Wednesday 8th February,200612186العددالاربعاء 9 ,محرم 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الرأي"

في خاطري شيء في خاطري شيء
الهجرة النبوية المجيدة
مالك ناصر درار / جدة

الإنسان حين لم يجد دولة تحميه يبحث عمن يؤمن له الحماية، وقد وجد عرب الجاهلية أنفسهم أمام استعمال للقوة حتى قال شاعرهم وحكيم العرب زهير بن أبي سلمى:


ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

أما عمرو بن كلثوم فيصور النزعة العدوانية، بل واقع الجاهلية إذ يقول:


لنا الدنيا ومن أمسى عليها
ونبطش حين نبطش قادرينا
بغاة ظالمينا وما ظلمنا
ولكنا سنبدأ ظالمينا

ومن هذا الواقع الصعب، حيث لا دولة ولا رادع، والسيادة والكلمة للأقوى، لذا رأينا السلب والعدوان والغزو، تشتعل الحروب لأتفه سبب، ومن هنا اقتضت الحياة وجود حليف، للوقوف في وجه عدو قوي، والويل للضعيف الذي لا يقدر على حماية نفسه، وليس له حليف قوي يسنده، لذا كانت القبيلة هي الوحدة السياسية والاجتماعية في الحياة الجاهلية، وكان الولاء الكبير لها، ولعل من المفيد الإشارة لتكوين القبيلة، ومن يلوذ بها، فهي تتكون عادة من ثلاث طبقات.
1- طبقة الصرحاء: وهم في العادة ممن ينتسب إلى القبيلة، وهم عصبها، ولهم كافة الوظائف الهامة، وكافة الحقوق والامتيازات، كالاشتراك، في المداولات، واقتناء الرقيق، وحماية الموالي، والاشتراك في الغنائم، والترشيح لعضوية مجلس القبيلة ومشيختها..
2- طبقة الموالي: وهؤلاء لا ينحدرون من نفس القبيلة، لكنهم من قبائل أخرى، اختارت مساكنه القبيلة إما لحرفة أو تجارة أو نحو ذلك.
ويتمتع هؤلاء بحماية القبيلة ورعايتها، طالما ظلوا مرضيا عنهم من أعيان القبيلة وشيوخها، وفي العادة يقدمون خدمات في مقابل ذلك، كما قد يساهمون مساهمات مالية واقتصادية تفيد القبيلة..
3- الطبقة الثالثة: طبقة الرقيق وهم ليسوا من القبيلة، ولا يوجدون إلا لدى شيوخ وأغنياء القبيلة، وليس لهؤلاء حقوق بل هم مملوكون ويقدمون خدمات كثيرة، لكنهم في العادة لا يشاركون في القتال، ولذا حين طلب من الشاعر (عنترة) أن يقاتل اعتذر بأنه عبد، فقيل له: كر وأنت حر أي قاتل وثمن ذلك أن تصير حراً.. تبقى قضية أن من يخرج على تقاليد القبيلة، فقد يطرد منها، فيسمى (صعلوكا). وفي العادة فإن شيخ القبيلة يكون له نصيب الأسد من الغنائم فله.. الربع.. كما من حقه (الصفايا) وهي ما يختاره الشيخ من الغنيمة قبل توزيعها، وكذلك.. الفضول، فإذا وجد في الغنيمة شيء كقطعة سجاد مثلا، فهذه لا توزع على المقاتلين..
إن حالة فقدان الدولة أفرزت.. تجزئة.. حيث لا دولة ولا عقيدة تجمع، وهنا تطفو النزعة المادية، حتى يصير الحق للأقوى، ولا حق للضعيف.
وقد لاحظ ذلك علامة العرب ابن خلدون فكتب فصلا في مقدمته: (فصل في أن الدولة العامة الاستيلاء، العظيمة الملك، أصلها الدين، إما من نبوة أو دعوة حق.. وذلك أن الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء، وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة الله في إقامة دينه، قال تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ الله ألف بينهم }(63) سورة الأنفال.
وسر ذلك: إن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس، وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله، اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة.. أ.هـ.
إن التضامن السياسي بين أفراد الجماعة ضرورة حياتية وجدت الدولة أو لم توجد ويعلل ابن خلدون هذا التضامن السياسي فيقول: ذلك أن صلة الرحم أمر طبيعي في البشر إلا في الأقل ومن صلتها النصرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة، فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك تلك نزعة طبيعية في البشر، فإن كان النسب متواصلا بين المتناصرين قريبا جدا، بحيث حصل به الاتحاد والالتحام كانت الصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها وإذا بعد النسب، بعض الشيء فربما تنوسي بعضها، وتبقى منها شهرة، فتحمل على النصرة لذوي النسب بالأمر المشهور منه فرارا من الغضاضة!! إن تضامن أي مجموعة يزداد كلما تقاربت أهدافهم ومقاصدهم وتلاقت مصالحهم ولقد اعتمدت القبيلة وحدة الأصل لتجعل منها ذريعة لوحدتها كما اعتمدت ذلك الدولة القومية ويلاحظ أن القبائل العربية عرفت كذلك نظام الأحلاف كما استخدمت قبائل عربية القوة للهيمنة على قبائل أخرى، وعرفت حلف الفضول.
وحين جاء الإسلام طرح وحدة جديدة نواة للولاء هي وحدة (العقيدة) وطالب الإسلام كل مؤمن بالله ورسوله أن يهاجر إلى (المدينة) وذهب لأبعد من ذلك حين منع الإقامة مع الكفار، حين أسر العباس عم رسول الله عليه السلام وابن أخيه (عقيل) ادعوا الإسلام والإيمان، فرفض رسول الله عليه السلام ذلك منهم، لأنهم يقيمون في مكة، ولأنهم خرجوا للقتال في معركة (بدر) مع قريش، ولذا رفض دعواهم الإسلام.
لقد كانت الهجرة نواة لتكوين مجتمع جديد، الولاء فيه ليس للقبيلة ولكن للعقيدة وفي نص معاهدة المدينة تكررت صفة (الأمة) للمسلمين ولليهود.
فالهجرة تحول مادي وفكري، وربط جديد لتكوين مجتمع جديد يكون سداه ولحمته العقيدة، وكون المسلمين (أمة دون الناس).
بقي أن أشير إلى أن الهجرة سبقتها بيعتان: (العقبة الأولى والعقبة الثانية، وفي الثانية كان ثمة وضوح حتى أن أبا الهيثم بن التيهان خاطب رسول الله قائلا: إن بيننا وبين القوم حبالا، وإنا لقاطعوها - يقصد اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟؟ فتبسم رسول الله عليه السلام وقال بل الدم الدم، والهدم الهدم.
والمعنى دمي من دمكم، وما يصيبكم يصيبني.
إن بيعة العقبة الثانية أبرزت التجمع الجديد على أساس العقيدة، والاستعداد الكامل للقتال متى احتاج الأمر لذلك، كما تتطلب فسخ تعاقدات ومعاهدات لا تنسجم مع الوضع الجديد.
وهكذا قامت رابطة جديدة وولاء قوي وفق إرادة لا بحسب النسب، ولا حتى المصالح القريبة، ولا المنافع الدنيا، ومن هنا جعلت الهجرة تاريخا فهي المفتح الكبير، والحدث العظيم.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved