*أعده - الدكتور محمد ناهض القويز :
عندما عرضت تقريرا مدعما بالإحصاءات والوثائق عن الدوادمي المحافظة كان الدافع الأول له هو اكتشافي لنقص المعلومة لدى الكثير من المعنيين عن دوادمي الحاضر أيا كانت مواقعهم.
حيث لا زال كثير من الناس ينظرون إلى الدوادمي من خلال معرفة متقادمة تصل إلى ثلاثين سنة مضت، أو مقارنة غير منصفة مع ما حولها من محافظات أصغر منها، أو من خلال حصر الدوادمي في قبيلة أو قبيلتين. الدوادمي التي أحبها الملك عبدالعزيز - رحمه الله - واختار له قصرا فيها على صغر حجمها آنذاك، وصلى في أقدم مساجدها ومشى في طرقاتها، واشترك مع أهلها في العرضة النجدية في ساحة السوق القديم قبل أكثر من 95 سنة، ولم تنقطع علاقته بها إلى أن انتقل إلى جوار ربه - عليه رحمة الله وغفرانه -. الدوادمي ذات الكثافة السكانية الأكثر بعد الرياض والخرج في منطقة الرياض، وذات الموقع المتوسط بين محافظات وسط نجد. الدوادمي التي تضخ المياه من شرقها إلى المدن المجاورة (شقراء وعفيف والقويعية)، إحدى أهم قلاع الفن التشكيلي في المملكة. الدوادمي التي كسبت للوطن كأس العالم للشباب في المبارزة.
أفرد الأديب سعد البواردي عمودا للرد على التقرير الذي كتبته في عموده بجريدة الجزيرة العدد 12151بتاريخ 4 ذي الحجة 1426هـ وأقحم مدينة شقراء في رده إقحاما على رغم أنها لم ترد في تقريري إلا من ضمن قائمة محافظات المملكة.
وجاء ترتيب شقراء في المرتبة الخامسة والتسعين بين المحافظات (المجموع 118 محافظة). ثم رماني بالعقوق ونكران الجميل.
كل هذا وأنا لم أذكر شقراء بخير (تستحقه) ولا شر (حماها الله منه).
وحتى لو استخدمنا منطق البواردي في نهجه القبلي فإن التقرير الذي كتبته جاء عن المدينة الوحيدة التي بناها بنو زيد (الدوادمي).. فهل الكتابة عما سوى شقراء ذنب وعقوق؟!!.
وهل إقحام البواردي لشقراء واتهامي بالعقوق هو مقدمة لسلب حقوق مئات آلاف من المواطنين حقهم في التنمية؟!!.
ثم عاد ليكتب من جديد بغير موضوعية في التناول من دون أن يرجع للمراجع المرفقة في تقريري المذكور ومتجاوزا الإحصائيات والموقع الجغرافي ومنكرا العمق التاريخي للدوادمي الذي لم ينقطع منذ أن وطأت قدم الإنسان أرض الجزيرة.
ما كنت أود الكتابة عن شقراء إلا بالخير ولكن البواردي لم يدع لي بدا من الخوض في مقارنة لم أكن أرغب فيها.
يقول الأستاذ سعد البواردي: (القويز وعبر صفحة كاملة في صحيفة الرياض قدم لنا مدينته الدوادمي التي نحبها ونحب أهلها كما يحبها ولكن دون تجاوز ولا تهويل ولا تهوين من شأنها بنفس القدر الذي نكنه لأية مدينة أو قرية في وطننا الغالي الكبير) وأقول للبواردي: أين التهويل والتهوين والتجاوز الذي تحدثت عنه وقد أوردت الإحصائيات الرسمية وأشرت إلى المراجع في كل ماذكرته في تقريري عن الدوادمي؟. سأتناول أهم النقاط التي أثارها البواردي في مقالاته بالتحليل وسأدعم الرد بتقرير مفصل فيه خرائط وإحصائيات ونقولات.
وكنت أفضل عدم الدخول في القبائل التي جعلها البواردي محور حديثه إلا أنني سأتناول القبائل مجبرا؛ للرد على ما أورده فقط؛ لأن القبلية التي تلغي حقوق المواطنين تنافي الوطنية التي تقوم على العدل والمساواة التي أعلنها خادم الحرمين الشريفين حفظه الله.
طاعة أولي الأمر واجب على الجميع
ما أورده البواردي عن طاعة أولياء الأمر فأمر محتم على الجميع، وليس معادلة لا تتحقق إلا أن تكون شقراء هي المركز. أود أن أذكر البواردي بأن ولي الأمر هو الذي أقر الاستراتيجية العمرانية الوطنية التي صنفت الدوادمي ضمن مراكز النمو الوطنية.
وأود أن أذكر كذلك البواردي بأن ولاة الأمر هم من أوجد قنوات كثيرة للتلاحم مع المواطنين وسماع وجهات نظرهم. ومن هنا جاءت الحرية الصحفية والشفافية ومجلس الشورى والمجالس البلدية.
بل إن ولاة الأمر حفظهم الله اعتمدوا سياسة الأبواب المفتوحة التي تجعل المواطن على اتصال دائم مع حكامه يعرض لهم رأيه. وهذا أحد عوامل استقرار المملكة على رغم تعرض المنطقة لهزات عصفت بغيرها من الدول. وأتمنى أن لا يكون الأستاذ البواردي ينادي بقفل أبواب التلاحم التي أقرها أولياء الأمر.
البحوث العلمية عن الآثار القديمة في الدوادمي
جاء رد البواردي على جملة وردت في عنوان التقرير ومعروف أن العناوين تدخل في فن الإخراج كعنوان (علماء الآثار: الدوادمي الأقدم استيطانا في العالم والجزيرة العربية).
ولم يبن رده على المادة التحريرية المكتوبة في التقرير والتي تقول الدوادمي من أقدم التجمعات البشرية كما دلت على ذلك الدراسات المختصة (ولكلمة من هنا دلالة غير ما ذهب إليه البواردي). ثم إنني أتبعت الجملة السابقة بالمراجع العربية والأجنبية. وكنت أتمنى أن يرجع لها البواردي خصوصا قبل مقاله الثاني. ولكن ومن دون أن يرجع للمراجع المنوه إليها في تقريري علق البواردي على العنوان بقوله: (علماء الآثار): الدوادمي الأقدم استيطاناً في العالم والجزيرة العربية تمتد لأكثر من مليون سنة!! مقولة مضحكة يسخر منها علماء الآثار أنفسهم ويضحكون لندرتها.. ويبدو أنه يجهل العالم القديم بحضاراته وآثاره المغرقة في القدم منذ عشرات آلاف السنين وليس أكثر.
كنت سأعذر الأستاذ البواردي لولا أنه أصر على التجاهل من خلال مقال ثان وثالث واصل فيه إنكاره للبحوث العلمية، وسخر من الحضارة المليونية، منكرا أن يكون هناك أي دلائل استيطانية في الدوادمي.
هنا نترك الفصل لأهل التخصص ونقرأ ما قالوا عن آثار الدوادمي: تكفينا شهادة الدكتور عوض بن علي الزهراني، مدير مركز توثيق التراث بإدارة الآثار والمتاحف في جريدة الرياض العدد 13731 يوم الجمعة بتاريخ 27 ذي الحجة 1426هـ: الذي أكد أن تارخ الاستيطان في الدوادمي يعود إلى ثلاثمائة ألف سنة وأنها الأقدم في نجد.
وكذلك ما سطره الدكتور عبدالعزيز الغزي أستاذ الآثار القديم بجامعة الملك سعود في عمود قوافل، صفحة الآثار، في صحيفة الرياض العدد 13738 بتاريخ 4 محرم 1427هـ: (فبالعودة إلى بدايات وجود الإنسان في وسط المملكة العربية السعودية قبل ثلاثمائة ألف سنة، نجد أن محافظة الدوادمي من أقدم الأماكن التي ارتادها الإنسان؛ فعندما بدأت وكالة الآثار والمتاحف السعودية أعمالها المسحية اكتشفت عام 1980م، مواقع لإنسان العصور الحجرية مثناثرة على شعيب صفاقة (جنوب الدوادمي) تمثل وجود الإنسان بمختلف نشاطاته من جمع وصيد والتقاط.
كان السبب في وجود الإنسان هو وجود المياه الدائمة المتمثلة ببحيرات دائمة المياه كما أثبتت الأبحاث الجيولوجية التي صاحبت أعمال وكالة الآثار والمتاحف).
أما برفسور مايكل بتراجليا أستاذ الاستيطان في جامعة كامبردج فقد نشر بحثا عن الاستيطان في العالم في عام 2005م جاء فيه:
The great majority of identified Acheulean sites on the Arabian peninsula are associated with rock outcrops، where a number of quarries or شfactoryص sites have been identified (Petraglia 2003).
The identification of stone-tool quarry sources and reduction areas demonstrates that a wide variety of raw materials were used (e.g.andesite، rhyolite، basalt، quartzite).
Multiple شMiddle Acheuleanصsites located along andesite dykes at Dawa?dmi (Whalen et al.
1984) indicated hominin quarrying efforts، as indicated by the extent and density of Acheulean artefacts، which included an abundance of roughly shaped tools and waste products.
وترجمتها: (أن المواقع الآشولية الكثيرة التي اكتشفت في الجزيرة العربية ربطت بالتجمعات الصخرية البارزة حيث تكون المقالع أو المصانع (بتراجليا 2003).
ومن معاينة مصادر الآلات الحجرية ومواقع تهذيبها نستدل على أن أنواع كثيرة من المواد الخام استخدمت (مثال الأنديزايت والرايولايت والبازلت والكوارتز).
وهناك مواقع كثيرة من وسط الحقبة الآشولية على امتداد السدود الحجرية في الدوادمي (والن وفريقه 1984م) تدل على جهود بشرية في قلع وقطع الصخور بما في ذلك عدد وافر من الأدوات الخشنة الصنع ومخلفات القطع (خارطة رقم (1) توضح المواقع في صفاقة:
المرجع
From:HEAD، M.J.&GIBBARD، P.L.(eds) 2005.
Early-Middle PleistoceneTransitions: The Land- Ocean Evidence.
Geological Society، London، Special Publications، 247، 305-319.
0305-8719-05-$15?The Geological Society of London 2005
وكنت سأكتفي بما ورد ولكني سأنقل بعض النصوص كما في كتاب عرائس الصحراء الذي اشترك في تأليفه اثنا عشر دكتورا وبروفسورا وصدر عن مؤسسة أسبار عام 1419هـ لأنني اعتمدتها مرجعا أساسيا في تقريري الأول، وإلا فإن عمر الدوادمي الاستيطاني (ثلاثمائة ألف سنة) التي ذكرها المختصون كافية للرد على البواردي:
نقرأ في ص17:
(الفترة (الأشولية) والتي تلي الفترة (الألدونية) فهي تمتد مليون سنة وشهدت شبه الجزيرة العربية خلالها حركة استيطان كبيرة.
حيث تؤكد المسوحات الأثرية انتشارا واسعا لمواقع هذه الفترة، وكثافة بشرية تعكسها أعداد المواقع التي سجلت أحجامها وتوزيعها.
وتنتشر هذه المواقع في كل من: الدوادمي ووادي فاطمة وتثليث وعفيف وبالقرب من خميس مشيط).
ثم نقرأ في ص 18: (واستمرت حركة الاستقرار البشري في شبه الجزيرة العربية خلال فترة العصر الحجري القديم المتأخر الذي يمتد من (35000-12000) سنة قبل الميلاد.
وسجلت مواقع عديدة وخاصة في الدوادمي وبئر حما ووادي تثليث والطائف ووادي سرحان).
ويتواصل الاستيطان في الدوادمي حتى في عصور متأخرة كما جاء في ص 19: (تميز العصر الحجري الحديث الممتد من (9000-3400) سنة قبل الميلاد، وهو من الفترات المهمة في تاريخ الاستقرار في شبه الجزيرة العربية بظهور القرى الزراعية والمجتمعات المنتجة، وانتشرت مواقع الاستيطان في كل من: وادي الدواسر والسليل والدوادمي ووادي حنيفة والمجمعة والثمامة في منطقة الرياض).
ثم أنقل هذه الفقرة من دراسات آركيولوجية تتحدث عن قدم الاستيطان في الجزيرة العربية وتربطها بالهجرة من إفريقيا كما ورد في مجلة Journal of World Prehistory 17:141-179، 2003 نقلا عن THE ANDAMAN ASSOCIATION مؤيدة مقالة الدكتور عوض الزهراني بأقدمية الشويحطية ومؤكدة قدم الدوادمي المليوني.
Dr.Mike Petraglia and his team (funded by the The Leverhulme Trust) have found evidence that so far consists of stone tools of the the Oldowan toolmaking tradition (started around 2. 5 million years ago in Africa and lasted for around 1 million years) and of the following Acheuleen tradition (started around 1. 8 million years ago، again in Africa،and lasted until around 150،000 years ago).
The site Shuwayhitiyah shows a close relationship to East African Oldoway.
The sites along the coasts of the Red Sea as well as inland are younger with Acheuleen tools.
The Dawadmi site is especially large and shows tools of both types، indicating that it may have been in use for long periods.
وترجمتها كالآتي:
(عثر د.مايك بتراجليا وفريقه (مؤسس من قبل ليفرهلم ترست) على أدوات حجرية تعود إلى الحقبة (الألدوانية) (بدأت قبل 2.5 مليون سنة في إفريقيا واستمرت لمليون سنة) وكذلك الحقبة الأشولية (بدأت قبل 1.8 مليون سنة أيضا في إفريقيا واستمرت إلى ما قبل مائة وخمسين ألف سنة. ولقد وجد في الشويحيطية علاقة مع ألدونية شرق إفريقيا.
والمواقع على ساحل البحر الأحمر وبعض الجزر تعتبر أحدث وتحتوي الأدوات الآشولية.
ويعد موقع الدوادمي بالذات موقعا كبيرا يحتوي على أدوات من الحقبتين مما يعتبر مؤشرا على احتمال استخدامها لدهور طويلة هناك. ثم هناك كتابات من حضارة تبع في جبل البيضتين وماسل ومجيرة. وهناك مناجم سمرة والسدرية الضاربة في القدم. ولم ينقطع الاستيطان عن الدوادمي على امتداد التاريخ. ففي السدرية (شمال غربي صناعية الدوادمي) توجد آثار مسجد قبلته إلى القدس؛ مما يعني دخولهم في الإسلام مبكرا. وهناك يمكنك أن تستخرج فخاريات تلك الحقبة. أما مدينة الشعراء ووادي التسرير وجبلة وثهلان فشواهدها الشعرية موثقة قبل الإسلام وبعده).
النتيجة
في ظل هذه الحقائق توقعت من أديب يقول إنه يحب الدوادمي (كما جاء في مقال البواردي) أن يفرح للخبر ويفتخر به ويعود للمراجع ليستزيد منها ويطالب هيئة الآثار بالتنقيب ودراسة تلك الحقائق بدلا من أن يسخر منها ويجعلها موضع تهكم في مقالاته. إنني أُكبِر أديبا بحجم البواردي من أن يجعل الحقائق موضوع تهكم، وأذكره بأن إنكار الحقائق لا يلغيها.
السكان والمكان
استخدم البواردي وغيره جملا عدة في محاولة سلب حق الدوادمي حقوقها: يقول الأستاذ البواردي: (اهتم الكاتب الكريم بإحصائيات السكان كما لو أنها صك الغفران في مقاربة ومقارنة بينها وبين أخواتها المدن الأقل سكاناً..!
- عدد السكان وحده لا يشفع ما لم تعززه جغرافية المكان. لا ديموغرافية السكان وحدها..)
وأنا أتفق مع البواردي فيما ذهب إليه من أن الموقع الجغرافي مهم (الدوادمي تتوسط المدن الرئيسة في وسط نجد وهي شقراء والقويعية عفيف) شكل (2).
إذا جغرافية الموقع تؤيد ما ذهبت إليه في تقريري من أن الدوادمي هي المركز بشهادة البواردي نفسه. ليس فقط هذا بل إن الاستراتيجية العمرانية الوطنية التي أعدها نخبة من المختصن السعوديين يساندهم خبراء التنمية العالميون وأقرها مجلس الوزراء جعلت الدوادمي هي مركز التنمية الوطنية في وسط نجد وصنفوا محافظة شقراء مركز تنمية إقليمية. هذا رأي المختصين بعيدا عن العواطف والتعصب. ثم إن مجلس الوزراء أقر تلك الاستراتيجية ولا شك أن طاعة أولي الأمر واجبة.
ولعل ما يوضح توسط الدوادمي هو ما أورده الأستاذ سعد بن علي الماضي المتخصص في الجغرافيا ورسم الخرائط الباحث في الآثار والجغرافيا التاريخية، يقول: (فإذا أخذنا خطاً مستقيماً من شاطئ نصف القمر على الخليج العربي إلى مدينة رابغ على البحر الأحمر لكانت مدينة الدوادمي في منتصفه، وإذا رسمنا خطاً من سلوى في الشرق إلى ينبع البحر في الغرب لكانت مدينة الدوادمي في منتصفه، وإذا رسمنا خطاً من الحدود مع اليمن جنوب الوديعة إلى الحدود مع العراق والأردن عند جبل عنازة لكانت بلدة شبيرمة هي منتصفه وهي قريبة من وسط المحافظة (الدوادمي)).
ثم يقول البواردي:
- مكان واشنطن سبق سكان نيويورك الأكبر والأكثر.
- مكان إسلام آباد سبق سكان كراتشي الأكبر والأكثر.
- مكان نيودلهي سبق سكان بومباي الأكبر والأكثر.
ثم يصل البواردي إلى نتيجة أن: (المكان أهم من السكان).
أستغرب أن يصل البواردي إلى نتيجة أن الدوادمي سكان بلا مكان.
وكيف يجرؤ على إلغاء مساحة كبيرة من الوطن تمثلها محافظة الدوادمي ويعتبرها لاشيء.
كأنني أسمع في مقولته صدى لمقولات مشابهة في التاريخ أطلقها أصحابها لسلب حق آخر ولكن الواقع يبطلها ولعل أشهرها مقولة (وطن بلا شعب لشعب بلا وطن). أديبنا الكبير أحب أن أذكرك بأن الدوادمي سكان ومكان. سكان كما أثبتت ذلك الإحصائيات، ومكان لتاريخها الضارب في القدم الذي تحدث عنه المختصون وأثبتوا أنه لا يقل عن ثلاثمائة ألف سنة. الدوادمي مكان لوقوفها في صف الموحد - عليه رحمه الله - ومع أجداده من قبله.
ومكان لأن الملك عبدالعزيز اختارها موقعا لقصره على رغم صغر حجمها آنذاك.
وأنقل هذه المقاطع من شواهد رجالات السياسة والأدب منها ما ورد في مقالة لسعادة السفير أحمد عبدالجبار نشرت في صحيفة الشرق الأوسط العدد 4861 بتاريخ 20-3-1992م يقول فيها: (اسمحوا لي بأن أضيف للحقيقة وأمانة للتاريخ، وخصوصا عما جرى في بلدة الدوادمي في أواخر شوال 1364هـ وأوائل أكتوبر (تشرين الأول) عام 1945م.
أتذكر أن جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز كان قد استدعى ابنه الأمير فيصل بن عبدالعزيز وزير الخارجية حينئذ إلى الدوادمي، وقد وصلها الأمير على السيارة من مكة المكرمة، وأبرق بدوره للشيخ يوسف ياسين وكيل الوزارة ورئيس الشعبة السياسية أن يحضر مصطحبا معه السفير البريطاني السير جرافتي سميث بالطائرة من جدة إلى هناك.. وعندما وصلت الطائرة إلى الدوادمي أخبر الشيخ يوسف السفير البريطاني أن الملك عبدالعزيز سيستقبله بعد ساعة.....).
