Wednesday 8th February,200612186العددالاربعاء 9 ,محرم 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

أنت أنت
المشاركة السياسية السعودية سر النهضة
عبدالمحسن بن عبدالله الماضي

تقف بعض النخب العربية اليوم على طرفي النقيض حيال الدين وموقعه من النهضة الحضارية.. فمنهم من يرى: أنه لا نهضة إلا بفصل الدين عن الدولة.. أي تبني المنهج العلماني بكل تفاصيله.. ومنهم من يقول بأنه لا نهضة إلا بالعودة إلى الدين الإسلامي السلفي الذي صلحت به حال الأمة في قرونها الأولى.
والمجتمعات العربية تقف حيال ذلك في حيرة من أمرها بدرجات متفاوتة من بلد عربي لآخر.. ذلك أن كلا الفريقين يستند إلى نتائج تجربتين أحدثتا قفزات حضارية باهرة رغم تناقضهما.. إحداهما انطلقت بالتمسك بالدين.. والأخرى انطلقت بالتخلي عنه.
نعم، ففي التجربة الأولى تحول العرب باعتناقهم الدين الإسلامي وتمسكهم به من قبائل مشتتة ومتناحرة يخضع بعضها للفرس والآخر للروم ولا تمتلك أي مشروع حضاري.. إلى أمة ذات رسالة توحدت بفضلها وحملتها إلى كل أصقاع العالم في فترة وجيزة وقياسية.. حاملة مشروعاً حضارياً لخصه ربعي بن عامر وهو يقف أمام كسرى الفرس قائلاً: (جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.. ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.. ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام).
وفي التجربة الثانية انطلقت الحضارة الغربية حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن بعد أن أقصت الدين المسيحي عن حياتها وقصرته على الكنيسة.. وتبنت المنهج العلماني في إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتزداد المشكلة أمام الشعوب والمجتمعات الإسلامية تعقيداً عندما ترى أن من طبق كلتا الوصفتين من الدول الإسلامية النامية لم يحقق أي نهضة حضارية تذكر.. فهذه تونس التي طبقت العلمانية لم تحقق النهضة الحضارية المنشودة.. وهذه إيران التي تبنت الدين الإسلامي لم تفلح في تحقيقها أيضاً.
إذاً هناك سر للنهضة الحضارية يكمن في الفكرين الديني والعلماني.. إذا تمت معرفته وتطبيقه انطلقت المسيرة الحضارية نحو الأمام دون توقف حتى يتم التخلي عنه لسبب أو لآخر، فما هو ذلك السر؟.
السر يمكن معرفته بسهولة إذا أمعنا النظر في ما قامت عليه النهضة الحضارية الإسلامية وفي ما قامت عليه النهضة الحضارية الغريبة بعد عصور التخلف والانحطاط التي عاشتها شعوبها.. نعم، لقد قامتا على سر واحد رغم اختلاف المصدر.. ففي النهضة الإسلامية كان مصدر هذا السر هو الدين الإسلامي بتعاليمه وقيّمه وحدوده.. سر أهداه الله للمسلمين دون معاناة للتوصل إليه.. وفي النهضة الغربية كان مصدر هذا السر التراكم المعرفي الإنساني بعد طول معاناة وبفعل التجربة والخطأ.
السر باختصار هو القيّم الإنسانية ومفاهيمها السليمة التي أقرها الله في دينه وتمسك بها المسلمون في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ثم عهد الخلافة الراشدة وانطلقوا بها للعالم.. كما أقرها النظام الغربي بعد طول ليل ومعاناة غطت العصور الوسطى كلها.. لينطلق منها نمو حضارة هي محط أعجاب العالم.
القيّم الإنسانية ومفاهيمها السليمة القائمة على الحرية والمساواة والعدالة والشورى واحترام الآخر والتعايش معه والإيثار والمسؤولية والنصيحة والإنتاجية والحب والعطاء والرحمة والتسامح والثقة والتفكير و.. و.. إلى آخر ما هناك من القيّم التي تنضح بالإنسانية لتشكل بيئة خصبة ومناخاً إيجابياً للنهضة والتقدم.
نعم، إن ما نراه اليوم من حرية في اختيار الحكومات والتعبير عن الفكر والرأي.. ومن مساواة بين المواطنين دون تمييز مذهبي أو عرقي أو طائفي.. ومن تعايش بين مختلف فئات المجتمع، وعدالة في توزيع الثروة في بعض الدول الغربية ليذكرنا بأيام الخلفاء الراشدين ومن بعدهم الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز.. حتى بات الكثير من المسلمين يقولون كما قال الشيخ محمد عبده: (نرى الإسلام في الغرب ونرى المسلمين في الشرق).
إذاً المضمون وليس المسمى هو الأهم.. فأي دين مفرغ من القيّم الإنسانية التي وهبها الله للمسملين هو دين مزيف بلا مضمون.. وعلمانية مفرغة من القيّم الإنسانية التي توصل إليها الإنسان الغربي بالتجربة هي علمانية شكلية بلا مضمون.. وهذا سبب فشل التجربتين الإيرانية والتونسية على سبيل المثال لا الحصر.
وختاماً أقول إنني من أنصار العودة إلى القيّم الإنسانية الإسلامية التي منحنا الله إياها وجعلها عبادة لنا نتقرب إليه بها (وهذا سبب تفضيلها) بالعدل والمساواة وضمان الحريات كما قال الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولته المشهورة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟).. أما الدين الموظف في خدمة غير الله فهو دين فارغ من محتواه لا ينهض بأمة بل يكون وبالاً عليها.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved