Wednesday 8th February,200612186العددالاربعاء 9 ,محرم 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

دفق قلم دفق قلم
قوَّة الضعف وضعف القوَّة
عبدالرحمن صالح العشماوي

للقوة والضعف جانبان، ظاهرٌ وخفيٌّ، ولكل جانب منهما تأثير في الآخر، وإن كان أثر الجانب الخفي منهما أكبر وأعمق، إن القوة الظاهرة لا تساوي شيئاً أمام القوَّة الخفيَّة، فقوُّة البدن لا تفيد صاحبها إذا كان ضعيف القلب والروح، لأنَّ العزيمة والإقدام والصبر، مرهونة بقوة القلب والروح، أما البدن فهو قوَّة رديفة تنفع صاحب العزيمة، ولا تنفع صاحب الضعف القلبي والروحي.
حينما تحرَّكت الجيوش الإسلامية المهتدية بدين الله من الجزيرة العربية إلى الشام والعراق حيث تسيطر أعظم القوى الظاهرية البشرية، القوة الرومانية، والقوة الفارسية، كانت عِبارات بعض ملوك القوتين العظيمتين وقوادهما تشير إلى احتقار هذه الجيوش الضعيفة في مظهرها عدداً وعُدَّةً وتنظيماً وخبرةً في القتال المنظَّم، لأنهم كانوا يقيسون هذا المظهر الضعيف، بالمظهر القوي لجيشي فارس والروم، بما لهما من العدد والعُدَّة والنظام والخبرة الطويلة في القتال المنظَّم، وفي إعداد الجيوش القويَّة القادرة على المواجهة والاقتحام فضلاً عن الدِّفاع والمقاومة. سمعنا منهم عبارات: (هؤلاء البدو الرحَّل) (هؤلاء الأعراب) (هؤلاء الجائعون) (هذه الشراذم من أجلاف العرب).
ورأينا رستم يقول لبعض الصحابة الذين جاؤوا إليه رسلاً لقائد المسلمين: سنعطيكم ما يكفيكم من الطعام والكساء والمال وتعودون إلى أهلكم ونعدكم ألا ينالكم منَّا سوء.
كل هذه العبارات تؤكد أن أولئك الملوك والقواد كانوا ينظرون إلى الأمور بمنظار المظهر الخارجي للقوة، وكانوا يحكمون عليها وعلى نتائجها بذلك، ولكنهم كانوا غافلين - بسبب المكابرة والغرور - عن القوَّة الأهم في مثل هذه الأمور ألا وهي (قوَّة القلب والروح).
وكانت النتيجة الانهيار المستمر للقوة المظهرية لأنها لم تكن مدعومة بالقوة الخفيَّة، فالدولتان الكبيرتان كانتا تعانيان من الفراغ الروحي، ومن مظاهر الترف واللهو والمجون والمتعة العابرة ما كان يؤكد أن قوة القلب والروح ضعيفة، وهنا يكمن سر الهزيمة.
وقد لخَّص ذلك أحد قوَّادهم حينما سأله الملك قائلاً: كيف يهزمونكم وهم أقل منكم عدداً وعدَّةً وخبرةً في القتال؟ فقال: لقد لقينا قوماً يحرصون على الموت أكثر من حرصنا على الحياة. وهنا تكمن القوة الحقيقية التي لا يمكن أن تُقهر أبداً، وهي القوة التي غرسها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه.
حتى في مجال الأشخاص، لا يمكن أن يكون الجسم وقوَّته، أو المال وكثرته هي المقياس الحقيقي لمكانة الشخص وقيمته وقدرته، فكم من غني لا مكانة له لأنه بخيل، في قلبه ضعف عن احتمال مواقف الجود والكرم، وكم من قوي الجسم عريض المنكبين لا يهابه أحد، لأنه ضعيف القلب جبان، لايملك عزيمةً ولا جسارةً. وهكذا يصدق هذا القول على مظاهر القوى البشرية جميعاً، وليس هنالك أشدَّ فَتْكاً بالقوة الظاهرة من فراغ الروح وخُواء القلب، وسوء النية، وفساد العمل الذي يتبع ذلك.
إنَّ قوة الروح هي التي تجعل الإنسان مهاباً مهما كان ضعيف الجسم، قليل المال.
إشارة:


ربِّ زدني على اليقين ثباتاً
وسموَّاً في سر قلبي وجهري

www.awfaz.com

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved