والباحث لا ينكر (الوأد)، ولا يرد نصاً في القرآن الكريم ولا في الحديث النبوي الشريف، ولكنه يحمل ذلك كله على غير الظاهر والمتواتر، ويغرق في التأول. والمفسرون - حسبما أعلم - وفوق كل ذي علم عليم - مجمعون على أن المقصود ب (الوأد) إزهاق حياة البنات؛ خشية العار أو الإملاق، وقد يدخل الذكور من الأولاد في خشية الإملاق، وذلك شائع ومتداول في كتب التفسير والحديث والتاريخ والموسوعات الأدبية، حتى لكأنه عند الجميع قطعي الدلالة والثبوت. وهناك ما يعضد المقصود في قوله تعالى: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ}. وقوله: {أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ}أي يبقى الجارية على قيد الحياة، مع احتمال الهوان، أو أنه لا يحتمل الهوان؛ فيدس الجارية في التراب، وهذا كناية عن (الوأد) ولسنا معنيين بطريقة الدس وأسلوب الوأد، وإنما المهم ثبوت الظاهرة، كما يراها علماء الأمة، وأوضح من ذلك كله قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} وهذا سؤال استنكاري؛ إذ لا ذنب لها، ولو كان ل (الوأد) دلالة أخرى لما كان السؤال عن سبب القتل، ولا حاجة للقول: بأنه العزل، ذلك أنه قول مرجوح، ولو صح ألغى ما تواترت عليه الأقوال.
ولربما يكون الباحث مأخوذاً بالتفسير الأسطوري والتحليل الرمزي للنص، وهذه الطائفة من القراء لا تجد حرجاً من تصور (الدَّس في التراب) كناية عن عزل المرأة عن الحياة العامة. والحكايات الخرافية التي يسوقها الموسوعيون عن (الوأد) و (الإحياء) لا ينعكس أثرها على صحة الظاهرة، وإنما تكون قصصاً خرافية، نسجها القصاص والمذكرون، وجاءت في المراسيل للإمتاع. ونسف الخرافة لا يقتضي نسف الظاهرة، فالمفسرون توسعوا في الإسرائيليات، ولم يقل أحد بعدم صحة أحسن القصص. والذين درسوا الإسرائيليات في التفسير ردوها، وأبقوا على الظواهر التي تدور حولها تلك الأساطير. ولقد كانت لي إلمامات مبكرة بظاهرة الإسرائيليات في التفسير، حين تعقبت الدارسين لهذه الظاهرة؛ الأمر الذي حمل الأستاذ المرحوم (محمد محمد أبو شهبة) على الثناء على تناولي، ومؤاخذتي بإهمال جهوده في هذا المجال، ولقد وجدها مناسبة لمواصلة الحديث عن الإسرائيليات في التفسير، جاء ذلك كله في (مجلة رابطة العالم الإسلامي). و (الوأد) كما يراه المفسرون لم يتعرض له الذكر الحكيم إلا لأنه ظاهرة سلوكية، وليس حدثاً فردياً، والمفسرون التمسوا دوافعه من آي الذكر الحكيم، وحصروها في الدافع الاقتصادي وفي الغيرة والأنفة والحميّة.
والقرآن الكريم ردَّ السبب الأول بقوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ..} (31) سورة الإسراء.
وقوله: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ ..}(151) سورة الأنعام.
ولقد ربط بعضهم بين ظاهرة (الوأد) وظاهرة تحديد النسل بالعزل أو على ضوء قانون (مالتوس) للسكان، القائم على (الكابح الإرادي) وذلك قبل التقدم الطبي. ولقد كان للصحابة موقف من العزل، حتى قال بعضهم: (كنا نعزل والقرآن ينزل). وسماها آخرون ب(الوأد الخفي) أما العامل الثاني وهو الأنَفَة والحميّة والغيرة فقد شايعته الحكايات الخرافية والشعر العربي، وأشار له القرآن الكريم بقوله تعالى{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ..} (137) سورة الأنعام.
وقوله تعالى: { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ..} (140) سورة الأنعام، وقوله تعالى: {. وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ.. } (12) سورة الممتحنة،
وفي هذه الآية ملمح لنفي ارتباط الوأد بالعزل؛ ذلك أن العزل من الرجال. ونزوع الباحث العقلي المتكئ على التأويل كاد يقصي المدلول النصي، وذلك منهج غير مسبوق بهذا الحجم، والشرح والتفسير يتنازعهما علماء الدراية والرواية، والتأويل من علم الدراية، وهو محسوب على التفسير بالرأي.
وثقة الباحث بنفسه، وتنقصه من المفسرين كافة، جرأة لا يقره أحد عليها، يقول في سياق تخطئته للمفسرين: (ولما احتاجوا إلى العدول بالقرآن عن سياقه إلى المعنى البعيد الذي اتخذه المفسرون وأسرفوا في تأويله وعدلوا بالقرآن ومعناه عما تقوله اللغة وتسمه به). وهل أحد يقبل بهذا التوجيه الغرائبي؟ وكيف يجرؤ علماء الأمة من العصر الأول إلى العصر الحديث على العدول بالقرآن ومعناه عما تقوله اللغة وتسمح به؟ وهل الباحث بوصفه نحوياً يلوك لسانه أعلم باللغة من آلاف المفسرين السليقيين الذين يقولون ويعربون؟ وهل يظل مفهوم (الوأد) مختلطاً على الكافة حتى جاء الباحث؛ ليثبت الأقدام، ويربط على القلوب؟ وهل مسألة (الوأد) مسألة خلافية تفرقت فيها أقوال العلماء، بحيث جنح الباحث إلى طائفة منهم؟ أحسب أن الباحث بهذه المغامرة الخاسرة قد شط على نفسه وعلى قرائه، وحمَّل النص ما لا يحتمل، وعوَّل على (العدول اللغوي) ولم يذعن ل (السياق)، وكان بهذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر كقاصية الغنم أو كضالتها.
واتكاؤه على ظاهرة (العدول) في اللغة حجة عليه لا له؛ فهو الذي عوَّل على العدول؛ إذ الأخذ بظاهر الدلالة لا يكون من العدول في شيء. وقوله: (اتخذه المفسرون) دليل على أن كل المفسرين مخطئون؛ إذ لم ينص على طائفة منهم، وهذا الإجمال مظنة المجازفة والتعميم، ومثل هذه القضايا لا يقوم أمرها على مثل هذا الإجماع.
لقد طوف في آفاق معرفية، تعرف منها وتنكر، وفي النهاية خلص إلى القول بأن (الموؤودة) هي (النفس) وليست (المرأة) وحدها، وكيف يحتاج إلى السياق والعدول والتأويل والرأي وإدارة النص في فلك العقل والمسألة محسومة عند (البخاري) و(مسلم) وأصحاب السنن والمسانيد، وعند كل المفسرين المتقدمين منهم والمتأخرين، ولم يوافقه على ما ذهب إليه - فيما أعلم - أحد من علماء التفسير أو الحديث أو اللغة أو غيرهم، ولم ينكر (الوأد) العرب الذين وصموا به، وعنوا بالتأنيب والنهي، ولم يشكك فيها أي عالم عربي أو أعجمي مسلم أو مستشرق. لقد كانت ل (طه حسين) شطحات، وكانت ل (مصطفى محمود) شطحات، وكانت ل (شحرور) شطحات، وكانت ل (عبدالصبور شاهين) في كتابه (أبونا آدم) شطحات، ولكن كان لكل واحد سلف فيما شذ فيه. أما شطحة الباحث فلا سابقة لها، وهو فرد فيها، ولا يعيبه ذلك لو عضده نص أو قاعدة أصولية أو دلالية لغوية: حقيقية أو مجازية أو سياقية أو عدولية.
وأغرب شيء أن يقول عن المفسرين كافة دون استثناء: (لم يتدبروا النصوص التي أشارت إلى قتل الولد) (ص 155). وذلك عين التكلف والتعسف الذي برأ نفسه منه (ص 157). والمفسرون استكملوا كل الاتجاهات اللغوية والفكرية والعقلية والمذهبية، وربطوا قتل البنت بالعار وقتل الولد بالإملاق، ولمَّا يزل الأبوان على مر التاريخ يفضلان الذكور على الإناث، ولكنهم لا يكرهون البنت حين تكون من قَسْمِهم، وإن تمنوا الولد. والباحث عول على قضية (السياق) اللغوي الذي اتخذه النقاد مناطاً لاستقراءات مخالفة، والعلماء لم يغفلوا (السياق) ولا (الأنساق) ولا (العدول) ولا (التأويل) ولا (المجاز)، فالتعويل على السياق أخذ به المفسرون، ولكنهم في النهاية يعودون إلى ما وقر في نفوسهم من ثقافات، وما استقروا عليه من مذاهب، وما كل نسق مدان.
والباحث ربما وقع - من حيث لم يحتسب - في مأزق التفسير بالرأي، وذلك مذهب المدرسة العقلية الحديثة، كما هي عند (الأفغاني) و (عبده) و (رضا) و(المراغي) وغيرهم. ولست ضد الاتجاه العقلي في التفسير، ولكنني ضد إدارة النص في فلك العقل، وهو المنزع الاعتزالي، وكم هو الفرق بين إدارة العقل في فلك النص وإدارة النص في فلك العقل. والباحث اتخذ سبيله العاطفي الأعزل، بحيث صرف نظره عن أقوال العلماء كافة، ولم يكن له معول على أحد منهم، ولم ينظر في قوانين العلوم ومناهجها، مما يحتاج إليه المفسرون والشارحون والمستنْبطون، وإن عول على (السياق) وهو تعويل لم يسعفه؛ فالسياق ضد فكرته، والتعويل على السياق تعويلا علمياً أسس له وأصَّله العلامة (محمد الأمين محمد مختار الجكني الشنقيطي) - رحمه الله - في تفسيره القيّم (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) وإن كانت المنية قد اخترمته قبل أن يصل في تفسيره إلى سورة (التكوير)، وقد أكمله تلميذه الشيخ (عطية محمد سالم) - رحمه الله -، مثلما أكمل (السبكي) المجموع بعد وفاة (النووي)، وشتان بين المبتدئ والمكمل في المؤلفين. ومنهج الشنقيطي في التفسير يراعي السياق؛ لأن الآية تستدعي نظائرها في المعنى، ولم يكن الشنقيطي وحده في هذا المهيع، ولكنه الأميز.
والمفسرون يختلفون باختلاف خلفياتهم المعرفية والمذهبية، ولكن الأوَّابين منهم لا يفسقون عن مقاصد النص، وإن استعرضوا وعرضوا سائر الأقاويل الراجح والمرجوح منها. والباحث الذي استصحب السياق كآلية نافذة ومشروعة أسرف في التعويل على التأويل، وهو في اصطلاح الأصوليين: - (صرف اللفظ عن ظاهرة المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك). وإشكالية الباحث أنه عول على (التأويل) دون دليل ولا سند ولا تأييد من عالم سابق أو لاحق. وصرف اللفظ عن ظاهرة بدليل كآية: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ.. } يتحقق معه التأويل الصحيح، أما صرفه لأمر ظني، أو لنزوع مذهبي كآية: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ..} فإنه في هذه الحالة يكون من التأويل الفاسد. والباحث قد عول على أمر ظني لا حجة معه، ومثل هذا الفعل يوصف عند الأصوليين ب (اللعب)، ولقد وصف صاحب (مراقي السعود) مثل هذا بقوله:
(وغيره الفاسد والبعيد... وما خلا فلعباً يفيد)
ولمزيد من عناية المفسرين، أحيل الباحث إلى مقدمة تفسير (أضواء البيان..)، وإلى مبحث (دور السياق في بيان الدلالة) في كتاب (التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن)، وإلى كتاب (العدول اللغوي).
ولو أنه وطَّن نفسه على تعقب لطائف التفسير واستنباطات المفسرين وبخاصة اللغويين منهم مثل كتاب (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز) ل (الفيروز آبادي)، وتقصى الاتجاه العقلي واللغوي في التفسير؛ لكان أن تطامن أمام منجز العلماء الأوائل والأواخر، ولكي أضرب مثلاً بسيطاً من لطائفهم، أحيله إلى تحديد (المشترك اللفظي) وبراعة المفسرين في اقتناص المعنى المراد من بين تنازع الدلالات. ف (القُراء) لفظ مشترك بين (الطهر) و (الحيض)، عول فيه اللغويون على قرينة زيادة (التاء) في قوله تعالى: {ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ..}والدالة على تذكير المعدود، وهي (الأطهار)، فلو أراد (الحيضات) لقال: (ثلاث قروء) بلا (هاء)؛ لأن العرب تقول: ثلاثة أطهار وثلاث حيضات. واختلاف الفقهاء حول ذلك مرجعه إلى غياب المؤشر النحوي، أما التقصير في فهم السياق اللغوي فيبدو عند بعض الفقهاء في الاختلاف حول حرمة لحوم الخيل والبغال والحمير.
