* طهران - أحمد مصطفى الخريف:
أثار موضوع تحويل ملف إيران إلى مجلس الأمن الكثير من التساؤلات في الساحة الإيرانية الداخلية والخارجية، ويأتي في مقدمة التساؤلات (هل فعلاً إيران تسعى لامتلاك القنبلة النووية؟) وفي محاولة لتفكيك ذلك الجواب نلاحظ أن الإيرانيين قد حاولوا في تلك الفترة إخفاء بعض المعلومات المتعلقة ببرنامجهم النووي عن المراقبين الدوليين التابعين للوكالة الدولية. وقد جاء تحرك المراقبين إثر تلقيهم معلومات من المعارضة الإيرانية في الخارج على وجود مواقع نووية سرية، وبالفعل فقد عثرت الوكالة على مواقع نووية لم تفصح عنها طهران تعمل بالماء الثقيل في محافظة اراك وغيرها، كما قامت طهران بتدمير موقع (لويزان) للأبحاث النووية وقد كان مخصصاً للشؤون النووية، إضافة إلى ذلك فإن طهران كانت قد منعت لجان التفتيش من زيارات مواقع عسكرية مثل (بارجين) و(اراك) ومجمع (نطنز) ويشرف الحرس الثوري على تلك المواقع التي وضعت تحت حراسات أمنية متشددة ونصبت الكاميرات الإيرانية المخصصة للمراقبة، إضافة إلى أنها جهزت بمنظومة دفاعية إلكترونية.
إن هذه المقدمات توضح أنه ثمة اختراقات إيرانية في مراحل البرنامج النووي وفي وقتها اعترفت طهران وعلى لسان حسن روحاني بتلك الاختراقات، وأما الاختراق الإيراني الآخر فهو اكتشاف المفتشين الدوليين عمليات تلوث في أجهزة الطرد المركزي وفي وقتها ألقت طهران باللائمة على باكستان، حيث أوضحت للوكالة الدولية أن ذلك التلوث يعود إلى الأجهزة التي تم استيرادها من باكستان. ومن الواضح أن العالم الباكستاني النووي كان يمد طهران بمعلومات نووية ثمينة، وفي مقابل تلك الاختراقات حاولت الدول الغربية تحويل ملف إيران إلى مجلس الأمن ظناً منها أن تلك المؤسسة ستتمكن من نزع المعلومات الخفية من قلب طهران، لأن مجلس الأمن يمتلك سطوة أقوى من الكلمات المعسولة للأوروبيين والتي أغدقوا بها على الجانب الإيراني طيلة العامين من المباحثات، ويبدو أن الغرب يهدف من وراء تحويل ملف إيران إلى مجلس الأمن إلى تقليص مساحات المناورة للإيرانيين ووضعهم في زاوية وتضييق الخناق الدبلوماسي عليهم.
الجانب الإيراني غير مرتاح لتلك الخطوة وهو يعتقد أن الغرب سيدفع الثمن غالياً لأنه غرس الخنجر بظهره من الخلف، وإزاء هذه التطور فإن طهران لا تملك خياراً إلا الخيار الليبي في تقطيع وتفكيك برنامجها وتسليمه بالكراتين إلى الغرب، أو خيار المقاومة، حيث النموذج الصدامي، ويلاحظ من الواقع الإيراني والتصريحات التي صدرت من الساسة الإيرانيين وعلى رأسهم الرئيس أحمدي نجاد فإن طهران ستواصل طريق المقاومة وهي قد اختارت النموذج الصدامي في المقاومة للغرب، ولأجل أن تسير على هدي ذلك الطريق صرح اليوم علي لاريجاني بأن بلاده ستقوم باستئناف التخصيب في الأيام القادمة وهو أولى خطوات طريق التصادم مع الغرب، كما أعلن لاريجاني أن الذين خططوا لإحالة ملف إيران سيدفعون الثمن، وقبل ذلك خرج الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ببيان من ثماني نقاط يوضح أن طهران ستقوم باستئناف عمليات التخصيب في الأيام المقبلة، وبموازاة ذلك تحركت طهران ميدانياً، حيث دشنت منظومة خاصة لإطلاق صواريخ من الكتف وحصنت مواقعها الدفاعية تحسباً لأي ضربة جوية أمريكية أو إسرائيلية. إن التحرك الدبلوماسي والميداني لإيران يأتي لاحتواء العاصفة الدولية الجديدة وينبئ عن خفايا إيرانية، ومثلما أرادت القرارات الدولية تطويق النوايا الإيرانية في إقامة برنامج نووي لا تعرف أسراره وغاياته فإن الإيرانيين وبعد وصولهم إلى يقين أهداف الغرب راحوا يبعثون برسائل التمرد على القوانين الدولية، ولأنهم لا يريدون إيجاد المواجهة الحقيقية وجهاً لوجه في مقطع زمني حساس فإنهم بدؤوا السير باستراتيجية خفية وهي التظاهر بدبلوماسية الحوار مع الغرب مع المضي قدماً في السير في المشروع النووي، وقد تنجح طهران في تلك الاستراتيجية المخيفة للجيران لكن على طهران أن تعلم أن آذان الغرب وأجهزته الإلكترونية قد وضعت طهران ومواقعها النووية في مربع المراقبة الشديدة، وأن المساعي السرية قد تنجح في قطع خطوات لكنها بالتأكيد لن تصل إلى الأهداف المرسومة، وأن الابتعاد عن إنتاج الأسلحة النووية وإبعاد منطقة الخليج العربي من أسلحة التدمير الشامل هو هدف خليجي قبل أن يكون هدفاً غربياً أو أمريكياً، وأن التفوق لأي دولة في امتلاك ذلك السلاح من شأنه أن يعقد منظومة التوازن التسليحي في المنطقة. إن طهران بحاجة إلى إعادة للنظر في سلوكها الدبلوماسي الجديد وان الركون إلى الأسلوب الخاتمي قد يجنبها الكثير من الأزمات الدولية والإقليمية، وإذا كنا ننشد التوافق والسلام فعلينا أن نتخلى عن (البعبع النووي) الذي كان يروج له صدام فلن ينفعه ولن ينفع إسرائيل التي بدأت تعيش التقهقر أمام حجارة المجاهدين.
|