Sunday 12th February,200612190العددالأحد 13 ,محرم 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"وَرّاق الجزيرة"

قبر حاتم الطائي مكان وجوده بين المتقدمين والمتأخرين قبر حاتم الطائي مكان وجوده بين المتقدمين والمتأخرين
حسان بن إبراهيم بن عبد الرحمن الرديعان

قبر حاتم الطائي الذي اشتُهِرَ بين الناس بأنه موجود في رسم (توران) وهو موضعٌ يقع في أقصى الشمال من سلسلة جبل أجا والتي تَمتدُ على طول 100 كيلو من الشمال إلى الجنوب، قد اختُلِفَ في تحديده في نصوص المتقدمين. وسبب هذا المبحث عِدَّةُ أمور:
الأول: أنَّ الكلام على تحديد القبر قد شاعَ وذاعَ بين النَّاس، ولا يزال ناقلوه ينقلونه دون نظر واستدلال، وتبعَ في ذلك الإعلامُ المقروء والمسموع دون إعمال لأقل معايير البحث والتحقيق.
الثاني: أن هُناك من يُنادي إلى تسهيل الطريق إليه وتعبيده ليكونَ معلمَاً سياحيَّاً يجذبُ الزُّوَّارَ إليه، ويكون رافداً من روافدِ السياحَةِ اقتصاديَّاً وثقافيَّاً، ولا شك أنَّ في هذا جوراً شرعياً وعلمياً، فهل تكون السياحةُ في شَدِّ الرِّحال إلى القبور المفضي إلى تعظيمها؟! وفتحِ البابِ أمامَ الجهَلةِ لتقديسها؟! ويدلُّ على هذا أنَّهُ قد كُتبَ قديماً على قبر حاتم المزعوم في توران العبارة التالية (قبر السخيِّ الجواد حاتم الطائي) وهي عبارةٌ موحيةٌ إلى التعظيم، إلاَّ أن غيرة بعض الأفاضل على الشرع والتاريخ طمستْ هذه العبارة.
الثالث: عدم تفنيد من اعتنى بالمواضع والآثار لهذه المسألة تفنيداً يقطع الشك باليقين، وعلى ضوء أسس علمية، يبيَّن من خلاله تحديد موضع القبر، وما هي الأسباب التي جعلت هذا الأمر يشتهر بين الناس هذه المُدَّة الطويلة. وهنا لا بد من الإشارةِ إلى أنَّ الآثار سواء أكانت في الجاهلية أو الإسلام لها أثر على النفس، خاصة من ساكني المكان، وأهل البلدة، فشعورهم بما يربطهم بآلاف السنين، وأن هذا المكان قد غبرت عليه أممٌ، وحدثت فيه خطوبٌ أو فتوحات، أمرٌ يبعث النفس على الافتخار والعزَّة، والغلبةِ والتمكين، والأشد من ذلك إذا كان هذا الأمر مرتبطاً بالنسب أو القبيلة. فالنفس مجبولةٌ على تعظيم التراب التي عاشت عليه، ومن هنا تأخذ كثير من الناس العواطف تجاه الآثار، فإن كانت بيدِ عاقلٍ بصيرٍ بأمرِ اللهِ ورسولهِ صلى الله عليه وسلم يكون الخطرُ شبه معدوم. وإن كان الأمر بيد جاهل أو عارفٍ خالطهُ شيء من التعصبِ للترابِ كان الخطرُ الذي خشيهُ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه على من همْ أفضلُ منَّا وخيرٌ منَّا، فقد أخرج ابن وضَّاحٍ في البدع قال (قال سمعتُ عيسى بنَ يونس مفتي أهل طرسوس يقول: أمرَ عمرُ بن الخطابِ بقطعِ الشجرةِ التي بويعَ تَحْتَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقَطَعَها لأنَّ الناسَ كانوا يذهبونَ فيُصلُّونَ تَحْتَها فخافَ عليهم الفتنةَ، قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديثِ ابنِ عونٍ عن نافعٍ أنَّ الناسَ كانوا يأتونَ الشجرَةَ فقطعَهَا عُمر، قالَ ابنُ وضَّاحٍ: وكان مالكُ بن أنسٍ وغيره من علماء المدينة يَكرهون إتيانَ تلكَ المساجدِ وتلكَ الآثارِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم مَا عَدا قُبَّاً واحداً. قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أنَّ سفيانَ الثوريَّ دخَلَ مسجدَ بيت المقدسِ فصلَّى فيه ولم يَتْبَعْ تلك الآثارِ ولا الصلاةَ فيها وكذلكَ فعل غيره أيضاً ممن يُقتدى به، قال ابنُ وضاح: فعليكم بالاتباعِ لأئمةِ الهدى المعروفين) انتهى بتصرف يسير. والكلام في هذه المبحث سيكون ضمن الفصول الآتية:
الفصل الأول: منازلُ قومِ حاتِم. الفصل الثاني: اختلافُ المتقدمينَ في تَحديدِ قبر حاتم الطَّائي. الفصل الثالث: توجيه حول رأي الشيخ حَمد الجاسر في قبر توران. الفصل الرابع: الترجيح في تحديد قبر حاتم الطائي
وإن كان من خطأٍ فمن نفسي والشيطان، والصواب من الله وحده، وهو حسبي ونعم الوكيل.
الفَصْلُ الأول: منازلُ قومِ حاتِم
قَوْمُ حَاتم الطائي هم من بطون أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثُعَل الجمَّة (1)، فحاتم هو ابنُ عبدِ الله بنِ سعدٍ بنِ الحشْرَجِ بنِ امرئ القيسِ(2) بن عَدِيِّ بن أخزم(3) بن أبي أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء.
وكانت منازلهم كما ذكر ياقوت في (تنغة)، وهي - ويأتي بيانها - في الجهة الشرقية الشمالية من جبل أجا، وتتوزع قبيلته في الجهة الشرقية من منتصف جبل أجا شمالاً(4). وعلى مغرب الشمس منها جبل يُقال له (أظايف)، نصَّ أبو علي الهجري(5) أنَّ قربه قبر حاتم، وليس قربَ القبر جبل، أي جبلٌ آخر غير أظايف. كما نصَّ على أنَّ هذا الجبلَ شرقُ أجا، وليس في الشمال الشرقي منه. ثم يلي قومُ حاتم لأجا قومَ عمرو بن درماءَ بنِ عوف بن ثعلبة بن سلامان (أخي جرول جدُّ حاتم) ابن ثُعل بن عمرو بن الغوث.
ويقول امرؤ القيس(6):


نزلتُ على عمرو بن درماء بلطةً
فيا كرم ما جارٍ ويا حسن ما فعل (7)

فبلطة في جوف أجا، من منازل عمرو بن درماء، وقد كانت لبطون جُرم بن عمرو ثم أصبحت لبطون ثُعل بن عمرو، كما ذكر أبو علي الهجري (8).
وتحديد هذين الرسمين سيأتي، لكن المقصود هو تحديد الأماكن التي ورد فيها ذكر قوم حاتم، وإلاَّ فديارُ طيء محلٌّ لاستقرار حاتم فترةً في موضع ثم انتقاله إلى أخرى. فقومُهُ كما عرفتَ في تنغة خاصَّةً وفي مواضع المياه الشرقية الشمالية من أجا.
وأمَّا من كان يسكن (تُوران) التي فيها قبر حاتم المُدَّعى الآن، فهم بنو قيس بن شمَّر من بني زهير بن ثعلبة بن سلامان بن ثُعل بن عمرو بن الغوث بن طيء. قال ياقوت في رسم تُوران: (بالضم، وضم الراء، وآخره نون: قرية في أجأ، أحد جبلي طيء، لبني شمّر من بني زهير) (9).
ومن ذلك أيضاً قول امرئ القيس:


فهلْ أنا مَاشٍ بيْنَ شُوطٍ وحيَّةٍ
وهَلْ أنا لاقٍ حَيَّ قَيْسَ بن شمرا

وشوط غرب توران وقريبةٌ منه، فهي كذلك من منازل قيس بن شمَّر من بني زهير. من هنا يتبيّن لنا أنَّ قوم حاتم عدي بن أخزم لم يكونوا في توران ولا في تلك الجهات على ضوء تنصيص كلام المتقدمين.
وأمَّا قول الشيخ حَمد الجاسر - رحمه الله - في رسم توران (وليس من المستبعد أن تكون قرية بني عدي بن أخزم قوم حاتم، وأنها سكنت في وادي توران، فالمكان فيه آثار عمران قديم من أبنية وآبار...)، فسيأتي بيانه، والشيخ لم يعضد هذا الاحتمال من تنصيص كلام المتقدمين، لا سيما وقد نصَّ المتقدمون على أنَّ توران من منازل قيس بن شمَّر من بني زهير.
الفصل الثاني:
اختلافُ المتقدمينَ في تَحديدِ قبر حاتم الطَّائي
سنقفُ هنا على نصوص المتقدمين التي حدَّدَت مكان قبر حاتم الطائي، وبيان أماكن هذه المواضع، وهل هي متفقة أم مختلفة.
1- نصُّ أبي عبيدة معمر بن المثنى - كان من أعلم الناس باللغة وأنساب العرب وأخبارها، وهو أول من صنف غريب الحديث (ت.212هـ) - عن منصور بن يزيد الطائي. ذكرهُ أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم الصناهجي الحميري (ت727هـ) (10) في كتابه (الروض المعطار في أخبار الأقطار). وكتابه إنَّما ألفه للمواضع التي عليها قصص ومتعلقٌ بها خبر ظريف ونحوه. وقد ذكر عن قبر حاتم قِصَّةً خرافية، والشاهد أنَّه ذكر قبر حاتم قرب موضع (نبقة) وهي تصحيف تنغة(11)، وقال محقق الكتاب د. إحسان عباس (وفي ديوان حاتم، حيث وردت القصة: تبعة؛ ولم يذكره البكري أو ياقوت، ولا أدري ما صوابه).
والقصة هي (12) (موضع في بلاد طيء، ذكر أبو عبيدة عن منصور بن يزيد الطائي أن قبر حاتم هناك حوله قدور حجارة عظيمة من بقايا قدوره التي كان يطعم فيها مكفأة، وعن يمين قبره أربع جوار من حجارة وعن شماله مثلهن محتجزات على قبره كالنائحات، لم ير مثل بياض أجسامهن وجمال وجوههن، وربما رآهن الرائي ففُتن بهن ومال إليهن إعجاباً، فإذا دنا منهن رأى حجارة عظيمة يزعمون أنها من عمل الجن، فهن بالنهار كما وصفنا، فإذا هدأت العيون ارتفعت أصوات الجن بالنياحة عليهن، قال: ونحن في منازلنا نسمع ذلك إلى طلوع الفجر. وكان رجل يُكْنَى أبا الخيبَري مرَّ في نفَرٍ من قومه بقبر حاتم فجعل يناديه: يا أبا الجعد أقِرْنا، فقالوا له: أتنادي رِمَّةً بَالِيَةً؟! قال: إن طيئاً تزعم أنه لم ينزل به قط أحدٌ إلا قَرَاهُ؟ وناموا فانتبه أبو الخيبري مذعوراً ينادي: واراحلتاه، فقال له أصحابه: ما بالك؟ قال: خرج حاتم بالسيف وأنا أنظر حتى نَحَرَ راحلتي، فنظروا إلى راحلته فإذا هي متجندلة لا تنبعث، فقالوا: قد والله قراك، فظلوا يأكلون لحمها شواءً وطبيخاً ثم ارتدفوهُ وانطلقوا سائرين، وإذا راكبُ بعيرٍ يقودُ آخر قد لحقهم، فقال: أيكم أبو الخيبري؟ فقال الرجل: أنا، فقال الراكب: أنا عدي بن حاتم، وإن حاتماً جاءني الليلةَ فذكر أنك استقريته واستنطيته وهو ينشدك:


أبا خيبري وأنت امرؤ
ظلوم العشيرة شتامها
أتيت بصحبك تبغي القرى
لدى حفرة صدحت هامها
أتبغي لي الذم عند المبيت
وحولي طي وأنعامها
فإنا سنشبع أضيافنا
ونأتي المطي فنعتامها

قال: وقد أمرني أن أحملك على بعير مكان راحلتك فدونكه. وقال الشاعر يمدح عدي بن حاتم:


أبوك أبو سباقة الخير لم يزل
لدن شبَّ حتى مات في الخير راغبا
قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به
ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا)

وذكر هذه القصة ابن عساكر في تاريخ دمشق (11/378).
2- نصُّ أبي علي الهَجَري (ت بعد 300هـ) قال في أظايف: (جبل شرقي أجا، مطلع الشمس، به قبر حاتم، ليس قربه جبل) (13).
3- نصُّ أبي رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي (ت 339هـ)، نقل عنه البكري (ت487هـ) في معجم ما استعجم: (وقال أبو رياش: عوارض جبل في بلاد طيء، وعليه قبر حاتم وهذا هو الصحيح) (14).
4- أبو الحسن العِمْراني الخوارزمي (ت560هـ) عن أبي القاسم الزمخشري جار الله (ت 538هـ) في جبل عوارض (قال العِمراني أخبرنا جارُ الله - أي الزمخشري - أن عليه قبر حاتم طيء) (15).
5- ياقوت الحموي: (ت626هـ): (تنغة بضم أوله، والغين معجمة، ماء من مياه طيء، وكان منزل حاتم الجواد، وبه قبره وآثاره، وفي كتاب أبي الفتح الإسكندري قال: وبخط أبي الفضل: تنغة منهل في بطن وادي حائل، لبني عدي بن أخزم، وكان حاتم ينزله) (16).
فهذه خمسة نصوص تُحدد مكان قبر حاتم الطائي:
1- أبو عبيدة معمر بن المثنى عن منصور بن يزيد الطائي يرى أنه: في تنغة.
2- أبو علي الهجري يرى أنَّه: قرب جبل أظايف.
3- أبو ريَّاش القيسي يرى أنَّه: في جبل عوارض.
4- أبو القاسم الزمخشري يرى أنَّه: في جبل عوارض.
5- ياقوت الحموي يرى أنَّه: في تنغة.
وليس هناك تباين بين من قال إنه في تنغة ومن قال إنه قرب جبل (أظايف)، فهما موضعان قريبان من بعض. والتَّبَاينُ والإشكالُ هو في تَحديد جبل عوارض، وإليك تَحديدُ هذه المواضع من كتب المعاجم والبلدانيات مع شيء من التحقيق:
أُظَايِف
وتُنطق عند العامَّة بحذف الألف (ظايف)، قال أبو علي الهَجَري في وصف أظايف (جبل شرقي أجا، مطلع الشمس، به قبر حاتم، ليس قربه جبل) (17). ويقول ياقوت الحموي: (أظايف: بالضم وبعد الألف ياء مكسورة وفاء، ويروى بالفتح وقد تقدم في الهمزة والطاء المهملة ولا أدري أأحدهما تصحيف أو هما موضعان وبالظاء المعجمة ذكره نصر، وقال هو جبل فارد لطيء طويل أخلق أحْمر على مغرب الشمس من تنغة، وكانت تنغة منزل حاتم الطائي)(18). وصوّب الشيخ حَمَد الجاسر أنَّها بالظاء وقال (19): (ولا يزال معروفاً، وهو جُبيل صغير، من سلسلة الجبال التي تقع شمال أجا، بينه وبين النفود، وعن يمين ذلك الجُبيل جبل أكبر منه يُدعى القاعد، ويبعد أظايف عن مدينة حائل بما يقارب الـ 40 كيلاً في الشمال الغربي منها).
قلت: إذا خرج السائر من بلدة القاعد على الطريق الرئيس شمالاً إلى بلدة الخُطَّة وجعل جبل القاعد يمينه، يرى على يسارهِ جبلٌ أصغر من القاعد في أول النفود ليس قربه جبل كما قال ذلك أبو علي الهجري، فارد على نص ياقوت، يقول له أهل تلك المنطقة (ظايف)، فهو ليس في الشمال الغربي منها، بل في الشمال يميل إلى الشرق قليلاً، وتسمي العامة هذه المنطقة التي تلتقي فيها الأرض السهلة مع النفود: اللُّغف. وأنشد حاتم الطائي (20):


إذا الريحُ جاءَتْ من أَمَامِ أظايفٍ
وَأَلْوَتْ بأطناب البيوت صدورها

وقد وقع في الديوان تصحيف أظايف إلى أخايف بالخاء وقال المحقق في الحاشية: وخائف جبل. ووجَّه الشيخ الجاسر لماذا خُصت ريح أظايف بشدة البرودة قال: (لأنَّ الجبل يقع بالنسبة لقرى أجا في الشمال الغربي وريح تلك الجهة هي أشد الرياح برداً في الشتاء ثم أن جهته مكشوفة لهبوب الرياح، بخلاف الجهات الأخرى).
تُنْغَة
نصَّ مُحَمَّدُ بنُ عبد المنعم الحميري في (الروضِ المعطار) أنها من بلاد طيء كما سبق. وقال ياقوت الحموي: (تنغة بضم أوله، والغين معجمة، ماء من مياه طيء، وكان منزل حاتم الجواد، وبه قبره وآثاره، وفي كتاب أبي الفتح الإسكندري قال: وبخط أبي الفضل: تنغة منهل في بطن وادي حائل، لبني عدي بن أخزم، وكان حاتم ينزله) (21).
قلت: تنغة هي الأرض المنبسطة في الشمال الشرقي من أجا إلى التصاقها بالنفود أو موضعٌ من ذلك، وهي منازل عدي بن أخزم قوم حاتم الطائي، وهو اسمٌ مندثرٌ الآن، لكن نص أبي الفتح الإسكندري المتقدم على أنَّ تنغة منهلٌ في بطن الوادي من حائل، والوادي ينحدر من حائل في اتجاه الشمال الشرقي إلى بقعاء (اللِّوَى). فمدلولات نصوص المتقدمين على أنّ تنغة ليست قرب الجبل قرباً يلتصق به أو يكون بقدر قرب أظايف منه، فأظايف على مغرب الشمس من تنغة كما قال ياقوت. والذي أميل إليه إلى أنَّ بلدة الخطَّة وما وراءها من أرضٍ منبسطة هي تنغة المقصودة في كلام المتقدمين والله أعلم.
عُوَارِض
بضم أوله وفتح ثانيه فألفٌ ثم راء مكسورة، جبل في بلاد حائل، يقول البكري: (في شق غطفان، وقد تقدم ذكره في رسم ضرغد وفي رسم الأصفر، وقال الشمَّاخ:


تربَّع من جَنبَي قناً فعُوارضٍ
نتاج الثُّريَّا نوءها غير مُخدج

وقال أبو رياش عوارض: جبل في بلاد طيء، وعليه قبر حاتم وهذا هو الصحيح، وقال أوس بن حجر:


فخُلِّيَ للأذواد بين عوارض
وبين عرانين اليمامة مرتعُ) (22)

وقال ياقوت الحموي: (اسم علم مرتجل لجبل ببلاد طيء، قال العِمراني أخبرنا جارُ الله - أي الزمخشري - أن عليه قبر حاتم طيء، وقيل: هو لبني أسد، وقال الأبيوردي: قناً وعوارض جبلان لبني فزارة، وأنشد:
فلأبغينكم قَنَا وعُوارضاً
والصحيح أنه ببلاد طيء، وعوارض جبل أسود في أعلى ديار طيء وناحية دار فزارة، وقال البرْج بن مسهر الطائي:


إلى الله أشكو من خليلٍ أودُّهُ
ثلاث خلال كلها لي غائضُ
فمنهن أن لا تجمع الدهرَ تلعةٌ
بيوتاً لنا يا تلعَ سيلُك غامض
ومنهن أن لا أستطيع كلامَهُ
ولا وُدَّه حتى يزول عوارضُ
ومنهن أن لايجمع الغزو بيننا
وفي الغزو ما يُلقي العدو المباغضُ

ويروى لمجنون ليلى:


ألا ليت شعري عن عوارضتي قنا
لطول التنائي هل تغيرتا بعدي) (23)

إنَّ تحديد جبل عُوَارض في أخبار المتقدمين مُشْكِلٌ، بَلْ يَصِلُ إلى حَدِّ التَّعَارُض، فالبكري نقل عن أبي رياش أنه في بلاد طيء، وقبل ذلك قال إنه في شق غطفان، ويمكن الجمع بين ذلك بأنه قد يكون بينهما، لكنه نقل قبل ذلك في رسم ضرغد عن ابن الأنباري أنه جبل لبني أسد، ومعلوم أن طيء وغطفان وبني أسد متجاورات، لكن أين يقع عُوَارض منهنّ؟ فلا يمكن أن نجمع بين هذا التعارض إلا إذا قلنا إن هناك أكثر من جبل يقال له عُوَارض، ومثل ذلك نقل ياقوت الحموي ورجَّح أنه في بلاد طيء وهو رأي نصر.
وإليك ما قاله الشيخ حَمَد الجاسر: (وعوارض جبل لا يزال معروفاً ولكن بعضهم ينطقه عويرض، توهّماً أن الألف فيه على لهجة أبناء البادية كما في مثل (فاصل) (وسلامان) في فيصل وسليمان، وهو جبل مستطيل شامخٌ أسود، يقع في مهب الشمال من أجا على مقربة من توران يبعد عن مدينة حائل بما يقرب من 45 كيلاً، ولكن هذا الجبل يعتبر امتداداً لسلة جبال أجا، فهو ليس في بلاد غطفان، ولعل هذا الاسم يطلق على جبلين أو أكثر) (24)
وساق الأصفهاني في (بلاد العرب) قول الشاعر:


كأنها وقد بدا عُوَارض
والليل بين قنوين رابض

بعد أن ذكر موضع قنا وأنها بأرض غطفان، وفي بيت الشمّاخ دليل على أنه قريب من قنا في أرض غطفان - قرب السليمي الآن -، وحيث يذكر قنا يذكر عُوارض. والجبل الآخر الذي يطلق عليه عويرض والذي ذكره الشيخ حمد الجاسر يقع غرب توران - الذي فيه قبر حاتم المُدَّعى الآن - في شمال أجا، فالآتي من النفود باتجاه الجنوب يعترض أمامه من أجا جبل كبير يُسمَّى عويرض، عليه أودية منها شوط الذي ذكره امرئ القيس بقوله:


فهلْ أنا مَاشٍ بيْنَ شُوطٍ وحيَّةٍ
وهَلْ أنا لاقٍ حَيَّ قَيْسَ بن شمرا

فعويرض موضعٌ لقيس بن شمَّر وليس لعدي بن أخزم قوم حاتم. بعد هذا يتبيَّن لك أخي القارئ الخلاف في جبل عوارض، ونسبته للقبائل المتجاورة، والذي أرجحهُ ما يلي:
أن عُوارض المذكور عند المتقدمين والمشهور في الأبيات كما سبق هو المقرون برسم قنا ما بين بلاد غطفان - والتي تبدأ من التحام رمل عالج بالحرار والهضاب التي بينها وبين طيء -، فهو ينسب تارةً لطيء وتارةً لغطفان، وهما قبيلتان متجاروتان. وأنه ليس الجبل المقصود من كلام أبي رياش.
الفصل الثالث: توجيه حول رأي الشيخ حَمد الجاسر في قبر توران
قال الشيخ حَمد الجاسر رَحِمَهُ الله في رسم توران (وليس من المستبعد أن تكون قرية بني عدي بن أخزم قوم حاتم، وأنها سكنت في وادي توران، فالمكان فيه آثار عمران قديم من أبنية وآبار، وجبل عوارض الذي قيل: إن قبر حاتم فيه ليس بعيداً عنه ويقع شماله. ومدخل الوادي ضيق بحيث لو وقف عنده عدد قليل من الرجال لمنعوا من يحاول الدخول، ثم إن الوصول إلى مدخل الجبل يمر بمنعطفات أسفل الوادي وهي على اتساعها تتيسر حمايتها، والوصول إلى قرية حاتم وقومه كان صعباً كما يفهم من قوله: لقد جهل مداخل سبلاَّت) (25)، هذا احتمالٌ أوجده الشيخ - رحمه الله - لكن فيه شيءٌ من التناقض مع كلامه في الرسوم الأخرى، وإليك بيان ذلك:
1- أنَّ الشيخ لم يعضد هذا الاحتمال من تنصيص كلام المتقدمين، لا سيما وقد نصَّ المتقدمون على أنَّ توران من منازل قيس بن شمَّر من بني زهير.
2- أنَّ جبل عوارض إذا قصدنا غير عوارض قنا، فهو ليس شمال توران الآن، بل هو غربه يميل إلى الشمال قليلاً، وفرقٌ ما بين منزل توران قديماً وما بين الأودية التي على جبل عويرض كشوط وذلك عند بطون طيء قديماً.
3- أنَّ الشيخ - رَحِمَهُ الله - حدَّدَ جبل سبُلاَّت في جنوب أجا، واستشهد بأن مداخلَ سُبُلاَّتٍ قال عنها رجل من طيء عندما علم أن الملك مُحرِّق - ملك الحيرة في العراق - توعد حاتم الطائي بأن يُحَرِّق قريته قال الرجل: (جهل مرتقى بين مداخل سُبُلات) يعني أن ملك الحيرة جَهِل صعوبة مداخل أجا من جهة سُبُلاَّت، ويرى الشيخ الجاسر أن ملك الحيرة ليس أمامه إلا طريق واحد للوصول إلى أجا، حيث حاتم الطائي وهو أن يأتي من جنوب غرب أجا، حيث تلتقي رمال عالج بمنخفضات الحرار الشرقية، وهناك مداخل لحائل بين الجبال من بين الحضن إلى رمان وهي سلسلة جبال فيها منافذ تربط رمان بأجا من الجنوب، وهي تمر على الغزالة والمهاش وسقف (26)، وهذه الفجوات والمرتقيات التي ما بين رمان إلى الحضن ومواسل هي التي تُسمَّى سُبُلاَّت كما قال ياقوت وَوَجَّه الجاسر. لكنّ الأظهر أن التسمية بقيت في جبل واحد الذي هو الآن شمال شرق رمان. وعلى كُل فسابل ومواسل والمرتقيات التي يرى الشيخ حمد الجاسر بتسميتها سبُلاَّت هي على رأي الشيخ حمد أنَّها في جنوب أجا لا شماله. لذا ربْطُ الشيخ بأن مداخل سبُلاَّت في شمال أجا مع توران فيه تعارض مع كلامه هنا في وصف رسم سبُلاَّت. فأين الحضن ورمَّان من توران وأظايف؟!. وما بين رسميِّ الحضن ومواسل (كحلة الآن) فيه من المداخل والمرتقيات ما يكون منَعَةً شديدةً للقوم من العدو.