وإن كان ثمة حجة يعول عليها فهي تأنيث (الموؤودة)، و (النفس) مؤنثة، ومن ثم فإن المرأة وحدها ليست هي المقصودة، وإنما المقصود مطلق النفس، وهو إذ أطلق هذه الرؤية، لم يحل إشكالية النصوص الدافعة لرؤيته. ومع الإغراق في المماحكات فإن الباحث بارع في دقة التأويل، حتى لكأنك تقرأ للزمخشري في كشافه، فالباحث وهو يحاول تفسير الموؤودة ب(النفس) يجاري الزمخشري في تفسيره (ناظرة) بمنتظرة، أو يجاري الشنقيطي في تفسير (القرء)، وإذ يصطدم الزمخشري بتعاضد النصوص ضده، لا يواجه الشنقيطي بشيء من ذلك. والباحث كما الزمخشري منهك بقوة النصوص. وأمام محجتها البيضاء لم يفسر آية الوأد، ولكنه تأوَّل فيها، ذلك أن التفسير يعتمد على الرواية فيما يعتمد التأويل على الدراية، ولست أشك أنه اجتهد ما وسعه الاجتهاد لتأويل كلمة (الموؤودة)، وأحسبه سيخرج من (المولد) بدون (حمصة) - كما يقولون -. وقد يكون تمحكه من اللطائف، فالنفس في النهاية جماع الذكر والأنثى، ويكون في قوله كله كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء.
ومن لطائف هذا البحث الغرائبي براعة الباحث في نقد الحكايات الثلاث، وذهابه بعيداً في التحسس عن المطاعن. واختياره الوقائع والأخبار اللاحقة مؤشر ذكاء وبراعة، ولست أشك أنه ابن بجدة البحث الأدبي وخبيره. ولو أنه اقتصر على نسف الحكايات الخرافية، ولم يعقب على الظاهرة التي أقرها الذكر الحكيم والحديث النبوي الشريف والشعر العربي القديم وتداولها العلماء، وهم الأدرى بتخصصاتهم؛ لكان خيراً له وللمشهد العلمي، ولو لم تكن ظاهرة (الوأد) كما تتابع السلف والخلف عليها لأنكرها العرب منذ اللحظات الأولى.
والباحث وهو يستعرض روايات الأحاديث في الصحاح والمسانيد والسنن عول على (الزيادة) و (الإدراج)، وذكر (الوأد) في موقع وعدم ذكره في موقع آخر، وعد ذلك من الاضطراب الذي قد يفتح باباً على الروايات، وهو قد أومأ من طرف خفي ل(حديث الآحاد) و (حجيته). ولو أنه رجع إلى كتب الأئمة وعلماء الحديث لعرف أن مثل ذلك لا يؤثر على صحة الحديث ف (المدرج) ألف فيه (ابن حجر) و (السيوطي)، وحددوا ذلك، وأوضحوا الفرق بين (الإدراج) و (الزيادة) في النص، وأما (حديث الآحاد) والقبول به في العقائد والعبادات فالخلاف فيه لا يمتد إلى قضية (الوأد)، واختلاف روايات (البخاري) مرتبط بالأبواب التي يعقدها، وليست اضطراباً في الرواية، فهو يأخذ من الحديث ما يناسب الباب، ولا حجة في ذلك. ولأن الباحث غير متخصص في علم الحديث فقد عول على ما لا يعول عليه.
وخلاصة القول أن الباحث مارس رياضة فكرية ممتعة، استطاع أن ينسف الحكايات الخرافية بعشر حجج في غاية الدقة والشمول والعمق، ولكنه لم يستطع تحويل (الوأد) من (المرأة) إلى (النفس) بكل شموليتها، وعتبي عليه أنه أنفق جهداً ووقتاً ثميناً في قضية محسومة. وتساؤلي في النهاية: أي الحزبين أحق بالتصديق والمتابعة، علماء الأمة كافة، أم صاحبنا الذي جاء في الوقت الضائع؟.
|