|
|
انت في |
من أسوأ الكلمات الرنانة التي سمعتها في حياتي كلمة (المشروع النهضوي). هذه الكلمة أو المصطلح تمتلك مفعول السحر لتمييع أي تقدُّم قد يقترب من الأمة العربية. لا أتذكر متى سمعت بها، ولكني لا أنسى أبداً إعجابي بها في فترة الحداثة التي جالت في الثمانينيات. بعد كل هذه السنين تعلَّمت أن هذه الكلمة تعني أن يجتمع عدد كبير من المثقفين: كاتب قصة، وناقد، وكاتب مسرح، وكاتب جرائد، وأي كاتب آخر لا علاقة له بالعمل على أرض الواقع (كما يحدث في الحوار الوطني)، ثم يتداولون هموم الأوطان وشجونها. وبعد عدة أيام حامية يتجادلون فيها عن رفاعة الطهطاوي وطه حسين ومحمد علي ومطبعة نابليون في مصر تأتي التوصيات من شقين: الأول في مديح الماضي المأمون والترجمة والرازي وابن خلدون وبغداد والأندلس.. إلخ، والثاني في مديح أوروبا واليابان وعصر النهضة والديمقراطية وأخيراً ماليزيا. وبعد هذا البيان المرستك يعودون إلى جرائدهم يشكرون اللجنة المنظمة والبلد المضيف والفندق وأنواع العصائر والمشروبات الغازية مع مقالات مفصَّلة عن علاقة المثقف بالسلطة وغياب الديمقراطية ومهاتير محمد والنسق الاجتماعي والمرأة.. وهكذا، إلى أن يجتمع عدد من المقالات يُصدر في مؤلفات بعناوين: المرأة والحراك الثقافي، محمد علي والمشروع النهضوي، المثقف ودوره في التنمية، نحن والآخر.. وهكذا، في دورة متكاملة بدأت منذ ما يزيد على خمسين سنة وما زالت، بل توسعت مع التطور التقني لتشمل البرامج الحوارية في الفضائيات؛ حتى صار لها مذيعون معروفون؛ هذا ميوله إسلامية، وهذا ميوله حداثية، والآخر ميوله عروبية. نفس الكلام الذي يُقال مع المذيع الإسلاموي يردِّده المذيع العروبي ولا يفوت المذيع المتمركن، حتى إن ملاك الفضائيات ألغوا فكرة استئجار مذيعين محترفين وراحوا يتعاقدون مع أصحاب الشأن (من صحافيين ودعاة وإخوانيين) ليقوموا بدور المذيعين على قاعدة: (أهل مكة أدرى بشعابها). |
![]()
[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة] |