أما إيجيرو ناكانو من الخارجية اليابانية فقد زار المملكة العربية السعودية سنة 1358هـ -1939م وسجل مشاهداته عن عظم قصر الملك عبد العزيز في الدوادمي وعن البرقية التي كانت فيه وعن حفل الشاي. أما أحمد حسين فقد قال في كتابه مشاهداتي في جزيرة العرب الصادر عام 1950م ص192و193: (الدوادمي شيء على طراز المويه ولكنها أكبر حجما وأغزر سكانا وأكثر حركة، ذلك أنها لم تعمر لأنها محطة، بل المحطة وضعت فيها لأنها قرية عامرة من قرى نجد..).
ثم يقول: (على أن ما يجعل الدوادمي تتيه على كل ما سبقها من محطات هو وجود محطة لاسلكية بها وهذه المحطة تصلها بجميع أطراف المملكة..) .
وهذا لا يتنافى مع تاريخ شقراء العريق في مناصرة عبدالعزيز رحمه الله حين كانت مركزا لقبيلة بني زيد بل تاريخ الدوادمي مكملا لتاريخ شقراء. إن تاريخ شقراء مشرف تشاركه فيها مدن كثيرة في شتى أنحاء المملكة. وأرجو أن لا يكون البواردي يريد أن يمسح تاريخ الدوادمي وسكانها وتوسطها في الموقع لصالح تاريخ شقراء. أحب أن أذكره بأن للتاريخ ديناميكية في التطور لا تعرف الرجوع إلى الخلف. ولنأخذ شقراء مثلا.
فبعد أن كانت مركز بني زيد في الماضي أصبحت تحتل المركز الرابع ال وربما الخامس بعد الرياض والدوادمي والقويعية بعد أن رحل عنها أغلب سكانها إلى الرياض والدوادمي والقويعية والشعراء والبكيرية والشرقية وغيرها من مدن المملكة والخليج.
حركة التاريخ نقلت عاصمة الخلافة الإسلامية من المدينة - على أهميتها- إلى دمشق فبغداد.
التاريخ لا يعود إلى الوراء وشواهد ذلك كثير. تاريخ اسكتلندا (عاصمة الجزر البريطانية القديمة) لم يسلب لندن حقها في أن تكون عاصمة بريطانيا الحديثة.
وحركة التاريخ إلى الأمام أخرجت مركز المسيحية من القسطنطينة إلى روما فموسكو وواشنطن.
يضاف إلى ذلك أنه لاوجه للمقاربة بين شقراء وواشنطن وإسلام أباد ونيودلهي وغيرها من المدن التي استدل بها البواردي؛ لأن تلك المدن عواصم قائمة لم يطلب أحد نقلها لغيرها من المدن، بينما نحن نتحدث عن تطوير إدراي قادم يأخذ في الاعتبار السكان أساسا لأنهم هم هدف التنمية ويأخذ الموقع الجغرافي وتوسطه في المنطقة المراد تطويرها لأنه يساعد في تنفيذ خطط التنمية ولا يغفل عن التاريخ وكل هذه عوامل لصالح الدوادمي.
ولو استخدمنا منطق البواردي (المجاملات) للزم تغيير عواصم وإمارات المناطق الحالية وهذا ما لا يقبله عاقل. فكيف يستدل باستدلال باطل لحرمان غالبية المواطنين حقهم الذي أقره لهم مجلس الوزراء على حساب قلة أكثرهم تركوا المكان (شقراء) الذي يطالبون بتكريمه.
شقراء والدوادمي كبقية مدن المملكة التفت حول الملك عبدالعزيز وناصرته بالدم والمال.وهذا كرم لم يستأثر به أحد دون غيره.
سكان المحافظتين خلال قرنين من الزمان
وضحت في السابق الكثافة السكانية العالية للدوادمي كمدينة وكمحافظة.
واليوم لننظر إلى رسم بياني يوضح الزيادة في سكان المحافظتين اللتين أوردهما الأستاذ البواردي في مقاله (الدوادمي وشقراء) منذ أواسط القرن الهجري الماضي إلى إحصاء 1425هـ جدول (1) وشكل (3).
يتضح جليا النمو المطرد في سكان الدوادمي المدينة والمحافظة على رغم اقتطاع بعض القرى منها وإلحاقها بمحافظات مجاورة بينما يكاد لا يذكر ارتفاع سكان شقراء إذ هو قريب من أن يكون خطا أفقيا. وهذا النمو لا تحدده المجاملات وإنما يحدده مقومات المدن. وهو مؤشر كذلك على قابلية النمو والتطور في المدينة.. سيتضح أن الدوادمي جاذبة للسكان وهذا يتفق مع الدراسات التي أعدت من قبل المختصين ويضيف إلى أن الدوادمي أكثر تأهيلا من غيرها لكي تكون المركز الإداري للتطوير المنتظر.
جدول (1)
الزمن شقراء الدوادمي
قبل 200عام* 12400 430
قبل 70 عام* 8000 1500
أحصاء 1413 27848 165678
إحصاء 1525 34543 190138
*سكان مدينتي شقراء والدوادمي أما الإحصاء اللاحقة فللمحافظتين حسب إحصاء 1413هـ و1425هـ.
المراجع
1. رحلة إلى الرياض والأوراق الخاصة العقيد لويس بيلي.
2. تعداد السكان في بادية وحاضرة نجد قبل 200 سنة تقريبا للمؤرخ الفرنسي فليكس مانجان. استعراض محمد بن عبد العزيز الفيصل في جريدة الجزيرة العدد 10321 بتاريخ 5 شوال 1421هـ.
3. كتب الإحصاء الصادرة لعامي 1413هـ و1425هـ.
ديموغرافية الدوادمي الحديثة
ذكرت في التقرير السابق أن مدينة الدوادمي الحديثة بناها آل سويد من بني زيد (المدينة الوحيدة التي بناها بنو زيد) ثم توافد عليها المزيد من بني زيد من شقراء والشعراء والعرض (تأتي الدوادمي ثانية بعد الرياض من حيث كثافة بني زيد) ثم وفد إلى الدوادمي أسر من الدواسر وتميم وبني خالد وباهلة وعتيبة ومطير وشمر وسبيع والآن فيها أسر تمثل الوطن بأسره. ولا شك في أن قبيلة عتيبة أكثرية في الدوادمي وفي شقراء ذاتها وفي الزلفي ومدن أخرى في وسط نجد. إذا لندع الحديث عن القبائل ولنتحدث عن الوطن؛ فولاؤنا للوطن وليس للقبيلة. وللدوادمي تجربة في صهر ولاء القبيلة لصالح الوطن يدل على ذلك نتائج انتخابات المجلس البلدي فيها.وكون الدوادمي ستصبح المركز الإداري القادم سيعمق هذه التجربة وينميها.
إحصائيات تجارية عن الدوادمي
* فيها خمسة بنوك: الراجحي (ثلاثة أفرع)، والرياض، والأهلي، والعربي، والبلاد.
* المحلات المرخص لها 5876 رخصة تجارية.
* فيها أكثر من 75000 مشترك في الهاتف الثابت وأكثر من 30000 مشترك جوال.
* المشتركون في خدمة الكهرباء 55617 مشتركا.
* بلغ سعر المتر المربع السكني في بعض الأحياء 500 ريال للمتر.
* تتذبذب أسعار القطع التجارية بين 500-1250 ريال للمتر المربع.
* بلغت بعض الصفقات العقارية ثلاثين مليون ريال.
* إجارات المحلات التجارية 15000-20000ريال (فتحة 4 متر على الشارع العام).
* الشقق السكنية 15000-18000ريال.
* الدور الأرضي كاملا (تجاري) مائة ألف ريال.
* الصالات 180000 ريال سنويا.
* عدد المستفيدين من القروض الزراعية 17792 مزارعا إجمالي المبلغ 2.175.497.406 ريالات.
* الثروة الزراعية: 24600 طن قمح، 15000طن شعير، 2500 طن تمور، 10000طن برسيم، 3000طن خضار.وتصدر البطاطس لروسيا ودول عربية.
* الدوادمي تحتوي على محاجر الرخام الأسود (جبل الخوار) والرخام الأبيض (جبل خنوقة) والجرانيت وهي ذات جدوى اقتصادية ومستخدمة من قبل الشركات الكبرى.
من هو الذي يريد بجرة
قلم أن يغير الحقائق؟
يقول البواردي: (وهكذا بجرة قلم ألغى أي امتداد أو حتى ارتداد طبيعي لا تكون مدينته التي يعشقها هي نقطة الارتكاز فيه).
أود أن أذكر البواردي بأنها ليست جرة قلمي التي جعلت الدوادمي الامتداد الطبيعي لأي تطوير قادم في منطقة الرياض بل هي الاستراتيجية العمرانية الوطنية التي أقرها مجلس الوزراء بناء على رأي الخبراء.
نحن لا ننكر على البواردي أن يستمر في دورانه في محور حول شقراء كما قال في عموده بما نصه:(... لقد ذكَّرني بهذا الزعم ما كنت أتصوره وأنا طفل صغير لم يبلغ بعد الحلم أن شقراء هي نقطة ارتكاز العالم وأنه يدور حولها.. ويتحرك، ويصنع وينتج من أجلها ولو أنها قاطعت العالم لأفلس وتوقفت دواليب صناعته).
ولكن ليس من حق البواردي أن يجبر المسؤولين ومئات الآلاف من المواطنين أن يدوروا معه في المدار ذاته حول شقراء.وأحب أن أطرح على البواردي سؤالا بتجرد: لو طلب منك أن تختار مركزا تنمويا لبقعة على الأرض وأعطيت هذين الخيارين: الخيار الأول: الموقع المتوسط، الموقع الأكبر، والكثافة السكانية، وإمكانات تاريخية وحضارية ضاربة في القدم ومقومات نمو، وصنفه الخبراء كمركز نمو فئة ألف.
الخيار الثاني: موقع في الطرف، ضعيف النمو، قليل السكان وصنفه الخبراء مركز نمو فئة (ب). أيهما ستختار مركزا؟ إن قلت: (الخيار الأول)؛ فقد اخترت الدوادمي، وإن قلت: (الخيار الثاني) فإنني أترك الحكم للقارئ على اختيارك.
في الختام
* الموقع والكثافة السكانية والموقع المتوسط للدوادمي ورأي الخبراء والعمق التاريخي يجعل الدوادمي المركز لأي تطور إداري قادم في منطقة الرياض.
* ولاة الأمر أقروا ذلك في الاستراتيجية العمرانية الوطنية التي صادق عليها وأقرها مجلس الوزراء التي صنفت الدوادمي مركز نمو وطنيا بينما صنفت شقراء مركز نمو إقليميا.
وطاعة ولي الأمر واجبة كما ذكر البواردي.
* العمق الأمني والاستراتيجي للدوادمي معروف منذ القدم، كما دلت على ذلك الدراسات القديمة (وثائق إنجليزية) واستشارات الملك عبدالعزيز - رحمه الله - للخبراء البريطانيين والأمريكيين، ومن هنا جاء اختياره لها مقرا لقصره وملتقى للوفود الأجانب، وأنشأ فيها واحدا من أقدم مطارات المملكة مقابل قصر الملك عبد العزيز، ثم بُني فيها مؤخرا مطار الأمير سلمان.
* تاريخ مناصرة الملك عبدالعزيز تشترك فيه قبائل ومدن كثيرة وليس حصرا على شقراء أو الدوادمي دون بقية مدن المملكة. ولقد تغير الولاء من القبيلة إلى الوطن.
* الكثير من سكان شقراء نزحوا إلى الرياض والدوادمي (أكبر تجمع لبني زيد بعد الرياض) ومدن أخرى في المملكة وخارجها.
* التاريخ لا يعود إلى الوراء فشقراء لم تعد حتى مركزا لبني زيد كما كانت. والبتراء اندثرت وعواصم في التاريخ المعاصر اضمحلت وحلت محلها سواها.
* القبيلة لم تعد الهوية بل الهوية هي الوطن. والعدل أساس المواطنة كما أكد على ذلك خادم الحرمين - حفظه الله -.
|