الفصل الرابع: الترجيح في تحديد قبر حاتم الطائي
ينحصر الخلاف بين المتقدمين في تحديد قبر حاتم الطائي في موضعين:
1- تنغة وأظايف وهما قريبان من بعض ولا خلاف بين من قال إنَّه في أظايف وبين من قال إنه في تنغة كما سبق بيانه.
2- عوارض. ولا يمكن أن نجمع بين عوارض وبين تنغة أو أظايف. والراجح في ذلك هو قول من قال إنه في تنغة وأظايف لما يلي:
1- أن تنغة وأظايف من منازل قوم حاتم الذين هم قوم عدي بن أخزم، وعوارض ليست منزلاً من منازل قوم حاتم.
2- أنَّ أبا عبيدة معمر بن المثنى وأبا علي الهجري متقدمين على أبي رياش والزمخشري، خصوصاً أن معمر بن المثنى ينقل عن منصور بن يزيد الطائي. وأبو علي الهجري اعتنى بالمواضع اعتناءً دقيقاً. فكلامهم هو المعول في مثل ذلك.
هذا ما أرجحه وأميل إليه بعد طول نظرٍ وتأمل، وبعد تطبيقٍ على الأماكن المذكورة. لكن ما يحسن قوله هنا والتنبيه عليه أنه على القول بأن قبر حاتم الطائي قد يكون في عوارض إلاَّ أنه لا دليل على وجوده في توران، فلم ينص أحد لا من المتقدمين ولا من المتأخرين على أنه في توران، والخلاف إنَّما هو بين عوارض وبين تنغة وأظايف. أما توران فهي خارجة عن مناط الخلاف، مما يجعل التشدد في أن قبر حاتم الطائي في توران أمراً فيه تعسُّفٌ وبعدٌ عن التحقيق، وتصديقٌ لبعض الخرافات والأساطير. والله من وراء القصد.
الهوامش
1- انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم 165
2- في طيء أربعة أسماؤهم امرؤ القيس، وأما الشاعر الجاهلي فهو: امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي، وهو من أهل نجد، من الطبقة الأولى.
3- ذكر ابن دريد في الاشتقاق أنه منه خرج المثل المشهور (شنشنةٌ نعرفها من أخزم) في قصيدة له بولده.
4- انظر مشجَّرة طيء والرسم البياني في آخر كتاب (شعر طيء وأخبارها في الجاهلية والإسلام).
5- أبو علي الهجري 385
6- الدكتورة وفاء السنديوني جعلت امرأ القيس ابناً ينحدر من عمرو بن درماء، وهذا بعيد لسببين:
الأول: أن في طيء أربعة أسماؤهم امرؤ القيس، أقربهم إلى عمر بن درماء جد الجرنفش الطائي ينتهي إلى زهير أخي عوف جد عمرو.
الثاني: أن البيت سياقه سياق الضيف الزائر، والنازل للقوم.
7- الشطر الثاني ورد: فيا نعم ما جارٍ ويا نعم ما محل
8- أبو علي الهجري ص 183
9- معجم البلدان (2-54)
10- في كشف الظنون وفاته سنة 900هـ وهو خطأ، والصحيح أعلاه وهو ما أثبته ابن حجر في الدرر الكامنة، فالكتاب إحدى مصادر القلقشندي في صبح الأعشى الذي فرغ منه سنة 814هـ. انظر ط. إحسان عباس سنة 1975م.
11- انظر معجم شمال المملكة (3 - 1064)
12- ص 572
13- أبو علي الهَجَري 385
14- معجم البكري 978
15- معجم البلدان 4-164
16- معجم البلدان 2-50
17- أبو علي الهَجَري 385
18- معجم البلدان (1-219)
19- شمال المملكة (1-97)
20- ديوان حاتم الطائي (ص 62) ط. دار بيروت سنة 1402هـ.
21- معجم البلدان (2-50)
22- معجم البكري 978
23- معجم البلدان (4-164)
24- شمال المملكة (3-955)
25- شمال المملكة (1-263 - 264)
26- شمال المملكة (3-656)

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved