظمات مثلما الحكومات حين تجد نفسها في مواجهة موقفٍ طارئٍ يحتاج إلى معالجةٍ مختلفة تقفز فوق التراتبية النمطية والإجراءات البيروقراطية، وقد تتطلَّب صلاحيات استثنائية، وهي بهذا شبيهة بالموقف الانفعالي الذي يخلقه الطّلل في نفس العاشق فيئن ويحنّ، وقد يوقفُ عقارب الساعة ملتفتاً إلى الماضي، عازفاً عن الآتي، ثم ما يلبث أن يعود إلى حيث يسيرُ الزمن..!
(4)
** في اليقين الإيمانيّ لا يبقى بعد الوفاة سوى الصدقة الجارية، والعلم النافع، والولد الصالح، وفي الثلاثة فعلٌ يختلف عن الانفعال المقتصر على بكاءِ الطّلل..!
** وفي المفاهيم النفسيّة تفترق الملكية to have عن الكينونة to be، و(شيأنة) الشخص عن (شخصنة) الشيء.. وكذا اليقين والمفهوم لتتسع دائرةُ البحث عبر قراءةٍ متأنيةٍ لواقع الأمة المتعثِّر التي أحالتْ أوراقَها إلى محاور فرقةٍ بين سالٍ وغالٍ وقال، وفي كلِّها انفعالات تقف دون الفعل، أو تكتفي برد الفعل..!
** ولو أخذنا مثلاً من الواقعِ المعاش والمتغيِّر فإنَّ ملكية سيارة لشخص محدود الدخل تعني خروجها من الدائرة الشيئية إلى الدائرة الشخصية فترتبط - من ثَمَّ - بوجدانه، ولو فقدهَا لأطال النوحَ عليها، وهي ذاتُها لدى موسرٍ قطعة أثاث يسهلُ تعويضُها أو استبدالُها، وهنا يتخلََََّقُ شعورُ الشيئية هنا أمام الشخصية هناك، وهنا أيضاً يميّز الباكي على الأطلال من المتطلّع إلى الأجيال، وهو ما يعني - بكل وضوح - تجلية الفوارق بين باكٍ وشاك (منغلق).. وبين باحثٍ منطلق (منفتح)، أو هو الفرق بين الفقر والغنى وبين الانكفاء والارتقاء..!
(5)
** (جفري لانغ) أميركي وُلد مسيحياً، وأصبح ملحداً في (الثامنة عشرة) إذ كانت له رؤيةٌ مختلفة حول فكرة (الله) في النصرانية، ثم قرأ القرآن الكريم فوجد فيه إجابات وافيةً عن استفهاماته المعلَّقة فاعتنق الإسلام، وألَّف كتابين: (الصراع من أجل الإيمان: انطباعات أميركي اعتنق الإسلام) و(حتى الملائكة تسأل: رحلة إلى الإسلام في أميركا..) - لمزيد من القراءة حوله: صحيفة الحياة 7 - 1 - 2006م ص23-..
** السيد لانغ تطلّع إلى الحياة في بيئة إسلامية أو في (المدينة الفاضلة) - كما حلم -، وواتته الفرصة أستاذاً جامعياً في المملكة العربية السعودية، فأقام عاماً أحسَّ خلاله بالاختناق الروحي ونضوب الحيوية في إيمانه - كما نقل الكاتب عبد الرحمن حللي في الإحالة المشار إليها -..!
** ذكر جفري لانغ في تبريره أن الإسلام قد توقف عن أن يكون قوة للتغيير الشخصي، ووجد أن الحركة الدينية تتجه نحو ماضٍ مثالي مبني على تفسير لا يثق به، وقِيل إن أسئلته ستؤدي به إلى الابتداع والهرطقة.. وانتهى إلى مشكلة الخلط بين الإسلام وعادات الدعاة، أو بين الإسلام بوصفه ثقافة عالمية وبين الثقافات المحلية، وشِبْهُ ذلك الأمركة التي تريد العالم كلَّه أميركياً، والأسلمة التي تصوغُ الناس وفقَ توجهاتِها الإقليمية..!
** ليس (جفري لانغ) وحده، فالبكاءُ على الماضي العريق انفعالٌ لا يعني الفعل، وصبغُ الناس بلونٍ وفق تقاليدَ مختلفٍ حولها ممارسةٌ أبعدت الأدنين قبل الأقصين، وأوجدتْ فجوةً بين الباكي على الطّلل والباحث في الخلل..!
(6)
** يتحوَّل التاريخ لدى بعض المجتهدين إلى ملكية شخصية فيفصِّل حوادثه حسب قياساته، ويُؤوِّلُ مدلولاته وفقاً لرغباته، ويستقرئ انعكاساتها تبعاً لأدلجته..!
** تصبح ليلى بعضِنا غيرَ (ليلى قيس)، وليست (ليلى المريضة) في العراق.. أو هي باختصار غيرُ ليلى الناس.. فيزايد من استغرقه الوهم ليثبت أنها خليطٌ مزجي من (ديمي مور) و(برتني سييرز) و(شاكيرا) أي أنها فتاةُ كل الأزمنة والأمكنة والأذواق..!
** لنقل إنها (ليلى المستحيلة) التي أوقفت التاريخ في محطة الذكريات، وأضحت الأماكن القديمة والوجوه القديمة والتاريخ القديم أطلالاً تستدرُّ البكاء وحقُّها أن تلد الرثاء.. فمنْ يستهلكهُ الماضي لا ينتظرهُ الغد..!
(7)
** ليتنا نقتنع أننا لسنا الناس بل جزءاً من الناس، وأن في ابن عمنا وبني عدونا ضراغم وخضارم، وأن حبّ الذات لا يعني إلغاء الآخر، وأن بإمكان من يبكي واقفاً على (الرّسم) - كما نادى أبو نواس - أن يجلس دون أن يُضار..!
** فينا وفي غيرنا خيرٌ وشر، وعابدون لله ومفتونون بالوثن، ومنطلقون إلى الآتي وناكصون إلى الوراء..!
* الحياةُ حركة..!

E:Mail: IBRTURKIA@Hotmail. Com

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved