مع صحبتي الطويلة واهتمامي البالغ بكتاب (الأعلام) للمؤرخ خير الدين الزركلي أوقفني استفهام في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (6:257) وهو قول الزركلي في مصادر ترجمته: (وحلية البشر - خ. وفيه: مولده سنة 1111 هـ) وبالرجوع إلى (حلية البشر) الذي هو من تأليف الشيخ عبد الرزاق بن حسن البيطار الدمشقي المتوفى سنة 1335 والمطبوع سنة 1380 في ثلاثة مجلدات ضمن مطبوعات مجمع اللغة العربية في دمشق، والتي حققها ونسقها وعلق عليها حفيده محمد بهجت البيطار من أعضاء مجمع اللغة العربية، هكذا كتب على غلاف الكتاب.
ومع هذا لم أجد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ترجمة في هذا الكتاب مع أننا نجد الشيخ محمد بهجت البيطار يقول في مقدمته لهذا التحقيق: (1:6-7): وكان أذن لي الجد المرحوم باختصار تاريخه (الحلية) والتصرف فيه، على وفق ما أرتئيه فاختصرته لنفسي فعلاً في ثلاثة مجلدات وفرغت منها في آخر 1362هـ وآخر 1943م ثم إني استشرت أفاضل أصدقاء المؤلف بعد وفاته أأطبع الأصل أم المختصر؟ فكان الرأي الراجح إبقاء الأصل على حاله وتنسيقه، وطبعه من دون تصرف فيه بزيادة أو نقص أو تغيير والاعتذار عن المؤلف في كل ما يظهر فيه مجال للنظر، أو موضع للنقد، ومن هؤلاء علامة العراق السيد محمود شكري الألوسي - رحمه الله تعالى - ورجال مجمعنا العلمي الجليل معللين ضرورة طبع الأصل بأنه مرآة يتجلى فيها القرن الثالث عشر برجاله وأحواله، فلم يسعني إلا القبول شاكراً للمجمع العلمي بيض أياديه وعزمه على طبعه ودفعته إليه مستدركاً ومعلقاً عليه من دون تصرف في الأصل بزيادة أو نقص أو تغيير، مميزاً زياداتي وأقوالي بعزوها إليّ، مضيفاً إليها ما تتم به الفائدة ومن الله المعونة وبه التوفيق.
وكتب شيخنا الدكتور محمد مطيع الحافظ وزميله الدكتور نزار أباظة في مقدمتهما لكتابيهما: (علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر هجري) (1:8) عندما تحدثا عن كتاب (حلية البشر) حيث قالا: وممن بعد البيطار أصدر مفتي الحنابلة الشيخ محمد جميل الشطي كتابه (روض البشر) فأخذ من كتاب (الحلية) قبل طبعها، وزاد عليها في الزمان والتراجم وغير في أسلوب الترجمة الذي اتبعه فيها فأحسن بعمله واستحسن الدارسون منه صنعه وأثنوا عليه ونفد كتابه بعد طبعتين. ومما يلفت النظر أن بعضاً من التراجم الموجودة في (روض البشر) التي ذكر الشطي أنه أخذها من مخطوطة (حلية البشر) لم نجد لها ذكراً في طبعة (الحلية)؛ مما يدل على وجود خرم في النسخة المعتمدة في المطبوعة؛ ولذا نجد في المصدر السابق (علماء دمشق وأعيانها) (1:108) قولا في ترجمة محمد أبو تقالة في حاشية الكتاب في ذكر مصادر ترجمته: أعيان دمشق 231-232 نقلاً عن (حلية البشر) والترجمة غير موجودة في المطبوع.
جاء في (فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية التاريخ وملحقاته) (2:214- 216) وجود نسخة مخطوطة من كتاب (حلية البشر) المجلد الأول يقع في 292 ورقة والمجلد الثاني يقع في 255 ورقة والمجلد الثالث يقع في 229 ورقة، وطلبت تصويره بأجزائه الثلاثة للمقارنة بينه وبين المطبوع فتفاجأت بأن الكتاب ناقص الثلثين تقريباً وصفحاته قد اختلطت ببعضها بعضا، ويوجد على جوانب بعض الصفحات تعليقات الشيخ بهجت البيطار التي أودعها في الأصل المطبوع، وقد ذكر مفهرس المخطوطات الأستاذ خالد الريان أنها مفروطة الأوراق، وللأسف الشديد لا يوجد في هذه الأوراق التي بين يدي ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بل إن كل من اسمه محمد لا وجود له في هذه المصوّرة التي بين يديّ وعددهم في هذا المطبوع 140 ترجمة.
ولوجود هذا النقص عاودت الطلب في الحصول على صورة أخرى من الكتاب فأُخبرتُ أن ما صُور لي هو الموجود فقط وليس في الأمر خطأ أو وجود نسخة مختلفة.
وهنا أتساءل: هل الشيخ بهجت البيطار حذف ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، على اعتبار أن غالبية من ترجم لهم صاحب (الحلية) هم من الصوفية وقد كال لهم المدح الكثير والثناء العاطر، أو أن المؤلف كتب شيئاً لم يرق لمن اعتنى بالكتاب فطويت هذه الترجمة؟!
والنسخة فيما يظهر لي أنها بخط الشيخ محمد بهجت البيطار وذلك بمقارنة خطه بإجازته لشهاب الدين النجفي (محمد حسين المرعشي صاحب مكتبة المرعشي في قُم بإيران) الواردة في (المسلسلات في الإجازات) (1:401) المطبوع في قُم لأنه لا وجود لشبه بين خط النسخة وخط المؤلف الذي أورد الزركلي نموذجاً منه في (الأعلام) (3:351).
وقد رجع إلى كتاب (حلية البشر) - حيث كان مخطوطاً في حوزة سبطه الشيخ بهجت البيطار - كل من الزركلي حينما قال في تعداد مصادره في (الأعلام) (8:302): (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر: لعبد الرزاق البيطار مخطوط في مكتبته بدمشق ثلاثة مجلدات اطلعت على الأول والثالث منها)، وكذلك الشيخ محمد راغب الطباخ ضمن مصادره في كتابه (إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء) (7:645)، وذكر أنه عند حفيده الشيخ بهت البيطار في ثلاثة مجلدات.
وقد رجع إليه الشيخ محمد جميل الشطي ونقل عنه كما تقدم، حيث قال في كتابه (أعيان دمشق) (ص302): (هذا ولابد لنا الآن من تقديم واجب الشكر والامتنان لفضيلة الأخ الكريم والعالم النبيل الشيخ محمد بهجت البيطار فقد أباح لنا - حفظه الله - مطالعة تاريخ جده المنوّه به 3 جزءاً بعد جزء، وهو لم يزل مخطوطاً محفوظاً في مكتبته).
وقبل الختام يُتعقب الشيخ بهجت البيطار في كلامه المتقدم حيث قال إنه فرغ من اختصاره سنة 1362 هـ وأن الألوسي رأى أن يطبع الأصل علماً بأن الألوسي توفي قبل أن يختصر الشيخ بهجت البيطار كتاب (الحلية) بعشرين سنة حيث كانت وفاته سنة 1342هـ.
وبهذا نخلص إلى أن كتاب (حلية البشر) طبع ناقصاً فحبذا لو توصل المهتمون بالبحث العلمي إلى النسخة التي بخط المؤلف. وقد قام ورثة الشيخ محمد بهجت البيطار ببيع مكتبة والدهم إلى مركز جمعة الماجد ومن ضمنها: (حلية البشر).
وقد تكرم أستاذي الدكتور محمد مطيع الحافظ بإفادتي عن هذه النسخة بما يلي: إنها مخطوطة برقم 7942 وتقع في ثلاثة أجزاء وهي بخط محمد نعيم البيطار، قال الشيخ بهجت البيطار في أول الجزء الثالث: (لم أقف على تراجم هؤلاء الفضلاء وقد ترك المؤلف بياضاً في صفحات لكثير فأدركه الأجل قبل ملئها 1- محمد بن عبد المعطي الحريري 2- محمد بن سيرين 3- محمد جمال الدين حمدي 4- محمد علي بيك الميداني 5- محمد فوزي مفتي 6- محمد شريف أفندي 7- محمد بن هلال 8- محمد شاهين 9- محمد أمين مفتي الحلة 10- محمد بن سليمان الكردي 11- محمد أسعد بن صبغة الله 12- محمد بن فضل الله الحيدري 13- محمد الرواس 14- محمد ظافر المدني 15- محمد محمد ظافر المدي 16- محمد أفندي البغدادي 17- محمد أمين السويدي 18- محمد الصيادي الزيكوي 19- محمد إمام السردار 20- محمد عبد الجواد القاياتي 21- محمد صالح تقي الدين 22- محمد عليش)، ولم يكن من ضمن هؤلاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وغالب ظني أن النسخة التي بخط المؤلف هي التي استعارها العلماء الذين تقدمت أسماؤهم وهي التي فيها ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وبهذه المناسبة أنبه على ما قام به فؤاد أحمد زمرلي الذي قام بدراسة (مختصر طبقات الحنابلة) للشيخ محمد جميل الشطي وطبع سنة 1406 عن دار الكتاب العربي في بيروت فقد قام هذا الدارس كما يقول بحذف ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الطبعة التي طبعها المؤلف سنة 1339هـ وأشرف عليها بنفسه مستبدلاً إياها بترجمة الشيخ عبد الله البسام من كتابه (علماء نجد) في طبعته الأولى.
وهو بهذا العمل رغب في أن يدلس على القراء، لوجود بعض ما لا يوافق عليه الشطي فيما قاله عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولهذا كان الأجدى أن ينشر ما في الأصل ويعلق عليه بما يراه، لا أن يحذفه ويستبدل غيره به.
للتواصل مع الكاتب: |