لا يوجد حد قاطع بين الأمراض والأعراض والعلامات المرضية في عالم الطب، وكثيراً ما تتشابه الأعراض التي يشتكي منها المريض مع أعراضٍ لمرض آخر وينتج عن هذا الخطأ في التشخيص ومن ثم خطأ في وصف العلاج المناسب، وفي أحسن الأحوال يجد الطبيب صعوبة في تشخيص المرض بدقة ووصف العلاج المناسب.. تحدث هذه المشكلة كثيراً في عيادات الأنف والأذن والحنجرة مما ينتج عنها تملل المريض من كثرة العقاقير غير المفيدة وعدم الوصول إلى تشخيص سليم، ما هي هذه الأمراض وما هي الطرق المناسبة لتشخيصها وأحسن الطرق لعلاجها؟.. هذا ما سوف نسرده بإيجاز وبطريقة مبسطة.
أولاً: الارتجاع المعوي اللانمطي:
حينما يعاني المريض من ألم وحرقة في الحلق (البلعوم) وسعال جاف متكرر وخصوصاً عند النوم وتغيير في الصوت يظن المريض أنه مصاب بالتهاب باللوزتين أو البلعوم ويبدأ من تلقاء نفسه في تناول المضادات الحيوية والمسكنات، حيث لا يشعر بتحسن فيتجه للطبيب الذي قد يشخص المرض على أنه إلتهاب لوزات أو إلتهاب بالبلعوم ويكرر المضادات الحيوية عدة مرات وقد ينصح بعض الأطباء مرضاهم بضرورة إجراء جراحة لاستئصال اللوزات وبعد ذلك كله يستمر الألم وتستمر معاناة المريض.
يمكن تشخيص ذلك المرض بسهولة عن طريق:
1- التحدث إلى المريض بإسهاب عن التاريخ المرضي والأعراض وسؤاله عن وجود حرقة بالمعدة أو منتصف الصدر أو تناول الأدوية وخصوصاً المسكنات.
2- علاقة ألم الحلق والسعال بالوجبات ونوعية الطعام الذي يتناوله المريض وهل يحدث ذلك صاحياً أم أثناء النوم والاستلقاء في الفراش.
3- سؤال المريض عن التدخين (سجائر أم أرجيلة) حيث إن هذه الأعراض تظهر أو تشتد بعد تناول الطعام الدسم كثير التوابل والبصل و الثوم أو المقليات وذلك لكثرة إفراز الحامض المعوي ومن ثم إرتجاعه إلى البلعوم والحنجرة، و ذلك قد يحدث أحياناً مع التدخين وكثرة تناول القهوة والمسكنات.
يفحص المريض جيدأ وخصوصاً البلعوم والحنجرة التي قد تظهر محتقنة مع أمكانية وجود بعض التكيسات أو الزوائد اللحمية بالثنايا الصوتية.
هناك عدة طرق معقدة وبالغة الصعوبة لتشخيص المرض ولكن أبسطها عمل أشعة للبلعوم والمرئ والمعدة بالصبغة لكشف الارتجاع المعوي أو كشف وجود فتق بالحجاب الحاجز، كذلك يسهل التشخيص تماماً بعمل تنظير للمرئ والمعدة بمنظار الألياف الضوئية.
العلاج
1- ينصح المريض بتغيير أسلوب حياته تماماً عن طريق:
- البعد عن التوتر والقلق.
- عدم الدخول إلي الفراش مباشرة بعد تناول الطعام و خصوصاً العشاء.
- عدم تناول أنواع الطعام السابق ذكرها.
- عدم التدخين وتناول القهوة.
- عدم الإسراف في تناول المسكنات ومضادات الروماتيزم.
- تقليل الوزن.
2- تناول بعض الأدوية التي تقلل إفراز الحاض المعوي.
عند ذلك يشعر المريض بالراحة التامة واختفاء الأعراض ولكن في حالات قليلة تستمر الأعراض خاصةً في حالة وجود فتق بالحجاب الحاجز وهنا يحتاج المريض للتدخل الجراحي للسيطرة على الارتجاع المعوي.
أشعة بالصبغة للمعدة والمرئ (Barium swallow) تظهر وجود فتق بالحجاب الحاجز(Rolling hiatus hernia)
ثانياً: الدوار وعدم الاتزان
من المعروف عامةً أن الجهاز الدهليزي (Vestibular system) الموجود في الأذن الداخلية بقنياته الهلالية الثلاثة (Semicircular ca
nals) هو المسئول عن الاتزان وعن
الإحساس بوضع الرأس في الفراغ تصدر هذه القنيات الهلالية إشارات منتظمة دائمة للمخ عن طريق العصب الدهليزي الموجود في قاع الجمجمة للإفادة عن وضع الجسم والرأس في الفراغ ومن ثم يشعر الإنسان بوضع جسمه إن كان ساكناً أو يتحرك في مدار أفقي أو رأسي أو دائري، ووجود خلل في القنيات الهلالية أو العصب الدهليزي يؤدي إلى زيادة وعدم انتظام الإشارات إلى المخ ومن ثم يشعر المريض أنه يتحرك أو يدور أو أن الغرفة أو الأثاث تدور من حوله وهو ساكن في مكانه وغالباً ما يصاحب ذلك شعور بالغثيان والقئ. هذه المشكلة سهلة التشخيص والعلاج عن طريق العقاقير التي تعيد القنيات الهلالية إلى حالتها الطبيعية وتنظم إشاراتها للمخ.
هناك أعراض مشابهة للدوار ويصعب على المريض التفرقة بين هذين العرضين وهوعدم الاتزان أو الشعور بثقل أو اهتزاز في الرأس.. المريض دائماً يعبر عن شكوته بأنه (دايخ) أو يعاني من الدوار، هنا يأتي دور الطبيب للتفرقة بين الدوار وعدم الاتزان لاختلاف الطرق العلاجية كلياً. ولعدم الاتزان أو الإحساس بثقل الرأس أو اهتزازها أباب عدة من أهمها:
1- تشنج عضلات العنق - الفقرات العنقية هي التي تحمل الرأس وتتحكم في حركتها بمساعدة العضلات العنقية وتحمل هذه العضلات في ثناياها مستقبلات حسية للوضع (Proprioceptors) ترسل نبضات كهربائية للمخ للإفادة عن وضع هذه العضلات ومن ثم وضع الرأس والعنق، حدوث تشنج في هذه العضلات يؤدي إلى خلل وعدم انتظام هذه النبضات ومن ثم عدم الاتزان.
أسباب تشنج عضلات العنق
1- الجلوس أو النوم في وضع خاطئ واستخدام وسائد غير صحية.
2- الاستلقاء أو القراءة أو مشاهدة التلفاز من الوضع مضطجعاً.
3- بعض المهن التي تتطلب وضع الرأس في وضع ثابت لفترات طويلة مثل الجراحين ومستخدمي الحاسوب.
أعراض التشنج العضلي:
1- ألم في الرأس مع شعور بنبضات أو ثقل أو هزه أو عدم اتزان في الرأس.
2- ألم في العنق والكتفين.
يتم تشخيص هذه الحالة عن طريق عمل أشعة عادية للفقرات العنقية.
يتم علاج هذه الحالات كالآتي:
1- الامتناع عن الجلوس في وضع خاطئ أو وضع ثابت لفترة طويلة وذلك عن طريق تحريك الرأس في كل الاتجهات بعد كل ساعة من الثبات.
2- استخدام الوسائد الصحية بحيث تجعل الرأس في الوضع المستقيم أثناء النوم.
3- ممارسة التمارين الرياضية الخاصة بالعنق.
4- تناول المسكنات والعقاقير الباسطة للعضلات.
5- عمل جلسات للعلاج الطبيعي باستخدام الموجات فوق الصوتية والأشعة تحت الحمراء.
أشعة عادية للفقرات العنقية تظهر تشنج عضلات العنق (Loss of cervical lordosis)
2- اختلال وظيفة قناة استاكيوس:
تصل قناة استاكيوس تجويف الأذن الوسطى بالبلعوم الأنفي وتكمن أهميتها في تهوية الأذن الوسطى ومعادلة الضغط الهوائي داخل الأذن الوسطى ليعادل الضغط الهوائي خارجها لتسهيل اهتزاز طبلة الأذن وعظيمات الأذن الوسطي (Ossicles) لتكبير الموجات الصوتية قبل توصيلها للنافذة البيضاوية (Oval win
dow) بدهليز الأذن الداخلية لخلق
نبضات كهربائية تسري خلال عصب السمع إلي المخ ليسمع الإنسان.
أسباب الدوار وعدم الإتزان عند حدوث انسداد مفاجئ أو شديد ومستمر في قناة استاكيوس يقل الضغط داخل الأذن الوسطى ويتم امتصاص الهواء من داخل التجويف ويستمر الضغط منخفضاً داخل الأذن الوسطى ينتج عن ذلك تراجع وانكماش طبقة الأذن والعظيمات المتصلة بها ومن ثم تخلخل الضغط الهيدروليكي على النافذة البيضاوية والنافذة المستديرة بالأذن الداخلية ومن ثم إثارة الجهاز الدهليزي والشعور بعدم الإتزان أو الدوار في الحالات الشديدة.
أعراض المرض:
1- يشعر المريض بضغط وإنسداد في الأذن مثلما يشعر أثناء الهبوط من المرتفعات أو الهبوط بالطائرة.
2- طنين مثل موج البحر ضعف بسيط في حدة السمع.
3- ألم حول الأذن الخارجية.
3- عدم اتزان وأحياناً دوار التشخيص يتم تشخيص الحالة بملاحظة طبلة الأذن وهي منكمشة ومرتدة للداخل مع عمل قياس لضغط الأذن الوسطى. (Tympanometry)
العلاج:
1- ينصح هؤلاء المرضى بتناول مضادات الاحتقان ومضادات الإلتهابات وقطرات الأنف التي تساعد على فتح قناة إستاكيوس ومن ثم إعادة تهوية الأذن الوسطى.
2 - كما ينصحوا بمضغ اللبان وعمل مناورة فالزالفا (Valsalva's maneuver)).
ثالثاً: ألم الأذن
تغذي الأذن الوسطى والأذن الخارجية شبكة عصبية ضخمة عن طريق العصب الدماغي الخامس والتاسع وبعض الأعصاب الأخرى لذا فألم الأذن قد ينشأ عن سبب خارج الأذن تماماً وبالكشف على المريض نجد الأذن سليمة تماماً وليس بها أي التهاب ويكون ألمها بسبب امتداد الألم عن طريق الأعصاب المغذية للأذن بسبب مشكلة في موضع آخر بالرأس مثل الفم والأسنان والبلعوم والحنجرة.
كما يحدث في حالات تسوس الأسنان وقرح الفم واللسان والتهاب اللوزتين وبعد استئصال اللوزتين وقد يكون ألم الأذن مؤشراً خطيراً لوجود ورم خبيث في الفم أو البلعوم أو الحنجرة.
كما يتسبب التهاب المفصل الصدغي الفكي الأسفل (Temporomandibular joint) في ألم شديد بالأذن حيث إن المفصل ملاصق تماماً للأذن ولا يفصل بينهما إلا الغشاء المبطن للمفصل.
أعراض التهاب المفصل الصدغي الفكي الأسفل
1- ألم شديد بالأذن.
2- صعوبة في مضغ الطعام وتحريك الفك مع سماع صوت فرقعة في الأذن عند تحريك الفك.
3- ألم في الرأس أعلى الأذن وأسفل الفك بسبب تشنج العضلات المتحكمة في حركة الفك.
التشخيص:
يشخص المريض بوجود مضض مكان المفصل وخصوصاً عند فتح الفم مع الإحساس بفرقعة في المفصل مع الحركة مع تشنج العضلة الصدغية (Temporalis muscle).
العلاج:
1- يحتاج المريض للعلاج بالمسكنات ومضادات الالتهاب والعقاقير الباسطة للعضلات.
2- جلسات العلاج الطبيعي.
3- يحتاج المريض للأدوية المهدئة ومضادات الاكتئاب في بعض الحالات الشديدة.
د. مدحت طيبة ستشاري جراحة الأنف والأذن والحنجرة وجراحات الرأس والعنق مركز الورود الطبي |