تقرأ الصحف المصرية.. تتابع القنوات الفضائية المصرية، يبدأ الصراع في داخلك هل تتحول عن المحطات، وتوقف مسلسل الحزن الذي يدمي القلب، أم تظل تتابع ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وتتابع ما ينتجه الإهمال والاستهتار والجشع.
مشاركة للحزن.. والبحث عن مزيد من المعلومات عن كارثة العبارة 98، ومصير الضحايا، فتزداد مساحة الألم وينتقل الأسى من القلب إلى العيون التي تدمع بسبب الإهمال، فالضحايا عانوا من إهمال القبطان والبحارة، وتعاني أسرهم من طول انتظار لمعرفة مصيرهم.
تتصفح الصحف المصرية، وتكتشف أن في كل محافظة.. ومديرية، وكثير من القرى مأتم وأحزان على فقد عدد من أبنائهم. تقرأ قصصاً تعصر قلبك حزناً، فهذا شاب ينتظره أهله بعد غربة أربع سنوات فيأتيهم خبر غرق العبّارة حيث أخبرهم بأنه سيأتي ممتطيها حاملاً الهدايا وتحويشة غربة أربع سنوات.. يذهب الأب والابن الآخر للبحث عن ابنهم، ممنين النفس بالعثور عليه ناجياً، يتنقلون بين سفاجا والغردقة بحثاً عن الابن أو جثته، يعييهم البحث فيتجهون إلى (ثلاجات الموتى) يسمونها في مصر (المشرحة) يذهبون إلى مشرحة الغردقة.. فلا يحصلون على خبر، يشدون الرحال إلى القاهرة إلى مشرحة زينهم، المشرحة الرئيسة في مصر حيث أرسلت إليها جثث الضحايا التي لم يتعرف عليها أهلها.. فلا يحصلون على جواب.. يقضون أيامهم في التنقل بين سفاجا والغردقة والقاهرة أكثر من ستمائة كيلومتر بحثاً عن جواب بلا جدوى فتزداد مساحة الألم.. ويتكثف الحزن.
هذه الصورة تكاد تكون لمئات الأسر والعوائل المصرية التي تبحث عن ضحاياها.
الكل حزين.. والكل يبحث والأجهزة تبذل جهوداً خارقة ولكن الارتباك وانعدام التنظيم.. وثورة الناس تجعل المأساة تكبر.. وتكبر، وكل هذا لعدم الاستعداد لمثل هذه الكوارث المتوقعة في ظل وجود عبارات قديمة مهترئة ظهرت عيوبها بعد وقوع الكارثة، وكان يفترض أن يكون هناك مركز لإدارة الكوارث والتعامل مع الحوادث خاصة في ميناء سفاجا الذي يستقبل ويرحل أكثر من مليون مسافر سنوياً من المواطنين المصريين سواء العاملين في المملكة العربية السعودية أو دول الخليج، أو الحجاج والمعتمرين المصريين، والذين تكرر تعرضهم للحوادث المهلكة.
ميناء يخدم هذا العدد الكبير كان يفترض أن يكون لدى إدارته أو الإدارة العامة للموانئ في مصر خطط جاهزة للطوارئ وللتعامل مع الأزمات والحوادث تساعد على تقليل الخسائر، وتريح الناس من التنقل بين المدن دون أن يحظوا بجواب مقنع مما يدفعهم إلى ارتكاب الأخطاء التي تزيد من حجم المأساة، فيقتحمون الميناء، ويحرقون المكاتب ويثيرون الفوضى التي تؤخر عمليات الانقاذ.
وإذا كنا نضع اللوم على العبَّارات وعلى الأطقم البحرية التي تسير هذه العبارات، فإن اللوم يطول المسؤولين عن الموانئ أولاً للسماح بمثل هذه العبَّارات بالعمل في موانئهم دون رقابة دورية.. ولأنهم لم يكونوا مستعدين لمثل هذه الكوارث رغم تكرارها..!!!
|