من يستعرض ما كُتب عن المقاطعة الاقتصادية للدنمارك والنرويج وفرنسا ونيوزلندا وإسبانيا يجد فريقاً يطالب من يدعو للمقاطعة بضرورة عدم إغفال الاعتبارات الاقتصادية، وأنه هناك مَن سيتضرر داخل الدول الإسلامية جراء ذلك، وآخرون يقولون: إن الخسائر المحتملة تضحية لا بد من تقديمها فداءً لأعظم رجل عرفته البشرية وأعظم رمز من رموزها.
والإشكالية في هذا الطرح قديمة، تظهر أحياناً وتخبو أحياناً أخرى، فمشكلة كثير من الاقتصاديين والمهتمين به أنهم مأسورون بأطر التحليل الاقتصادي الغربي، وبالتحديد الرأسمالي الذي يجعل السعي لتحقيق المنفعة الشخصية في إطار زمني محدود - هو هذه الدنيا - محور الاهتمام، وأن لا اعتبار للأمور المعنوية والروحية إلا إذا كانت خادمة لتحقيق المنفعة الشخصية، فانحسرت بذلك قيم الإيثار وحب الآخرين والإنفاق في وجوه الخير إلا إذا كان ذلك يشعر الشخص بالسعادة ويوفر له قدراً من الإحساس بالرضا والراحة النفسية، أو يوفر له شيئاً مادياً يمكن أن يستفيد منه مثل التجنب الضريبي، أو معنوياً مثل سمعة جيدة أو بناء قدر معين من المصداقية والثقة يمكن استثماره مستقبلاً، وكل ذلك في هذه الحياة.
وبالتالي فإن الاقتصاد الرأسمالي حصر نفسه في نطاق ضيق جداً محدود لا يرى تأثيراً إلا للماديات ولا اعتبار إلا لها أو ما يؤثر فيها بشكل مباشر وواضح وملموس وفي إطار زمني قصير جداً أقرَّ منظِّروه قبل غيرهم بذلك.
وما دمنا في عصر العولمة فلا مانع من استخدام هذه الأطر على الرغم من الاختلاف الواضح والصريح بينها وبين أسس وأطر الاقتصاد الإسلامي، فالأخير لا يقصر العوامل المؤثرة في القرارات الاقتصادية في تلك التي تجلب له منفعة حسية في الحياة الدنيا فقط، بل يضيف بعداً زمنياً آخر هو الحياة الآخرة ويعطي لها وزنا نسبياً أكبر بكثير مما يعطيه للحياة الدنيا، وبالتالي فإن حساب الربح والخسارة يتم في فضاء واسع جداً، ولا معنى - لدى المسلم - لتأطيره ضمن أطر الاقتصاد الرأسمالي.
ثم إن المسلم يدرك أن ما قد يُعتبر بالمعايير الرأسمالية خسارة هو مكسب، وما قد يعد مكسباً هو خسارة. وقد وضع هذه الأسس القرآن الكريم والسنة الشريفة، قال تعالى: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} (البقرة: 276)، وفي الحديث الشريف: (ما نقص مال من صدقة، بل تزده). وإذا آمنا بأسس الاقتصاد الرأسمالي فقط فالربا هو نماء المال، والصدقة نقصان منه.
ومبادئ الاقتصاد الإسلامي تركز على هذا الجانب بشدة، وهناك العديد من السلوكيات التي نصَّ عليها الشارع ويصدقها الواقع جالبة للرزق، وأخرى تنفيه، وثالثة تجلب البركة مع قلته الحسية، ورابعة تمحقها مع كثرته الحسية أيضاً.
والشاهد هنا هو أننا عند تحليلنا لقضايانا ومشكلاتنا الاقتصادية ينبغي ألا نستصحب فقط أسس ومبادئ وأطر الاقتصاد الرأسمالي، بل لا بد من التعويل على الاقتصاد الإسلامي؛ حتى تصبح الصورة أكثر اكتمالاً.
|