* الزلفي - داود بن أحمد الجميل:
لا تزال أخبار كارثة العبارة السلام 98 تتردد على كل الألسنة بين المواطنين في المملكة أو الدول الأخرى التي تواجد لها رعايا في هذه السفينة التي غرقت في البحر قبل أيام، مخلفة عددا كبيرا من الضحايا ما بين مفقود ومصاب ومتوفى.
والذين قدر الله لهم النجاة من أبناء بلادنا لا يزالون يعتبرون أنفسهم في حلم لم يصدقوا بعد أنهم خرجوا إلى الحياة بعد أن رأوا الموت بأعينهم.. من هؤلاء الذين شملهم المولى جل وعلا بعنايته المواطنان عطا الله بن محمد العطا الله وعبدالعزيز بن فايز الفايز من أبناء محافظة الزلفي في مقتبل العمر ويعملان في سلك التعليم بوزارة التربية والتعليم، كانا ضمن ركاب العبارة متجهين في جولة صيد خاصة خلال الإجازة.
(الجزيرة) التقت الشابين بعد وصولهما لمحافظة الزلفي وعودة الهدوء لهما واستقبالهما أعدادا كبيرة من ذويهما وأصدقائهما الذين غمروهما بالسؤال والتهنئة لهما بالنجاة بعد عناية الله تعالى.
بداية سألناهما عن بداية الخلل في العبارة متى وكيف كان؟
يقول العطا الله: تبين الخلل في العبارة بعد الساعة العاشرة والربع مساء وأن الخلل كان عبارة عن حريق في الأسفل نتج عنه دخان كثيف من كل اتجاه ويؤكد أن الخوف والفزع بدأ ينتاب ركاب العبارة خصوصا مع تزايد الدخان وحركة الموظفين الموجودين في العبارة صحب ذلك بكاء ودموع بين الأطفال والنساء ويظهر على بعض الرجال.
ويقول العطا الله من المواقف المزعجة أن نرى الأم تضم ابنها إلى صدرها خوفا وتوديعا والأب ينظر إلى ابنه نظرة أخيرة بعد أن يقبله. والفايز يقول: عندما بدأت المعاناة بعد العاشرة وشاهدنا الدخان يخرج من الطابق الأسفل عندها طلبوا منها الصعود إلى الطابق الثاني واستمر الوضع على هذا الحال مع تزايد الدخان حتى الساعة الـ11.45 ثم طلبنا أطواق النجاة لكنهم رفضوا وأخذ الأمر يزداد سوءا وعندها صعدنا للطابق العلوي وجلسنا نشاهد البحر والدخان الكثيف والخوف والهلع يعم الجميع قام أحد الزملاء بطلب أطواق النجاة لأنهم غير راضين عن الوضع ولكن لم يستجب له أحد وعندما عرفنا مكانها قام أحد الركاب بتوزيعها حتى لبسها الغالبية منهم عند الساعة الواحدة ليلا. ثم أخذت السفينة بالميلان باتجاه اليمين حتى الساعة الثانية وزاد الميلان بعد نصف ساعة ثم انقلبت باتجاه اليمين بشكل قوي لا يستطيع أحد معه الوقوف حتى أخذ الركاب بالسقوط من كل جانب بشكل مخيف ثم انطفأت الأنوار عندها أخذنا بالصعود لمنطقة آمنة وبينما نحن كذلك سحبني شخص يريد النجاة فوقعت من الأعلى على حديد ملتهب أصابني ببعض الحروق فسقطت بالماء من حيث لا أشعر فبدأت المعاناة مع الماء فرأيت بجواري برميلاً فأمسكت به مدة من الوقت وبعد طلب العون والنجاة من الله رأيت قارباً بلاستيكياً صغيراً وبعد عناء صعدت إليه ثم ساعدت آخر بالصعود إليه ثم جاءت ابنتان سعوديتان وتم إنقاذهما ثم تم نقل رجل مع ابنيه وتم نقل عدد من الركاب حتى وصل العدد لـ41 شخصاً وعندئذ مرت طائرة من فوقنا ولكنها ذهبت وبعد فترة جاءت سفينة بضائع وتم نقلنا بها من القارب وإنقاذنا بعد عناية الله.
ويقول العطا الله: إنه بعدما رأينا الدخان الكثيف وبعد أن دخلنا في النوم استيقظنا وخرجنا من المكان وذهبنا لكباتن العبارة وأخبرناهم بالحدث فبدأوا بإطفاء الحريق وكانوا لا يتميزون بلباس معين ولم نر منهم استعدادا لمثل هذه المواقف حيث كان يتم إطفاء الحريق بطرق بدائية وقد رأينا بعض المختصين يختمون على الجوازات لم يبالوا بالحدث!! وكنا في مطعم وأخذ العاملون فيه يطمئنون الناس ويقولون (مجرد إشاعة) فكلمت أحدهم على انفراد وقلت له الحدث في الحريق أنا شاهدته وشاهده غيري فإن كان لهدف عدم إزعاج الناس فلابد من قول الحقيقية وإبلاغهم أن هناك حريقاً، فإذا تمت السيطرة عليه يخبر الناس بذلك من أجل الاستعداد النفسي والحسي قبل حدوث الكارثة ولكن لم أجد نتيجة بعد ذلك فتحوا أبواب السطوح للتهوية وكان الناس يجلسون في الجهة اليسرى محاولة منهم لتعديل ميلان العبارة المتجه لليمين وعندما حاولت التعرف على تطورات الحدث منعوني من النزل للدور الأسفل (الدرجة الثانية) فشاهدت الماء وقد غطى أرضية الدور فحاولت النزول من طريق آخر فشاهدت نفس المنظر ورأيت مجموعة من المسؤولين يتحدثون ويترحمون على أحدهم الذي اختنق من الحريق ورأيت أحدهم وقد احترقت رجله وعندما رحت إلى رفاقي سألوني عن الوضع فلم أخبرهم ثم توجهت للمختصين وطلبت سترات النجاة ورفضوا بحجة عدم إحداث الفزع بين الركاب وقالوا إذا تطلب الأمر لها فهي موجودة في صناديق في سطوح العبارة فتوجهت إلى إحداها وأخذت مجموعة لرفاقي وبعض الركاب وأمرتهم بالاستعداد فلبسها معظمهم وعندما زاد الدخان صعدنا إلى السطح وتأملت الناس حولي فوجدت الكل مستعدا للمرحلة الخطرة ورأيت رجلا لم يلبس سترة النجاة فأمرته بلبسها فرفض وكان يظهر على ملامحه اليأس؟ وبعد انطفاء الأنوار حاولت أن أصعد إلى الجانب الأيسر فسقطت بسبب العفش ثم حاولت مرة أخرى وتمسكت بالحديد حتى صعدت إلى الجانب الأيسر وأخذت أنظر إلى المكان الذي فقدت فيه أصحابي وأناديهم بأسمائهم وغلب على ظني أنهم سبقوني نظراً لتعثري قبل الصعود فشاهدت الناس وقد اتجهوا إلى أعلى مكان من العبارة بعد سقوطها فحاولت الوصول إليهم فلم أستطع ثم رأيت جانب العبارة الذي أسير عليه وقد بدأ بالاشتعال وانقلب لونه إلى السواد فوجدت حذاء فلبسته وجريت على جانب العبارة باتجاه المؤخرة حتى تجاوزت مرحلة الخطر فحاولت الصعود إلى الجانب الأيمن حيث كان الناس فإذا بالموج يقذفهم فاصطدموا بي فسقطت على رأسي وأعادنا الموج إلى سطح العبارة الجانبي وحينها شعرت أنها النهاية؟
ولكن والحمد لله حاولت الصعود وتمسكت بإحدى المواسير حتى صعدت إلى سطح البحر ورأيت بالقرب مني جثة شاب في سن 15 عاماً وعليه سترة النجاة.
وعندما رأينا باقي العبارة يغرق تدريجياً حاولت الهرب خوفا من انفجار أو حريق أو نحو ذلك وأنادي الزملاء ولكن لا مجيب؟ وأخذت أسير بين الجثث وبين الناس ما بين باكٍ ولافظ أنفاسه ووجدت لوحاً من الخشب عبارة عن مجداف تعلقت به ودعوت أحد الإخوة المصريين ليرافقني وبعد فترة وجدت طفلاً وطفلة يبكيان فسحبتهما معي أعمارهما ما بين 4 إلى 6 سنوات وشاهدت بعد ذلك عبارة كبيرة تسير بالقرب منا فظننت أنها إنقاذ لكنها سرعان ما ابتعدت عنا!! وحينئذ شاهدت قارباً صغيراً ظننته أرسل لإنقاذنا ولما اقتربت منه وجدته يحمل مجموعة من الركاب الذين ينتظرون من ينقذهم وهذه القوارب عبارة عن براميل تطفوا بعد غرق السفينة وتفتح بطريقة معينة فطلبت منهم المساعدة فرفضوا أعطيتهم الأطفال فركبوا في القارب الذي شارف على الهلاك وركبت معهم بعدما مد أحدهم يده لي ثم سقطت مع الموج مع بعض الركاب وكلما زاد الموج سقط نصف الركاب حتى زاد الموج ثم انقلب القارب رأساً على عقب سقط الركاب جميعاً فتعلقنا بالقارب فترة من الزمن وكان أحدهم يحاول خلع سترتي فمنعته وأخذت بيده إلى الحبل ثم تركته فخلع سترة أحد الركاب وركبت بالقارب وهو مقلوب وشاهدنا قارباً آخر مشابهاً لقاربنا ولكنه أحسن حالاً منه فهجمنا عليه وكان فيه 4 ركاب فقط فركبنا معهم بعد جهد جهيد بعد ذلك شاهدنا الطفلة تطفو بالقرب منا وقد فارقت الحياة. ولكن الطفل أراد الله له حياة حيث اقترب منا فأركبناه معنا وكان عدد الركاب حوالي 25 في قارب مساحته متر ونصف? مترين والماء يصل بنا إلى الصدر، ثم شاهدنا طائرة هليكوبتر الساعة 10 صباحاً في اليوم التالي ما لبثت أن اختفت ثم شاهدنا عبارة إنقاذ كبيرة وكنا نحاول الاقتراب منها حتى غربت الشمس دون الوصول إليها، ضرب اليأس في معظم الركاب لعدم وجود أنوار وارتفع النواح والبكاء. عند ذلك قام أحد الركاب وهو من مصر وكان يملك خبرة في البحر فأخذ يحاول تقريب قاربنا من عبارة الإنقاذ لأنها ثابتة وقاربنا لا يوجد فيه أي وسيلة لتوجيهه عدا بعض ستر النجاة حيث أخذ الراكب المصري ويدعى سيد باستخدامها للاستفادة من الرياح مع أنه كان قلقاً ومتوتراً وعندما اقتربنا من العبارة رموا علينا حبلاً للإنقاذ ولكن لم نستطع الإمساك به وأخذنا الموج وأخبرناهم أن معنا طفلا صغيرا بعد ذلك سلطوا الكشاف علينا وأرسلوا قاربا صغيرا مخصصا للإنقاذ ولكن ليس فيه سوى الحبال قربوا منا ورموا لنا حبالاً كثيرة وركب الجميع بما فينا الطفل وتأخرت أنا بعدهم نظرا للزحام والمشاجرة على الحبال ولكن للأسف أن القارب سار به الموج وتعلقت بطوق النجاة. أخذت الطوق وسرت فوجدت أحد الركاب وقد شارف على الموت ويغرق ولم يلبس سترة النجاة فأخذته وأركبته في القارب وأخذ مني وقتا أبعدت فيه العبارة عني وصاحبي يطلب مني بطانية لأنه يكاد يتجمد من البرد حاولت تهدئته بلا جدوى وكنت عندما أريد إرسال إشارات لسفينة النجاة يأخذ بثوبي ويسقطني فأعطيته قطعة بلاستيك، العبارة أخذت باليمين أرسلت لهم إشارة والحمد لله شاهدونها وقربوا منا فسألوني عن طوق النجاة فقلت موجود فقالوا (برافو عليك) فرموا لي الحبل فحاولت ربطه بالعوامة لإنقاذ زميلي ولكن الرياح والموج قذفتني ولكنهم لحقوا بي ورموا لي الحبل فقمت بربطه بالعوامة وطلبت منه الإمساك بها ثم رفعني الموج ولله الحمد إلى السفينة التي يبلغ ارتفاعها أكثر من 4 أمتار عن سطح البحر تمسكت بالحديد ثم سحبوني إلى السفينة وأدخلوني غرفة صغيرة وضيقة ولكنها دافئة ونمت تلك الليلة في السفينة وكان طاقمها من المصريين فقدموا لنا بعض الطعام والماء وكان استقبالهم طيبا لنا ووصلنا إلى ميناء سفاجة الساعة التاسعة والنصف صباحا. وعن جهود المسؤولين في السفارة السعودية في جمهورية مصر يقول الفايز: كانت جهود المسؤولين في سفارة خادم الحرمين الشريفين في جمهورية مصر جهودا ملموسة ومشكورة منذ وصولنا وحتى مغادرتنا حيث سهلوا لنا كل الإجراءات، ويضيف العطا الله: إننا منذ وصولنا وجدنا مسؤولي السفارة في استقبالنا حيث رافقونا للمستشفى ثم للفندق وهيأوا لنا كل ما نحتاجه وهذا بتوجيهات ولاة الأمر في هذه البلاد وعلى رأسهم خادم الحرمين الملك عبدالله حفظه الله بعد ذلك نقلنا إلى جدة بطائرة خاصة حيث استقبلنا وكيل محافظة جدة حفظه الله.
ويضيف العطا الله أن ما أنساهم هذا الموقف العصيب الذي رأوا من خلاله الموت بأعينهم هو اتصال صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز ونحن في المستشفى حيث اطمأن علينا جميعا كما شكرني شكرا خاصاً وفقه الله. كما زارنا معالي سفير خادم الحرمين الشريفين في مصر هشام ناظر وفقه الله.
وفي الختام قال العطا الله والفايز إننا نبتهل إلى المولى جل وعلا أن يتقبل من فارق الحياة في هذه المحنة وهذا الحدث المؤلم وأن يتغمدهم بواسع رحمته وغفرانه ووجها شكرهما وتقديرهما لرجال حكومتنا الرشيدة وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وسمو وزير الداخلية وسمو نائبه وسمو الأمير محمد بن نايف الذي تابع الموقف واطمأن على الجميع ولسمو وكيل محافظة جدة وجميع المسؤولين في حكومتنا الذين تعودنا منهم الوقوف مع أبناء شعبهم في جميع الظروف.
كما شكرا كل من زارهما أو اطمأن عليهما حضوريا أو هاتفيا داعين المولى أن يحفظ الجميع من كل سوء ومكروه.
|