Wednesday 8th February,200612186العددالاربعاء 9 ,محرم 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الاخيــرة"

رحلة ملك (5) رحلة ملك (5)
بقلم: خالد المالك

  منذ انتهاء الحرب الباردة، وسقوط الشيوعية، وتسابق الدول للانضمام إلى منظمة التجارة الدولية، كان من الواضح أنَّ دولاً في آسيا وتحديداً - الصين والهند وماليزيا - وهي الدول التي زارها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، تتجه لهيكلة اقتصادها، والدخول منافساً قوياً للدول الغربية التي تمثل القوة الضاربة في اقتصاديات العالم، وما الصعود القوي الذي ينذر بأخذ دول الشرق لمواقع متقدمة في منظومة الدول الصناعية في العالم، إلا بمثابة التأكيد على أن هذه الدول الآسيوية قد اختارت الطريق الأمثل للوصول إلى هذا المستوى المتقدم.
والملك عبدالله حين بدأ بالصين، فهو قد اختار أن تكون شراكته، ومستقبل بلاده، في رهان مع مَنْ هو على يقين بأن دولة اقتصادية بحجم القوة الضاربة في الصين، سوف يساعد الاحتكاك بها والتعاون معها على إثراء التنمية في بلادنا، بما يؤهلها لاحقاً في توظيف إمكاناتها الطبيعية والبشرية في خدمة التنمية، وبناء مستقبل بلادنا وفق المنظور الذي يمثل هاجس الرجل الكبير وأعني به عبدالله بن عبدالعزيز.
فالصين ذات الكثافة السكانية العالية التي يزيد عدد مواطنيها على المليار وثلاثمائة مليون نسمة كأكثر الدول في العالم سكاناً، بنمو سنوي يزيد على الواحد بالمائة، على أرض تزيد مساحتها على مساحة الولايات المتحدة الأمريكية، ويدافع عنها ويحميها جيش قوي يبلغ تعداده أكثر من مليوني رجل، هي الصين بحضارتها المتقدمة وفي فلاسفتها الكبار (لاوتسي وكونفوشيوش ومنشيوس) وبما تتميز به منذ القدم من فنون الرسم والنحت والشعر، فضلاً عن أنها الدولة التي ابتكرت للعالم الطباعة لأول مرة، بمعنى أن خادم الحرمين الشريفين حين قصدها فهو قد تعمد أن يقيم أقوى العلاقات مع دولة يُعتمد عليها ويُطمأن على أنَّ مستقبل العلاقات معها مُجْدٍ ومفيد.
والصين بقفزتها العظيمة إلى الأمام، ودخولها ضمن الدول المنتجة للقنبلة الذرية منذ أربعين عاماً، وتخليها عن كثير من الأفكار والثقافات القديمة، إلى جانب تعافيها من تداعيات الثورة الثقافية التي قادها الزعيم الصيني الأشهر ماو، وكادت تلحق بها أكبر كارثة اقتصادية، لولا أنها تداركت الأمر في اللحظات القاتلة، تبدو الصين وهي بهذه الصورة العملاقة، محل الاهتمام والمراقبة من جميع دول العالم وليس من المملكة فقط، ولهذا فإن اختيار الملك عبدالله في بداية عهده لهذه الدولة زائراً لها لتوسيع آفاق التعاون لم يأتِ من فراغ، ولم يكن لعامل الصدفة دور أو دخل بالترتيب الجميل لهذه الزيارة أو بما تمخضت عنها من نتائج.
ولو لم تكن الصين بهذا الحضور الاقتصادي والسياسي والعسكري، ما كانت الولايات المتحدة لتقوم منذ عهد الرئيس نيكسون في العام 1972م بخطوات متسارعة لتحسين علاقاتها معها، والتخلي عن مبدأ الاحتواء الذي كانت تنتهجه تجاه هذه الدولة، بدءاً من زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق لها، مروراً بالاعتراف رسمياً بالصين الشعبية باعتبارها الحكومة الوحيدة، وانتهاءً بقبولها في عضوية الأمم المتحدة بموافقة الولايات المتحدة الأمريكية بديلاً عن تايوان، كما أن الصين ما كنت لتصل إلى ما وصلت إليه لولا الإصلاحات الكبيرة التي تمت في أعقاب وفاة ماوتسي تونج، حيث جاء استخدام تجارب الغرب وأساليبه في الإدارة على حساب التعليمات الماركسية، التي يتحدث الصينيون الآن بالقول إنها أخرت عملية التحديث والتطور التي تشهدها البلاد الآن، ولعل هذه المعطيات هي التي أوحت للملك عبدالله ليقوم بالزيارة الثانية له لهذا البلد العظيم، بهدف مواكبة النمو الذي تمر به خطوط التنمية والتعرف عليه والإفادة منه، من خلال اتفاقيات وقّع بعضها خلال هذه الزيارة، وقد تقود إلى مزيد من الفرص الثنائية المفيدة للبلدين في المستقبل القريب.
إن زيارة الملك عبدالله للصين الشعبية التي تحتل عشرين بالمائة من مساحة آسيا، ليست زيارة لدولة تقع في شرق آسيا على ساحل المحيط الهادئ كأي دولة وحسب، ولكنها زيارة ملكية لأكبر دول العالم في عدد السكان على أساس أن عشرين بالمائة من سكان الكرة الأرضية يعيشون بالصين، إلى جانب أنها ثالث دولة في المساحة، حيث لا يفوقها مساحة سوى روسيا وكندا، فكيف بنا وهي كذلك إذا علمنا أن هذه الدولة تتمتع بأعرق الحضارات في العالم باعتبار أن الصينيين أول من طوّر البوصلة وورق الكتابة والخزف الصيني والملابس الحريرية وحرفة الرسم والنحت وغيرها مما يظهره الصينيون ضمن تحيزهم لحضارتهم التي يقولون: إنها تمتد لأكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة.
ولعل انتهاج الصين لسياسة الانفتاح والإصلاح، هو ما أوحى للملك عبدالله للإسراع في القيام بهذه الزيارة، والاتفاق مع قادتها في تسريع التوجه المتفق عليه للتعاون بين الدولتين في كل المجالات الاقتصادية والسياسية، وفي جميع ما يقود إلى رفع سقف هذا التعاون، وصولاً إلى ما يحقق الرفاهية والمصلحة المشتركة بين بلدينا.

وغداً نواصل الحديث

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved