Wednesday 8th February,200612186العددالاربعاء 9 ,محرم 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

يارا يارا
المشروع النهضوي
عبد الله بن بخيت

من أسوأ الكلمات الرنانة التي سمعتها في حياتي كلمة (المشروع النهضوي). هذه الكلمة أو المصطلح تمتلك مفعول السحر لتمييع أي تقدُّم قد يقترب من الأمة العربية. لا أتذكر متى سمعت بها، ولكني لا أنسى أبداً إعجابي بها في فترة الحداثة التي جالت في الثمانينيات. بعد كل هذه السنين تعلَّمت أن هذه الكلمة تعني أن يجتمع عدد كبير من المثقفين: كاتب قصة، وناقد، وكاتب مسرح، وكاتب جرائد، وأي كاتب آخر لا علاقة له بالعمل على أرض الواقع (كما يحدث في الحوار الوطني)، ثم يتداولون هموم الأوطان وشجونها. وبعد عدة أيام حامية يتجادلون فيها عن رفاعة الطهطاوي وطه حسين ومحمد علي ومطبعة نابليون في مصر تأتي التوصيات من شقين: الأول في مديح الماضي المأمون والترجمة والرازي وابن خلدون وبغداد والأندلس.. إلخ، والثاني في مديح أوروبا واليابان وعصر النهضة والديمقراطية وأخيراً ماليزيا. وبعد هذا البيان المرستك يعودون إلى جرائدهم يشكرون اللجنة المنظمة والبلد المضيف والفندق وأنواع العصائر والمشروبات الغازية مع مقالات مفصَّلة عن علاقة المثقف بالسلطة وغياب الديمقراطية ومهاتير محمد والنسق الاجتماعي والمرأة.. وهكذا، إلى أن يجتمع عدد من المقالات يُصدر في مؤلفات بعناوين: المرأة والحراك الثقافي، محمد علي والمشروع النهضوي، المثقف ودوره في التنمية، نحن والآخر.. وهكذا، في دورة متكاملة بدأت منذ ما يزيد على خمسين سنة وما زالت، بل توسعت مع التطور التقني لتشمل البرامج الحوارية في الفضائيات؛ حتى صار لها مذيعون معروفون؛ هذا ميوله إسلامية، وهذا ميوله حداثية، والآخر ميوله عروبية. نفس الكلام الذي يُقال مع المذيع الإسلاموي يردِّده المذيع العروبي ولا يفوت المذيع المتمركن، حتى إن ملاك الفضائيات ألغوا فكرة استئجار مذيعين محترفين وراحوا يتعاقدون مع أصحاب الشأن (من صحافيين ودعاة وإخوانيين) ليقوموا بدور المذيعين على قاعدة: (أهل مكة أدرى بشعابها).
لو سألت رجلاً عادياً في الشارع: ما التنمية؟ لما قال أكثر من أنها تعليم وصحة وبنية تحتية واقتصاد جيد.. إلخ. أشياء لا علاقة لها بالطهطاوي والمأمون ونابليون ومارتين لوثر والنسق.. إلى آخر الطهبلات الثقافية.
على مدى سنوات قرأت حوارات ومناقشات عن كتابة الأرقام. هناك مَن يقول: إن الرسم الذي نكتب به الأرقام الآن هو هندي، بينما الرسم العربي هو ما يستخدمه الغرب، وصاحب هذا الرأي لديه عدد كبير من الأدلة الدامغة، ثم يأتي صاحب الرأي المخالف ويؤكد بما لا يقبل الجدل أن الرسم الذي نستخدمه الآن هو الرسم العربي ويسرد عدداً لا حصر له من الأدلة والبراهين. الشيء الذي يميز هذا الجدل أن كلا الطرفين لا علاقة لهما بصناعة الأرقام أو استخداماتها وأثرها في الاقتصاد. الأول مؤرخ أو كاتب زاوية في جريدة، والثاني داعية أو شاعر. (طبعاً) كلاهما من أنشط المساهمين في المشروع التنموي. سمعت هذا الجدل عشرات المرات، ولكني لم أتبيَّن حتى الآن لماذا نريد أن نعرف أن هذا الرسم هو العربي والآخر هندي أو العكس. لم ألاحظ حتى الآن أن أصحاب الشأن ممن يهمهم هذا الأمر سواء على المستوى المهني أو على المستوى الاقتصادي قد ناقشوا هذا الموضوع لا بهدف إثبات عروبته، وإنما بهدف الاستمرار في استخدام الرسم الحالي أو استبدال الرسم الآخر به حسب ما تقرِّره المصلحة لا الأيدلوجيات. أنا على ثقة لو أن وزارة التربية أعلنت أنها بصدد دراسة إمكانية تغيير الأرقام لهبَّت عاصفة لا تُبقي ولا تذر لتعود بنا إلى المأمون ورفاعة الطهطاوي والنسق والحراك الثقافي.. إلخ. والدليل على ذلك مسألة مادة التربية البدنية في مدارس البنات، ما علاقة فتاة تركض أو تتقافز بالدين أو الأيدلوجيا أو الفكر، مثل هذا الموضوع يقرِّره التربوي فقط.
هناك قدرة عجيبة على نقل القضايا العملية وتحويلها إلى قضايا أيدلوجية وثقافية. أكثر من 90% من المسائل التي تتصل بالتنمية هي من اختصاص المحترفين: المهندسين والتربويين والأطباء.. إلخ، ومع الأسف فإن آخر مَن يُستشار فيها هم هؤلاء.

فاكس: 4702164

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved